النهار
جريدة النهار المصرية

تقارير ومتابعات

اللواء أشرف عبد العزيز لـ«النهار»: واجهت مهاجم كنيسة «مارمينا» بمسدسي من مسافة نحو 60 مترًا

ماجد يحيى -

يروي كيف استخدم صافرة سيارة شرطة لإرباك المهاجم ودور الأهالي في ضبطه حيًا.. ويكشف كواليس وداع أب محتجز لابنته في المطرية

«لا يوجد شكل للمجرم».. والغضب قد يحوّل صاحب الحق إلى متهم وأخطر جملة «مش هيحصل حاجة وهتعدي»

لم تكن صافرة إحدى سيارات الشرطة مجرد إنذار في المواجهة التي شهدها محيط كنيسة مارمينا بحلوان يوم 29 ديسمبر 2017، بل كانت، بحسب رواية اللواء أشرف عبد العزيز، جزءًا من خطة لإرباك مهاجم يحمل بندقية آلية وعبوة متفجرة، بينما كان هو يواجهه بمسدسه الشخصي من مسافة نحو 60 مترًا، في هجوم إرهابي أسفر عن سقوط قتلى ومصابين، قبل أن تتمكن قوات الشرطة بمساعدة الأهالي من ضبط منفذه حيًا

بعد نحو تسع سنوات، يستعيد مأمور قسم حلوان السابق تفاصيل تلك المواجهة في حواره مع «النهار»، لكن الرصاص ليس وحده ما بقي في ذاكرته، فهناك أب محتجز داخل قسم شرطة المطرية أراد وداع ابنته المتوفاة، وسائق ميكروباص يقول إنه كاد يدخل السجن بسبب اتهام كيدي، وبين هذه الوقائع يفتح عبد العزيز صفحات من سنوات عمله الأمني، متحدثًا عن مواجهة الإرهاب ودوافع الجريمة، والقرارات التي قد تنقذ حياة إنسان أو تغير مصيره إلى الأبد

كانت حلوان تعيش ظروفًا أمنية شديدة الحساسية، خاصة بعد الهجوم الذي استهدف سيارة للشرطة في مايو 2016، وأسفر عن مقتل ضابط وسبعة من أفراد الشرطة، قبل أن تشهد المنطقة هجومًا جديدًا على كنيسة مارمينا في ديسمبر من العام التالي

ويرى عبد العزيز أن الاعتداء على الكنيسة لم يكن حادثًا منفصلًا، وإنما جاء ضمن مخطط أوسع لإثارة الفتنة الطائفية قبل احتفالات عيد الميلاد المجيد، مشيرًا إلى ما وصفه بحشد إعلامي غير معتاد، ومعتبرًا أن اختيار التوقيت والمكان كان يستهدف إشعال التوتر بين المسلمين والمسيحيين

ويستعيد بداية الهجوم عندما أطلق إبراهيم إسماعيل إسماعيل مصطفى النار على محل تجاري بمنطقة مساكن أطلس، ما أسفر عن مقتل مدنيين اثنين، قبل توجهه إلى الكنيسة، ويعتقد عبد العزيز أن الاعتداء الأول كان يستهدف تشتيت قوات الأمن وإبعادها عن الهدف الرئيسي، تمهيدًا لاستكمال الهجوم

ويصف منفذ العملية بأنه أحد أخطر العناصر الإرهابية المرتبطة بتنظيم داعش، الذي أعلن مسؤوليته عن الهجوم، موضحًا أنه كان يحمل بندقية آلية ويرتدي، على حد وصفه، حزامًا ناسفًا وسترة واقية من الرصاص، بينما لم يكن بحوزته سوى مسدسه الشخصي، وهو ما جعل التعامل معه أكثر تعقيدًا في ظل وجود مواطنين بمحيط الكنيسة

وفي تلك اللحظات، لجأ عبد العزيز إلى تكتيك وصفه بـ«خطة الغلق»، بعدما تحرك إلى الشارع المقابل ووجه أحد أفراد الشرطة إلى تشغيل صافرة الإنذار بإحدى سيارات الشرطة لتشتيت انتباه المهاجم، قبل أن يطلق النار باتجاه ساقيه، ويتمكن من إصابته وإسقاطه أرضًا دون انفجار العبوة المتفجرة التي كانت بحوزته، وفق روايته

لكن سقوط المهاجم لم ينهِ الخطر، إذ اندفع عدد من الأهالي نحوه في محاولة للفتك به، وهو تصرف يعتبره عبد العزيز تعبيرًا عن شجاعتهم وغضبهم من الاعتداء، لكنه كان في الوقت نفسه شديد الخطورة، لاحتمال انفجار العبوة وسط الحشد المتجمع حوله

وكان المواطن صلاح الموجي من بين الذين تدخلوا للسيطرة على المهاجم وانتزاع سلاحه، فيما يستعيد عبد العزيز موقف الشيخ طه رفعت، إمام مسجد الدسوقي المجاور للكنيسة، الذي استخدم مكبرات صوت المسجد لدعوة الأهالي إلى نجدة الكنيسة ومساعدة قوات الأمن، في موقف يرى أنه أسهم في مواجهة محاولة إثارة الفتنة الطائفية

وعقب انتهاء المواجهة، يروي عبد العزيز أن اللواء مجدي عبد الغفار، وزير الداخلية آنذاك، استدعاه واستمع منه إلى تفاصيل العملية وكرمه، قبل أن يحظى، بحسب شهادته، بتكريم من الرئيس عبد الفتاح السيسي بمنحه وسام الجمهورية من الطبقة الأولى

ولا تتوقف أهمية الواقعة بالنسبة إليه عند التكريم، إذ يؤكد أن تفاصيل المواجهة أصبحت محل دراسة في خمس أكاديميات أمنية حول العالم، وأن موفدين منها حضروا إلى أكاديمية الشرطة المصرية للاستماع إلى تجربته في التعامل مع مهاجم يحمل سلاحًا آليًا وعبوة متفجرة، وكيفية السيطرة عليه حيًا دون تمكينه من استكمال الهجوم

غير أن المواقف التي بقيت في ذاكرة عبد العزيز لا تقتصر على المواجهات المسلحة، فخلال عمله مأمورًا لقسم شرطة المطرية، وجد نفسه أمام أب محتجز على ذمة إحدى القضايا، توفيت ابنته وجاء أفراد أسرته يطلبون السماح له برؤية جثمانها للمرة الأخيرة قبل دفنها

يتذكر عبد العزيز أن الأب كان داخل حجز القسم، وأن خروجه يخضع لإجراءات قانونية، لكنه تأثر بالموقف وقرر، بحسب روايته، السماح له بوداع ابنته أمام القسم، حيث كانت سيارة الإسعاف التي تحمل جثمانها، قبل إعادته إلى محبسه، مؤكدًا أنه اتخذ القرار على مسؤوليته الشخصية

ويقول إن ضباط القسم وأمناء الشرطة وأفراده شاركوا في مواساة الأب وتقديم واجب العزاء له، في مشهد ظل حاضرًا في ذاكرته، وكان من بين المواقف الإنسانية التي ارتبطت بتداول لقب «أمير الإنسانية» خلال سنوات عمله الشرطي

ولم تكن هذه الواقعة وحدها ما رسخ لديه أهمية النظر إلى ظروف الأشخاص قبل إصدار الأحكام عليهم، إذ يستعيد قضية أخرى واجهها خلال عمله في البحث الجنائي، بدأت بمعلومات من أحد المصادر السرية تتهم سائق ميكروباص بحيازة كيلوجرامين من مخدر الحشيش بقصد الاتجار

كان الاتهام يبدو واضحًا في بدايته، لكن مناقشته للسائق أثارت شكوكه في صحة المعلومات، فقرر التوسع في التحريات بدلًا من الاكتفاء بما نقله المصدر، لتتكشف أمامه، على حد قوله، تفاصيل مختلفة عما ورد في البلاغ

ويقول إن التحريات كشفت، بحسب روايته، أن السائق تعرض لمكيدة دبرتها زوجته المنفصلة عنه بالاتفاق مع شخص تربطها به علاقة ويعمل في تجارة المخدرات، بهدف الزج به في السجن والانفراد بالأطفال، مشيرًا إلى أن القضية انتهت إلى كشف حقيقة الاتهام واتخاذ الإجراءات بحق من يقول إنهم تورطوا في تدبيره

ويعتبر عبد العزيز أن هذه الواقعة تجسد أهمية التحقق من المعلومات وعدم تحويل الشبهات إلى أحكام مسبقة، مهما بلغت الثقة في المصدر، مؤكدًا أن كفاءة العمل الأمني لا تقاس بسرعة ضبط المتهمين وحدها، وإنما بالقدرة على التمييز بين المعلومات الصحيحة والاتهامات المضللة

ومن واقع هذه الخبرات، يرفض الاعتقاد الشائع بأن للمجرم ملامح أو هيئة معينة يمكن التعرف عليه من خلالها، فالمظهر أو الملابس أو طريقة الحديث، على حد قوله، لا تصلح للحكم على إنسان، لأن المسؤولية الجنائية تقوم على الأفعال والأدلة، وليس الانطباعات الشخصية

لكن خطورة الجريمة، في نظره، لا تقتصر على الأشخاص الذين يخططون لارتكابها، فهناك من يجد نفسه في مواجهة القانون بعدما كان صاحب حق، نتيجة قرار متسرع اتخذه تحت تأثير الغضب أو الرغبة في الانتقام

ويشرح أن الإنسان قد يتعرض لظلم حقيقي، لكنه حين يقرر استرداد حقه بالقوة قد يرتكب جريمة أشد خطورة من الاعتداء الذي تعرض له، مختصرًا الفارق بين الأمرين بقوله: «الحق له طريق.. والانتقام له طريق آخر تماماً»

ويشبه الغضب بحالة من العمى المؤقت، يفقد خلالها الإنسان القدرة على تقدير عواقب تصرفاته، فلا يفكر في أسرته أو مستقبله أو المسؤولية القانونية التي قد يتحملها، مضيفًا: «في لحظة الغضب يرى الإنسان نفسه صاحب حق فقط، الغضب يستمر دقائق، لكن عواقب الأفعال تستمر العمر كله»

ولا يرى عبد العزيز أن العصبية وحدها تجعل الإنسان مجرمًا، لكنه يعتبر التهديد المستمر والرغبة في الانتقام ومحاولات السيطرة على الآخرين مؤشرات تستدعي الانتباه، موضحًا أن بعض الجرائم الكبيرة تسبقها سلسلة من التصرفات التي تبدو صغيرة في بدايتها، من الكذب والخداع إلى التهديد والاعتداء، قبل أن يفقد صاحبها السيطرة على سلوكه

ويمتد حديثه إلى العلاقة بين المخدرات والجريمة، إذ يميز بين تأثير المواد المخدرة على الإدراك والسلوك، وبين الجرائم المرتبطة ببيئة الاتجار فيها وما يصاحبها من نزاعات، رافضًا التعميم بأن كل متعاطٍ مجرم، أو أن المخدرات تقف وراء كل جريمة

ويؤكد أن لكل واقعة ظروفها وأدلتها التي يجب دراستها بعناية، كما أن ندم مرتكب الجريمة أو اعترافه بما فعل لا يمحو الضرر الذي لحق بالضحية وأسرتها، ولا يلغي المسؤولية عن تصرف قد يستغرق لحظات، لكنه يترك آثارًا تستمر سنوات

ولا يفصل عبد العزيز بعض دوافع الجريمة عن المقارنة المستمرة بحياة الآخرين، وما قد تخلقه من غيرة أو شعور بالحرمان، معتبرًا أن الإنسان قد يرى ما وصل إليه غيره دون أن يعرف الظروف التي مر بها، وهو ما يلخصه بقوله: «إنت شايف النتيجة عنده، لكن مش شايف الطريق اللي مشيه.. ارضَ بما عندك واسعى لتحسينه، وما تخليش رزق غيرك يكون سبب في كره رزقك»

ومن بين كل ما شهده خلال سنوات عمله، يتوقف عبد العزيز عند الاستهانة بالعواقب باعتبارها من أخطر ما قد يدفع الإنسان إلى الاستمرار في تصرف يعرف أنه خاطئ، محذرًا من الجملة التي قد يرددها البعض قبل ارتكاب فعل يغير حياتهم وحياة آخرين: «مش هيحصل حاجة وهتعدي