النهار
جريدة النهار المصرية

تقارير ومتابعات

5 جنيهات للنظافة وأبواب مرقعة بالخشب.. «النهار» ترصد تدهور دورات المياه العامة بالصور

دورات مياة عامة رصدتها "النهار"
أهلة خليفة -

وسط تطوير الشوارع والميادين.. رصد لأربعة مرافق يكشف تلف الأبواب واتساخ المراحيض.. و1235 دورة مياه مسجلة في الإحصاءات الرسمية

على أحد الجدران، توجد لافتة تعلن تحصيل خمسة جنيهات تحت بند «رسوم شركة النظافة»، وفي الداخل، يظهر باب مرحاض رُقّع بلوح خشبي، وأرضيات تغطيها آثار الأتربة، ومراحيض وصنابير تحيط بها ترسبات داكنة. هكذا تبدو بعض التفاصيل التي وثقتها كاميرا «النهار» داخل دورات مياه عامة، في مشاهد تكشف الفجوة بين وجود المرفق ومستوى الخدمة التي يحصل عليها المواطن.

ولم يقتصر الرصد على دورة مياه واحدة، إذ وثقت «النهار» بالصور حالة أربعة مرافق في مواقع شملت ميدان الجيزة ومنطقة العتبة والوادي الجديد، ظهرت داخلها مشكلات في النظافة والصيانة، من بينها أبواب متضررة وتجهيزات تحتاج إلى الإصلاح، بينما تتواصل أعمال تطوير الشوارع والميادين وتحسين المظهر العام للمدن.

دورات مياه بميدان الجيزة

وفي بعض الصور، تظهر أبواب كبائن فقدت أجزاءً من ألواحها، واضطر القائمون عليها إلى تغطية الأجزاء التالفة بالخشب، بينما بدت الأرضيات متسخة، وظهرت ترسبات واضحة حول المراحيض ومواضع صنابير المياه. وهي مشكلات لا تتعلق بالشكل العام وحده؛ فالباب المتضرر يمس خصوصية المستخدم، كما أن تراكم الاتساخات يكشف الحاجة إلى تنظيف وصيانة أكثر انتظامًا.

وتزداد أهمية هذه المرافق في مناطق مثل ميدان الجيزة والعتبة، حيث تتجمع الأسواق ومواقف النقل، وتستمر حركة المواطنين لساعات طويلة، ما يجعل الوصول إلى دورة مياه نظيفة وصالحة للاستخدام ضرورة يومية، خصوصًا للباعة والعاملين وكبار السن والأطفال والسيدات وأصحاب الأمراض المزمنة.

وفي أحد المرافق التي شملها الرصد، ظهرت لافتة تحدد رسوم النظافة بخمسة جنيهات، رغم ما وثقته الصور من تلفيات واتساخات. ورغم أن وجود اللافتة لا يثبت وحده تحصيل المبلغ فعليًا من المستخدمين، فإنه يفتح ملف الجهة المسؤولة عن تشغيل المرفق، وطبيعة الرسوم المعلنة، ومدى انعكاسها على أعمال النظافة والصيانة.

دورات مياه بموقف العتبةوفي الوادي الجديد، أظهرت الصور حالة عدد من المراحيض التي تراكمت حولها ترسبات بنية داكنة، إلى جانب آثار اتساخ على الأرضيات والجدران، وتلف في بعض تجهيزات المياه، وهي تفاصيل تضع حالة المرافق العامة في المحافظة ضمن المشكلة نفسها، وإن اختلفت المواقع وطبيعة الأضرار.

دورات مياة بمحافظة الوادي الجديد

ولا تقتصر معاناة المواطنين على حالة دورات المياه الموجودة بالفعل، بل تمتد إلى صعوبة العثور على مرفق متاح من الأساس. ففي تقرير سابق نشرته «النهار» خلال أغسطس الماضي، تحدث «عم علي»، وهو بائع متجول، عن اضطراره إلى البحث عن دورات مياه داخل المحال التجارية أثناء عمله، مشيرًا إلى أن بعض أصحاب المحال يطلبون مقابلًا ماديًا لاستخدامها، بينما يرفض آخرون السماح له بالدخول.

وفي التقرير نفسه، تحدث أحمد، بائع الذرة في منطقة شبرا بالقاهرة، عن معاناته في العثور على دورة مياه خلال يوم عمل يتجاوز عشر ساعات، موضحًا أنه يضطر أحيانًا إلى البحث في أكثر من مكان حتى يجد مرفقًا يستطيع استخدامه.

وقالت فتاة، في تصريح خاص لـ«النهار»، إنها اضطرت في وقت سابق، إثر تعرضها لظرف مفاجئ، إلى البحث عن دورة مياه عامة، لكنها لم تجد واحدة في محيطها، فلجأت إلى أحد المساجد، إلا أنها وصلت في وقت خارج مواعيد الصلاة، ما اضطرها إلى الانتظار حتى صلاة المغرب لتتمكن من الدخول.

وأضافت أنها لم تكن لتلجأ إلى استخدام الحمامات العامة في الظروف العادية، لعلمها المسبق بأنها غير مؤهلة للاستخدام، لكنها اضطرت إلى ذلك تحت ضغط الظرف المفاجئ.

وبين شهادات تكشف صعوبة الوصول إلى الخدمة، وصور توثق حالة بعض المرافق القائمة، تظهر المشكلة في جانبين: أولهما مدى توافر دورات المياه العامة في الأماكن المزدحمة، وثانيهما قدرتها على تقديم خدمة مناسبة للمواطنين بعد إنشائها.

وبحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2024، التي أوردتها «النهار» في تقريرها السابق، بلغ عدد دورات المياه العمومية التابعة لمجالس المدن والأحياء على مستوى الجمهورية 1235 دورة، منها 700 للرجال و535 للسيدات.

وسجلت الدقهلية العدد الأكبر بواقع 224 دورة مياه، تلتها القاهرة بـ139 دورة، ثم الإسكندرية بـ80 دورة، بينما سجلت بني سويف دورة واحدة، ومطروح 7 دورات، وشمال سيناء 11 دورة، وقنا 12 دورة.

وتوضح الأرقام تفاوتًا في أعداد المرافق المسجلة بين المحافظات، لكنها لا تعبر بالضرورة عن جميع دورات المياه المتاحة للجمهور، إذ يقتصر نطاقها على المرافق التابعة لمجالس المدن والأحياء. كما أنها لا تكشف عن حالة التشغيل أو مستوى النظافة أو ساعات العمل، ولا تحدد عدد المرافق التي تحتاج إلى إصلاح أو تجديد.

وهنا تظهر أهمية الرصد الميداني، فوجود دورة مياه ضمن الإحصاءات لا يكفي للحكم على استفادة المواطنين منها، ما لم تكن أبوابها وتجهيزاتها صالحة للاستخدام، وتتوفر بها المياه ومستلزمات النظافة، وتخضع لمتابعة منتظمة تمنع تراكم الأعطال والتلفيات.

ولا تتطلب معالجة هذه المشكلات سوى تحديد الجهة المسؤولة عن كل مرفق، سواء كانت وحدة محلية أو جهة تشغيل متعاقدة، مع توضيح دورها في النظافة والصيانة وتلقي الشكاوى، خاصة في الأماكن التي تشهد إقبالًا يوميًا كثيفًا، وكذلك مراجعة مدى ملاءمة المرافق لاحتياجات كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة.

ولا تقدم الصور التي وثقتها «النهار» حكمًا على جميع دورات المياه العامة في مصر، لكنها تكشف حالات محددة تحتاج إلى فحص، وتضع أمام الجهات المختصة وقائع يمكن التحقق منها ومعالجتها، بداية من الأبواب التالفة وصولًا إلى مستوى النظافة والتجهيزات.

أما اللافتة التي تعلن خمسة جنيهات للنظافة، فتبقى أكثر تفاصيل الرصد إثارة للمساءلة، إذ لا تتعلق المسألة بقيمة الرسم وحدها، وإنما بالجهة التي تقرره وتتولى تحصيله، والمسؤول عن ضمان الخدمة في المقابل، وموعد إصلاح التلفيات التي وثقتها كاميرا «النهار» داخل هذه المرافق.