النهار
جريدة النهار المصرية

تقارير ومتابعات

أسامة قابيل: الطلاق لا يبيح التشهير.. والبيوت قد تنفصل لكن الأخلاق لا تنفصل

محمد منصور -

أكد الدكتور أسامة قابيل، من علماء الأزهر الشريف، أن الخلافات الزوجية بعد الانفصال يجب أن تظل محكومة بالقيم الدينية والأخلاقية، وأن انتهاء العلاقة الزوجية لا يعني انتهاء الحقوق والواجبات الإنسانية، أو إباحة الإساءة المتبادلة والتشهير وتداول الأسرار الشخصية أمام الرأي العام، مشددًا على أن الإسلام جعل للبيوت والأعراض والكرامة الإنسانية حرمة لا يجوز انتهاكها تحت أي مبرر.

جاء ذلك تعليقًا على أزمة متداولة بشأن خلافات قانونية وأسرية بين زوجين سابقين، وما أثير حول عقد الزواج وتواريخه، وما صاحب ذلك من تبادل للروايات والاتهامات، موضحًا أن مثل هذه الوقائع يجب التعامل معها من خلال الجهات القضائية المختصة، بعيدًا عن إصدار الأحكام المسبقة أو تحويل مواقع التواصل الاجتماعي إلى ساحات لمحاكمة الأشخاص والتشهير بهم.

وأوضح قابيل أن القرآن الكريم وضع منهجًا واضحًا للتعامل مع الخلافات الزوجية حتى في أصعب مراحلها، فقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: 237]، وهي قاعدة أخلاقية عظيمة لا ينبغي أن يغفل عنها الزوجان عند الاختلاف أو الانفصال، فالعلاقة التي جمعت بين شخصين يومًا ما تستحق أن تنتهي بما يحفظ الكرامة والحقوق، لا بما يهدم السمعة ويجرح المشاعر.

وأضاف أن الإسلام لم يجعل الطلاق مبررًا للانتقام أو تصفية الحسابات، وإنما وضع ضوابط واضحة حتى في لحظة الفراق، فقال سبحانه: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229]، وقال أيضًا: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: 231]، مؤكدًا أن أخلاق الإنسان تظهر بوضوح عند الخلاف، وأن القدرة على حفظ الحقوق دون إيذاء الطرف الآخر دليل على قوة النفس وحسن التربية.

وشدد العالم الأزهري على خطورة الخوض في الأعراض وتداول الاتهامات المتعلقة بالحياة الزوجية، خاصة عندما تكون هناك روايات متعارضة ومستندات لم تفصل فيها جهات التحقيق، مستشهدًا بقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6]، وقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36].

وأشار إلى أن من حق أي إنسان أن يلجأ إلى القضاء للمطالبة بحقه إذا تعرض للظلم، لكن ليس من حق أحد أن يحول الاتهام إلى إدانة قبل ثبوت الوقائع، فهناك فرق بين تقديم بلاغ وصدور حكم قضائي، والعدالة تقتضي سماع جميع الأطراف وفحص الأدلة والمستندات، وعدم الانسياق وراء رواية واحدة.

ووجه قابيل رسالة إلى المجتمع، دعا فيها إلى عدم المشاركة في نشر التفاصيل الشخصية والاتهامات المتداولة بين أطراف الأزمة، وعدم تحويل الخلافات الأسرية إلى مادة للتسلية أو السخرية أو إصدار الأحكام، مؤكدًا أن تداول الشائعات قد يلحق أضرارًا نفسية واجتماعية بالغة بأصحابها وأسرهم، وأن الكلمة التي يشارك الإنسان في نشرها قد تكون سببًا في ظلم إنسان أو تشويه سمعته.

وأكد على أن البيوت قد تُغلق أبوابها بالطلاق، لكن الأخلاق يجب ألا تغادرها، وأن المجتمع الذي يحترم الأسرة لا بد أن يحترم خصوصية أطرافها بعد الانفصال، فليس الانتصار في أن يفضح كل طرف الآخر، وإنما في أن يحصل كل صاحب حق على حقه دون ظلم أو تشهير، وأن تظل كلمة الله تعالى حاضرة في ضمير الجميع: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾.