عامل مشرحة قنا العام يروي لـ«النهار» ذكرياته مع ضحايا «سالم إكسبريس» والخصومات الثأرية.. ورؤية جثامين الأطفال أصعب ما يواجهه

«لا تقلق، لا يوجد خوف أو أذى من الأموات، بل إن الأذى لا يأتي إلا من الأحياء»، بهذه الكلمات استقبل أشرف القناوي محرر «النهار» داخل مشرحة مستشفى قنا العام، وهو يتحدث بهدوء عن مهنة أمضى فيها نحو 40 عامًا، اعتاد خلالها استقبال جثامين ضحايا الحوادث والجرائم والخصومات الثأرية، حتى أصبح البقاء وحيدًا داخل المشرحة أمرًا عاديًا بالنسبة إليه
لكن الرجل الذي اعتاد التعامل مع الموتى لم يكن مستعدًا، لسنوات طويلة، لإخبار أسرته بطبيعة عمله، فقد ظل 25 عامًا يكتفي بالقول إنه يعمل داخل المستشفى، دون أن يكشف أنه يعمل بالمشرحة، خشية نظرة المجتمع إلى المهنة، وما يرتبط بها لدى البعض من تشاؤم ونفور

يبلغ القناوي من العمر 59 عامًا، ويقول إنه بدأ عمله بالمشرحة قبل نحو أربعة عقود، ولم تكن السنوات الأولى سهلة عليه، إذ كان يشعر بالخوف عند استقبال الجثامين، خاصة تلك التي تحمل آثار إصابات بالغة نتيجة الحوادث أو الجرائم، قبل أن يعتاد طبيعة العمل تدريجيًا
ومع مرور الوقت، تراجعت رهبة المكان لديه، حتى أصبح لا يجد صعوبة في النوم داخل المشرحة خلال فترات الراحة بالوردية المسائية، مؤكدًا أن العمل مع الموتى يحتاج إلى الهدوء والصبر والقدرة على التحكم في الانفعالات، خصوصًا عند استقبال أسر فقدت أحد أفرادها في ظروف مأساوية
ويرى القناوي أن العمل بالمشرحة مهنة ضرورية لا تقل أهمية عن غيرها من الأعمال داخل المستشفى، وأن التعامل مع الجثامين لا يقتصر على الحفظ والتجهيز، بل يتطلب الحفاظ على كرامة المتوفى ومتعلقاته الشخصية، والالتزام بالإجراءات المتبعة في كل حالة
ويستعيد واقعة عثوره على سبيكة ذهبية داخل ملابس أحد المتوفين، لم تكن مدرجة، بحسب روايته، ضمن المتعلقات التي وصلت مع الجثمان، ويقول إنه حرص على إعادتها إلى أسرة المتوفى، معتبرًا أن الأمانة من أهم الصفات التي يجب أن يتحلى بها العاملون في هذه المهنة
وخلال سنوات عمله الطويلة، مرت على القناوي حوادث لا تزال تفاصيلها عالقة في ذاكرته، أبرزها كارثة غرق العبارة «سالم إكسبريس» في البحر الأحمر عام 1991، التي يقول إنها كانت من أصعب الفترات التي عاشها داخل مشرحة مستشفى قنا العام
وبحسب روايته، استقبلت المشرحة أعدادًا كبيرة من جثامين ضحايا العبارة، تجاوزت الطاقة الاستيعابية لثلاجات الحفظ، ما وضع العاملين أمام ظروف استثنائية، بينما كانت أسر الضحايا تتوافد بحثًا عن ذويها
ويتذكر القناوي أن بين الضحايا شبابًا كانوا في رحلات سفر بحثًا عن فرص عمل، وأن مشاهد أسرهم داخل المشرحة ظلت من الذكريات التي يصعب عليه نسيانها، رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على الحادث
ولم تكن حوادث الغرق والطرق وحدها ما ترك أثرًا في ذاكرته، إذ شهد خلال عمله وصول جثامين ضحايا خصومات ثأرية شهدتها مناطق مختلفة من محافظة قنا، بينها واقعة إطلاق النار على سرادق عزاء بقرية الحجيرات في أبريل 2011
ويقول إن ثماني جثامين وصلت إلى مشرحة مستشفى قنا العام عقب تلك الواقعة، وإن مشاهد الضحايا بقيت حاضرة في ذاكرته، خاصة مع تكرار استقبال جثامين لأشخاص فقدوا حياتهم بسبب خلافات بين عائلات
ورغم اعتياده التعامل مع إصابات بالغة، يؤكد القناوي أن رؤية الأطفال بين ضحايا الخصومات الثأرية تظل من أكثر المواقف التي تؤلمه، مشيرًا إلى أنه قد يبكي عندما يستقبل جثمان طفل انتهت حياته بسبب خلاف لم يكن طرفًا فيه
ويضيف أن قراءة القرآن والأذكار تمنحه السكينة والقدرة على تحمل ضغوط العمل، موضحًا أنه يحرص على قراءة سورة البقرة والمعوذتين وأذكار الصباح والمساء
وبعد نحو 40 عامًا قضاها داخل المشرحة، يوجه القناوي رسالة إلى أبناء الصعيد بضرورة إنهاء الخصومات الثأرية، مؤكدًا أن استمرارها يؤدي إلى سقوط مزيد من الضحايا، بينهم أطفال لا علاقة لهم بالخلافات، ويترك وراءه أسرًا تتحمل ألم الفقد لسنوات طويلة

