النهار
جريدة النهار المصرية

تقارير ومتابعات

خبراء لـ«النهار»: كثافة التقييمات تضغط نفسيًا على الطلاب وتستنزف المعلمين

نسمه غلاب -

«العيال تعبت وإحنا كمان».. بهذه الكلمات اختصرت إحدى الأمهات معاناة أسرتها مع الدراسة، في ظل الواجبات اليومية والتقييمات المتكررة ومحاولات شرح الدروس للأطفال، التي امتدت إلى الوقت المخصص لراحتهم ولعبهم. ولم تقتصر الشكاوى على أولياء الأمور، بل امتدت إلى المعلمين،خبراء لـ«النهار»: كثافة التقييمات تضغط نفسيًا على الطلاب وتستنزف المعلمين

 إذ كشف مدرس عن حجم الإرهاق الذي يواجهه بسبب تصحيح التقييمات والواجبات، بعد 23 عامًا من العمل في التدريس.

وفي تعليقات رصدتها «النهار» عبر موقع «فيسبوك»، تحدثت أمهات عن صعوبة متابعة دروس أبنائهن ومساعدتهم في استيعاب أجزاء من المناهج، فيما عبّرت إحداهن عن خشيتها من أن يصبح الأطفال «محرومين من طفولتهم»، في ظل الوقت الذي تستغرقه المذاكرة والتكليفات المدرسية.

وتنوعت الانتقادات بين صعوبة بعض أجزاء المناهج، وطريقة عرض الدروس، وكثافة الواجبات وضيق الوقت المتاح للراحة. ورأى بعض أولياء الأمور أن المناهج ينبغي أن تقوم على التدرج في تقديم المعلومات، بينما اعتبر آخرون أن المشكلة ترتبط بطريقة إعداد المحتوى، وليس بصعوبته وحدها.

وبرز منهج الرياضيات للصف الثالث الابتدائي ضمن الشكاوى، إذ تحدث أولياء أمور عن صعوبة متابعة أبنائهم للمحتوى واستيعاب المطلوب منهم، ما جعل المذاكرة اليومية مصدرًا للتوتر داخل بعض الأسر، بدلًا من أن تكون امتدادًا لما يتعلمه الأطفال في الفصول الدراسية.

معلم بعد 23 عامًا: تحولت إلى آلة لتصحيح التقييمات

ومن داخل المدرسة، نشر المعلم هيثم السيد عبر «فيسبوك» تفاصيل ما يواجهه من إرهاق بسبب أعمال التصحيح، مؤكدًا أنه يعمل في التدريس منذ 23 عامًا، لكنه لم يسبق أن شعر بهذا القدر من الضغط المرتبط بعمله.

وأوضح السيد أنه التحق بكلية التربية رغبة في ممارسة التدريس، لكنه وجد نفسه منشغلًا بتصحيح التقييمات والواجبات ومراجعة الكتب والكراسات، إلى درجة وصف فيها حاله قائلًا: «أنا فعليًا تحولت إلى آلة لتصحيح تقييمات وأداءات وواجبات».

وقدم المعلم حسابًا لحجم العمل الذي يؤديه، موضحًا أنه يصحح 150 كتابًا و150 كراسة مرتين أسبوعيًا، بإجمالي 600 عملية تصحيح. وإذا استغرقت كل عملية دقيقة واحدة فقط، فإنه يحتاج إلى نحو 10 ساعات أسبوعيًا لهذه المهمة، بخلاف مسؤولياته الأخرى داخل المدرسة.

وأشار إلى أن كثرة التصحيح تسببت في إرهاق أصابعه وعينيه، نتيجة الوقت الطويل الذي يقضيه في فحص الأوراق، لافتًا إلى أنه لاحظ على التلاميذ علامات الملل والنفور من تكرار التقييمات. ويرى أن الوقت الذي يستهلكه التصحيح كان من الممكن تخصيص جزء أكبر منه للشرح وتدريس المهارات وتنفيذ الأنشطة.

وتحدث السيد عن تغير شعوره تجاه المدرسة، مشيرًا إلى أنه أصبح يشعر بالاكتئاب، وأنها المرة الأولى خلال مسيرته المهنية التي يدخل فيها الفصل بهذه الحالة، رغم ارتباطه بمهنة التدريس وحبه لها طوال سنوات عمله.

وتظل شهادة المعلم تعبيرًا عن تجربته الشخصية كما نشرها، لكنها تلتقي مع شكاوى أولياء الأمور عند نقطة مشتركة؛ فالأسرة تتحدث عن الوقت الذي تستغرقه الواجبات بعد انتهاء اليوم الدراسي، بينما يشكو المعلم من الوقت اللازم لتصحيحها، وفي الحالتين يبرز التساؤل حول المساحة المتاحة للفهم والأنشطة والراحة.

تامر شوقي: الشكاوى تستحق الاهتمام.. والحكم المبكر قد يكون متسرعًا

من جانبه، قال الدكتور تامر شوقي، أستاذ علم النفس التربوي بجامعة عين شمس، إن شكاوى أولياء الأمور من المناهج الجديدة تستحق الاهتمام، محذرًا في الوقت نفسه من التسرع في الحكم على التجربة خلال الأسابيع الأولى من تطبيقها، خاصة أن أهمية بعض المفاهيم قد تتضح مع تقدم الدراسة.

وأوضح شوقي، في تصريحات خاصة لـ«النهار»، أن جانبًا من الشكاوى لا يتعلق بصعوبة المحتوى وحده، وإنما بكثافة التقييمات الأسبوعية والشهرية والواجبات اليومية، التي تزيد الأعباء على التلاميذ وأسرهم، وقد تؤثر في الوقت المتاح للشرح والمراجعة داخل الفصول.

ودعا إلى تخفيف التقييمات المتكررة وإتاحة وقت أكبر للتلاميذ من أجل الفهم والتدريب، بدلًا من الانتقال المستمر من واجب إلى آخر، محذرًا من أن الضغط المتواصل قد يصيب الأطفال بالملل ويؤدي إلى تراجع حماسهم للتعلم.

أحمد فخري: الضغوط الدراسية قد تضعف استقلالية الطفل

وفي سياق متصل، قال الدكتور أحمد فخري، أستاذ علم النفس الإكلينيكي، إن كثافة المعلومات المطلوبة من التلاميذ قد تشكل عبئًا معرفيًا، خاصة عندما يتركز الاهتمام على الحفظ بدلًا من الفهم والتطبيق، ما يدفع الطفل إلى بذل مجهود كبير لاستيعاب معلومات قد ينساها بعد الامتحان.

وأضاف فخري، في تصريحات خاصة لـ«النهار»، أن بعض أولياء الأمور يتدخلون في المذاكرة إلى درجة شرح الدروس وتلخيصها وأداء جزء من المهام بدلًا من أبنائهم، وهو ما قد يزيد اعتماد الطفل عليهم ويضعف قدرته على تنظيم دراسته بصورة مستقلة.

ونصح بتنظيم وقت المذاكرة وإتاحة فترات للراحة واللعب، مع الاهتمام بالنوم والرياضة والهوايات، والابتعاد عن مقارنة الأطفال بغيرهم أو استخدام التهديد والعقاب بسبب مستواهم الدراسي. وأكد أن دور الأسرة ينبغي أن يقوم على المساندة والتوجيه، لا تحمل المسؤولية كاملة بدلًا من الطفل.

وبين شكاوى الأمهات من صعوبة متابعة المناهج، وشهادة المعلم عن ساعات التصحيح، وتحذيرات الخبراء من الضغوط الدراسية، تتعدد جوانب المشكلة التي يرويها أصحابها من مواقع مختلفة داخل العملية التعليمية. ومع ذلك، لا تكفي هذه الشهادات وحدها للحكم على جميع المدارس أو تحديد حجم المشكلة على مستوى الجمهورية.

وتبقى الحاجة قائمة إلى توضيح من وزارة التربية والتعليم بشأن تنظيم التقييمات والواجبات داخل المدارس، ومدى توافقها مع الوقت المتاح للشرح والأنشطة، وآليات التعامل مع شكاوى الأسر والمعلمين، بما يضمن ألا يتحول إنجاز التكليفات إلى أولوية على حساب فهم الطفل واستيعابه وحقه في الراحة واللعب.