شهادات من قلب الحرب.. ”النهار” تحاور عدد من أبطال حرب أكتوبر

الفريق مجدي شعراوي: جمعت المعلومات عن العدو برا وبحرا وجوا
اللواء محمد الغزالي: استجوبت الأسرى الإسرائيليين وحصلت منهم على معلومات مهمة
اللواء محمد الغباري: كنت مكلفا بمهمة تأمين تحركات القوات التي ستتدفق لعبور القناة
اللواء محمد الشهاوي: حرب أكتوبر كسرت هيمنة التفوق الإسرائيلي
اللواء أحمد الصادق: نفذنا خطة الخداع الاستراتيجي بالتوجه إلى باكستان
تعد حرب أكتوبر المجيدة علامة مضيئة في تاريخ العسكرية المصرية العريقة، فقد تبارت فيها جميع التشكيلات والقيادات في أن تكون مفتاحا لنصر مبين، دفع فيه المصريون أثمانا غالية من دمائهم الطاهرة، ليستردوا جزءا غاليا وعزيزا من أرض الوطن، وهي سيناء، بعدما قدم المصريون في سبيل ذلك دماء طاهرة وتضحيات لا تزال حاضرة في ذاكرة الأمة.
وبعد 53 عاما على نصر أكتوبر المجيد، لا تزال تفاصيل المعركة حاضرة في ذاكرة من عاشوا لحظاتها، وكأن أصوات المدافع وصيحات العبور ما زالت تتردد في وجدانهم.
وفي شهاداتهم لـ "النهار"، يستعيد عدد من أبطال حرب أكتوبر ذكرياتهم عن أيام القتال، ويتحدثون عن اللحظات الأولى للعبور، ومشاهد المواجهة على الجبهة، والمهام التي كلفوا بها، وكيف عاشوا ساعات الحرب بين الخطر والإصرار، حتى تحقق النصر وارتفعت راية مصر على أرض سيناء.
الفريق مجدي شعراوي: جمعت المعلومات عن العدو برا وبحرا وجوا
وبمناسبة الذكرى الـ 53 لنصر أكتوبر، كان لـ "النهار" لقاء مع الفريق مجدي شعراوي، قائد القوات الجوية الأسبق ونائب قائد سرب الاستطلاع الجوي في قاعدة بلبيس الجوية خلال معركة النصر، الذي استعاد خلال حواره تفاصيل مشاركته في الحرب، وكشف محطات مهمة من سنوات الإعداد التي سبقت العبور، ودور القوات الجوية في تحقيق النصر.
أكد الفريق مجدي شعراوي أن نصر السادس من أكتوبر لم يأت فجأة، وإنما سبقته مجموعة من المحطات المهمة التي أسهمت في بناء الثقة وإعداد القوات المسلحة للمعركة الكبرى.
جمع المعلومات عن العدو
وكشف إنه كان يعمل طيارا في سرب الاستطلاع الجوي بقاعدة بلبيس الجوية، الذي بدأ نشاطه عام 1968، وكانت مهمته الأساسية جمع المعلومات عن العدو برا وبحرا وجوا، وكشف أن أفراد السرب قاموا بتصوير خط بارليف منذ بدء أعمال حفره وحتى اكتماله، كما عملوا على تصوير النقاط الحصينة وتحديد مواقعها، ودراسة نقاط قوتها وضعفها، ثم تقديم تلك المعلومات إلى القيادة العامة للقوات المسلحة.
تدمير وشل حركة مراكز قيادة العدو
وعن ذكرياته خلال حرب السادس من أكتوبر، أوضح الفريق مجدي شعراوي أن القوات الجوية كلفت في بداية المعركة بتدمير وشل حركة مراكز قيادة العدو وراداراته، إلى جانب استهداف المطارات والطائرات الإسرائيلية الموجودة في سيناء.
وأكد أن القوات الجوية نجحت في تنفيذ المهام المكلفة بها، لتبدأ بعد ذلك مرحلة التمهيد النيراني التي نفذتها المدفعية لمدة ساعة، مستهدفة عمق العدو ومؤمنة عبور قوات المشاة إلى الضفة الشرقية لقناة السويس، وأشار إلى أن مراحل العملية جرت في إطار متكامل، تحت حماية القوات الجوية وقوات الدفاع الجوي، إلى جانب الدور الذي قامت به عناصر الإعاقة الإلكترونية.
معركة المنصورة الجوية
ووصف الفريق مجدي شعراوي معركة المنصورة الجوية بأنها ملحمة عسكرية ستظل حاضرة في تاريخ المعارك الجوية لعقود طويلة، مشيرا إلى الفوارق الكبيرة التي كانت موجودة بين إمكانات الطائرات والأسلحة التي امتلكها الطرفان، وأكد قائد القوات الجوية الأسبق أن كفاءة الأطقم الأرضية وسرعتها في إعادة تجهيز الطائرات للطلعات الجديدة كانت إحدى أهم كلمات السر في معركة المنصورة الجوية.
اللواء محمد الشهاوي: حرب أكتوبر كسرت هيمنة التفوق الإسرائيلي
53 عاما مضت على انتصارات أكتوبر المجيدة، تلك الملحمة التي سطرتها القوات المسلحة المصرية بعد سنوات طويلة من القتال والاستنزاف والإعداد، لتتحول في السادس من أكتوبر 1973 إلى واحدة من أعظم صفحات التاريخ العسكري المصري والعربي.

وعن هذه الحرب العظيمة وأسرارها، يتحدث اللواء أركان حرب محمد الشهاوي، رئيس أركان الحرب الكيميائية الأسبق، ومستشار كلية القادة والأركان، وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، مستعيدا خلال حواره لـ "النهار" مشاهد من ملحمة النصر، وكاشفا جانبا من بطولات المقاتلين المصريين وأدوار مختلف التخصصات في معركة العبور.
في البداية، أوضح أن عقيدة المقاتل المصري كانت واضحة "النصر أو الشهادة"، مشيرا إلى أن حرب أكتوبر، رغم مرور عقود عليها، لا تزال تزخر بالدروس والأسرار في مجالات التخطيط والتدريب والاستراتيجية العسكرية، وتظل نموذجا استثنائيا في تاريخ الحروب.
هزيمة نظرية الأمن الإسرائيلية
وأكد أن حرب أكتوبر هزمت نظرية الأمن الإسرائيلية، وكسرت ما وصفه بـ "الذراع الطويلة" لإسرائيل، بعدما تمكنت القوات المسلحة المصرية من عبور قناة السويس وفرض واقع عسكري جديد على الأرض.
الحرب الكيميائية في حرب أكتوبر
وبصفته رئيسا سابقا لأركان الحرب الكيميائية، أوضح اللواء محمد الشهاوي أن هذا التخصص كان له دور مهم في حرب أكتوبر، موضحا أن إحدى مهامه الرئيسية تمثلت في إعداد القوات المسلحة للعمل في ظروف استخدام العدو لأسلحة الدمار الشامل، سواء النووية أو الكيميائية أو البيولوجية.
وأشار إلى أن رجال الحرب الكيميائية شاركوا كذلك مع مجموعات الاقتحام الأولى في عبور القناة وتدمير النقاط القوية، من خلال استخدام قاذفات اللهب الخفيفة، كما اضطلعوا بمهام الاستطلاع والملاحظة والمتابعة للعدو الإسرائيلي، إلى جانب استخدام وسائل الدخان لحجب الرؤية عن قوات العدو، بما يسمح للقوات المصرية بسرعة الاقتراب والاقتحام.
إخفاء الكباري خلال الحرب
وأوضح الشهاوي أن الحرب الكيميائية شاركت أيضا في إخفاء الكباري التي أقامتها القوات المصرية لعبور القناة، باستخدام ما عُرف بـ "مولدات الدخان"، بعدما كان العدو يستهدف تلك الكباري، كما جرى استخدام الدخان في إخفاء تحركات القوات وتأمينها من طيران العدو ونيران الدبابات والمدفعية، بما وفر غطاءً ساعد القوات المصرية على تنفيذ مهامها في ظروف القتال الصعبة.
النابالم.. مخطط لتحويل قناة السويس إلى جحيم
وكشف اللواء الشهاوي أن إسرائيل كانت تخطط لاستخدام ما وصفه بـ "المانع الحارق"، بهدف تحويل قناة السويس إلى حاجز من النيران أمام القوات المصرية، وأوضح أن هذا النظام كان يعتمد على مواتير متصلة بخزانات لدفع مادة النابالم وإشعالها، بما يؤدي إلى اندفاع ألسنة اللهب وارتفاعها إلى مسافات كبيرة، وهو ما كان من شأنه أن يجعل عملية العبور شديدة الخطورة.
وأشار إلى أن الحرب الكيميائية أعدت مادة لمعالجة "أفرولات" الجنود والقوارب المطاطية وحمايتها من تأثير النيران، ضمن الاستعدادات للتعامل مع هذا السيناريو، وأوضح الشهاوي أن القوات المسلحة لم تعتمد على خطة واحدة، وإنما أعدت بدائل متعددة للتعامل مع المانع الحارق، وقال إن القوات المسلحة وقوات الصاعقة تمكنتا من الوصول إلى فتحات النابالم وإغلاقها، وكان عددها 32 تجهيزة موزعة على طول القناة.
وأشار إلى أن القوات قامت بعمليات سباحة تحت المياه للوصول إلى هذه الفتحات وسدها، وأضاف أن العدو كان يختبر هذه التجهيزات يوميا في السابعة والنصف صباحا للتأكد من جاهزيتها، إلا أن القوات المصرية نجحت في تعطيلها ليلة الخامس من أكتوبر.
وأشار إلى أن العدو أجرى الاختبار في وقت متأخر، ثم استدعى مهندس الصيانة من تل أبيب، لكنه وصل بعد اندلاع الحرب، وعندما حاول العدو تشغيل المنظومة لم تعمل.
اللواء محمد الغزالي: استجوبت الأسرى الإسرائيليين وحصلت منهم على معلومات أفادتنا في الحرب
بعد 53 عاما على حرب أكتوبر، تبقى واحدة من أهم صفحات تلك الملحمة مرتبطة بالسماء المصرية؛ حيث لعبت القوات الجوية دورا محوريا في تنفيذ الضربة الجوية وتهيئة مسرح العمليات أمام القوات البرية، مستندة إلى منظومة متكاملة من التخطيط والاستطلاع وجمع المعلومات، وهي منظومة لم تبن بين ليلة وضحاها، وإنما كانت نتاج سنوات من العمل المتواصل منذ ما بعد الخامس من يونيو 1967.

ففي أعقاب نكسة يونيو، لم يكن التحدي أمام القوات المسلحة المصرية يتمثل فقط في إعادة بناء الطائرات والقواعد والقدرات القتالية، بل امتد إلى بناء منظومة معلومات قادرة على الإجابة عن السؤال الأكثر أهمية قبل أي معركة، ماذا يمتلك العدو؟ وأين يتمركز؟ وكيف يفكر؟ وكيف يمكن التعامل مع قدراته؟.
الاستطلاع الجوي وجمع المعلومات
ومن هنا، بدأ العمل على تطوير الاستطلاع الجوي وجمع المعلومات عن القوات الجوية الإسرائيلية، بما يشمل القواعد الجوية، وتمركزات الطائرات، والدشم، ووسائل الحماية، وأنواع الذخائر والأسلحة، وصولا إلى تفاصيل أكثر دقة تتعلق بقدرات الطيارين الإسرائيليين ونمط عملهم.
وفي هذا السياق، يبرز اسم اللواء طيار محمد الغزالي، الذي كان مسؤولا عن المعلومات والاستطلاع في القوات الجوية، وأحد الذين شاركوا في استجواب الطيارين الإسرائيليين الذين أُسروا خلال حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر، لتتحول المعلومة التي جمعت من السماء والأرض إلى عنصر أساسي في التخطيط للمعركة.
جمع المعلومات عن القواعد الجوية الإسرائيلية
يحكي اللواء طيار محمد الغزالي لـ "النهار" أن مرحلة ما بعد الخامس من يونيو 1967 شهدت عملية تأهيل واسعة وحصوله على العديد من الفرق التخصصية، كان من بينها تعلم اللغة العبرية، بما يتناسب مع طبيعة المهام التي أُسندت إليه في مجال المعلومات والاستطلاع، وكانت مهمته الأساسية تتمثل في الاستطلاع وجمع المعلومات عن القواعد الجوية الإسرائيلية، وتمركزاتها، وإمكاناتها، والقدرات التي تمتلكها القوات الجوية الإسرائيلية.
ويربط الغزالي بين هذه المهمة وبين الدروس التي خرجت بها مصر من تجربة يونيو، مؤكدا أن ما حدث في الخامس من يونيو ارتبط، من بين عوامل أخرى، بنقص المعلومات المتعلقة بحجم وقدرات القوة العسكرية الإسرائيلية، ولا سيما ما تمتلكه من طائرات مقاتلة وذخائر وأسلحة، ومن هنا، أصبح توفير المعلومات الدقيقة عن قدرات العدو الجوية هدفا أساسيا، لتبدأ مرحلة جديدة عنوانها لا معركة بلا معلومة، ولا تخطيط ناجح من دون استطلاع دقيق.
ولم يكن الطريق إلى أكتوبر يبدأ في السادس من أكتوبر 1973، وإنما بدأت ملامحه في وقت مبكر، حيث يشير الغزالي إلى أن الإعداد لحرب أكتوبر بدأ منذ أعمال قتال القوات الجوية في 14 و15 يوليو 1967، في مرحلة مبكرة من إعادة بناء الثقة والقدرات بعد النكسة.
امتلاك كافة المعلومات عن القوات الجوية الإسرائيلية
ومع مرور السنوات، أصبحت القوات الجوية المصرية تمتلك قاعدة واسعة من المعلومات عن القوات الجوية الإسرائيلية؛ بدءا من عدد القواعد الجوية وتمركزاتها، مرورا بأماكن وجود الطائرات والدشم ووسائل الحماية، وصولا إلى أنواع الذخائر الجوية، بل وإلى معلومات أكثر تفصيلا تتعلق بالطيارين الإسرائيليين وإجازاتهم.
وأكد الغزالي أن هذه المعلومات لم تكن مجرد بيانات محفوظة في ملفات، وإنما تحولت إلى عنصر فاعل في التخطيط العملياتي، وأسهمت في إعداد خطة محكمة لاستهداف الأهداف الجوية الإسرائيلية خلال حرب أكتوبر.
استجواب الطيارين الإسرائيليين
ويقول "الغزالي" إن أول عملية استجواب شارك فيها كانت لطيار إسرائيلي أُسقطت طائرته خلال حرب الاستنزاف، وهو الطيار "تسيم أشكنازي"، حيث تمكن من الحصول منه على معلومات مهمة تتعلق بطريقة تنفيذ القوات الجوية الإسرائيلية لمهامها وأساليب عملها.
أسير يكشف معلومات عن سربه
ومع اندلاع حرب أكتوبر، تكررت تلك التجربة بصورة أكثر أهمية، ويروي الغزالي أنه عقب إسقاط طائرة مقاتلة إسرائيلية خلال الحرب، تم أسر طيار إسرائيلي يُدعى "آمنون يعقوب جاردي"، وخلال استجوابه أمكن الحصول على معلومات تتعلق بالسرب الذي كان يتبعه، والطيارين والطائرات التابعة له، لكن الأهم أن المعلومات التي قدمها الأسير تضمنت اسم قائد السرب، "إسحاق بير". وبعد ذلك، أُسقطت طائرة قائد السرب نفسه خلال حرب أكتوبر، وتم أسره أيضا، وهنا كانت المفارقة التي تحولت إلى قيمة استخباراتية إضافية؛ إذ كانت لدى اللواء محمد الغزالي معلومات سابقة عن هذا الطيار، حصل عليها من الطيار الذي سبقه إلى الأسر، وبالتالي، لم يبدأ الاستجواب من نقطة الصفر، بل كانت هناك معلومات سابقة يمكن البناء عليها ومقارنتها بما يقوله الأسير الجديد.
ومن خلال استجواب قائد السرب الإسرائيلي، نجح الجانب المصري في الحصول على معلومات مهمة وقيمة عن قدرات القوات الجوية الإسرائيلية، وهي معلومات أسهمت، في دعم تنفيذ مهام ناجحة للقوات الجوية المصرية خلال حرب أكتوبر.
اللواء أحمد الصادق: أغلقنا باب المندب 3 أشهر خلال فترة الحرب.. ونفذنا خطة الخداع الاستراتيجي بالتوجه إلى باكستان
لم تكن حرب أكتوبر المجيدة معركة خاضتها القوات المسلحة المصرية على ضفة قناة السويس وحدها، وإنما كانت حربا شاملة دارت رحاها على أكثر من جبهة، وفي قلب هذه الملحمة، خاضت البحرية المصرية معركة لا تقل أهمية عن معارك البر والجو، فامتدت يدها إلى البحر الأحمر، وأغلقت أحد أهم الممرات البحرية أمام الملاحة الإسرائيلية، في عملية استراتيجية أربكت حسابات العدو، وحاصرت قدرته على استخدام هذا الطريق الحيوي لنقل الإمدادات وتعزيز قواته.

ومن بين أبطال هذه الملحمة، اللواء بحري أركان حرب أحمد محمد الصادق، الذي عاش تفاصيل تلك السنوات من داخل القوات البحرية، وشهد بنفسه تداعيات عدوان يونيو، ثم شارك في رحلة استعادة الثقة وصولا إلى لحظة النصر في أكتوبر 1973.
"الفاتح".. مهمة إلى باكستان ضمن خطة الخداع الاستراتيجي
يروي اللواء البحري أحمد محمد الصادق لـ "النهار" أن التوجيهات صدرت إلى المدمرة "الفاتح" قبل حرب أكتوبر بالتوجه إلى باكستان لإجراء عمرة للمدمرة، إلا أن ذلك كان في إطار خطة الخداع الاستراتيجي التي سبقت الحرب، وهكذا، كان ما يبدو في ظاهره تحركا روتينيا لإجراء أعمال صيانة، جزءا من مشهد أكبر، استهدف إبقاء العدو في حالة من الغموض، وإخفاء الاستعدادات الحقيقية التي كانت تجري على قدم وساق استعدادًا للساعة الحاسمة.
أمر قتال حرب أكتوبر
وبالانتقال إلى حرب أكتوبر، قال اللواء أحمد محمد الصادق أنه كان برتبة رائد بحري أثناء الحرب، حيث كان يعمل ضابط مدفعية المدمرة، كاشفا أن المدمرة أخذت أمر القتال يوم 6 أكتوبر، ومنذ صدور أمر القتال، انتقلت المدمرة من مرحلة الاستعداد والترقب إلى التنفيذ الفعلي للمهام الموكلة إليها، لتبدأ صفحة جديدة من صفحات الحرب، لم تكن أقل أهمية عن معركة العبور على الجبهة الرئيسية.
إغلاق باب المندب
وأوضح إن إحدى أبرز المهام التي اضطلعت بها القوات البحرية خلال حرب أكتوبر كانت المشاركة في تشكيل بحري تولى إغلاق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية التي تتحكم في حركة الملاحة من وإلى البحر الأحمر، وذلك لخنق خطوط الإمداد الإسرائيلية، وقطع الطريق البحري أمام العدو، وتحويل البحر الأحمر إلى مساحة محكومة بالقوة المصرية.
ويقول اللواء أحمد محمد الصادق إن المدمرة الفاتح كانت ضمن التشكيل البحري الذي أغلق باب المندب خلال حرب أكتوبر، موضحا أن التعليمات كانت واضحة وهي استهداف أي سفينة إسرائيلية تحاول عبور باب المندب في اتجاه البحر الأحمر.
ويكشف اللواء البحري أحمد محمد الصادق عن حجم المهمة التي نفذتها القوات البحرية خلال الحرب، قائلًا: "قمنا بتوقيف 199 سفينة أثناء حرب أكتوبر، وقمنا بإغلاق مضيق باب المندب لمدة ثلاثة أشهر منذ بدء الحرب، في مهمة جسدت أهمية الدور الذي لعبته البحرية المصرية في إدارة المعركة بعيدًا عن ساحات القتال التقليدية".
البحرية المصرية جزء أصيل من نصر أكتوبر
ويؤكد اللواء البحري أركان حرب أحمد محمد الصادق أن القوات البحرية كان لها دور كبير في حرب أكتوبر، وهو دور لم يكن منفصلا عن مجمل العمليات العسكرية، وإنما جاء ضمن منظومة متكاملة شاركت فيها القوات المسلحة المصرية بكل أفرعها وتخصصاتها.
اللواء محمد الغباري: كنت مكلفا بمهمة تأمين تحركات القوات التي ستتدفق لعبور القناة
شهادة أخرى من أحد أبطال حرب أكتوبر جاءت من اللواء أركان حرب محمد الغباري، الخبير العسكري والاستراتيجي، الذي كشف خلال حواره لـ "النهار" عن كواليس الإعداد للمعركة، وكيف نجحت القوات المسلحة المصرية في إعادة بناء قدراتها، وتطوير عقيدتها القتالية، وإدارة واحدة من أعقد خطط الخداع الاستراتيجي، وصولا إلى لحظة العبور وتحقيق النصر.

الإعداد للحرب
قال اللواء محمد الغباري أن الإعداد لحرب أكتوبر بدأ عقب عدوان يونيو 1967، وأوضح أن القيادة العامة للقوات المسلحة عملت على إعادة بناء القوات المسلحة من خلال عدة محاور متكاملة، شملت إعادة التنظيم والهيكلة، وإعادة التسليح، وتجهيز مسرح العمليات، ورفع الكفاءة القتالية، والتدريب على المهام التي ستنفذ خلال الحرب، وفي مقدمتها اقتحام قناة السويس والعبور إلى الضفة الشرقية.
وعلى مستوى الوحدات والتشكيلات، جرى تعديل التنظيم بما يتناسب مع طبيعة المهام القتالية المحددة لكل وحدة، مع دعمها بالأسلحة والتخصصات اللازمة، سواء بضم هذه العناصر إلى صلب التنظيم أو بإلحاقها بصورة دائمة.
تجهيز مسرح العمليات استعدادًا للمعركة
وعن تجهيرز مسرح العمليات بالتزامن مع عملية الحشد والتعبئة، كشف اللواء محمد الغباري أنه جرى حشد خمسة ألوية مشاة ولواءين مدرعين وخمس كتائب صاعقة على طول قناة السويس، وتواصلت عمليات الحشد والتعبئة حتى أصبح النسق الدفاعي الأول ممتدًا بطول نحو 170 كيلومترا، وبعمق 60 كيلومترا، مع إقامة الخط الدفاعي غرب القناة.
وفي تلك المرحلة، انصب جهد القيادة المصرية على إعادة بناء القوات المسلحة، ورفع كفاءتها، وتدريبها، وإعادة تسليحها، بما يمكنها من تنفيذ المهام المطلوبة منها، وكان من بين المهام الرئيسية تأمين القوات والمناطق الدفاعية، والاستعداد لدحر العدو ومنعه من تحقيق أهدافه، إلى جانب تنفيذ أعمال التجهيز الهندسي لمسرح العمليات.
التدريب على عمليات العبور
وقال اللواء محمد الغباري، أن عمليات التدريب على العبور اعتمدت على مجموعة من المبادئ الأساسية، وكان من أهمها التدريب على كل ما هو ضروري للحرب، والتدريب على مسرح عمليات مشابه لمسرح العمليات الحقيقي، ولهذا، جرى إنشاء نقاط تدريب على مجرى نهر النيل تحاكي ما هو موجود على قناة السويس، وتدربت القوات عليها بصورة دقيقة ومتكررة، حتى أصبح كل مقاتل يعرف مهمته ودوره بالتفصيل.
المشاركة في حرب أكتوبر
كما أوضح اللواء محمد الغباري أنه كان برتبة نقيب في الفرقة الثانية مشاة خلال حرب أكتوبر 1973، وكان مكلفا بمهمة تأمين تحركات القوات التي ستتدفق لعبور قناة السويس، وكان مسؤولا عن تأمين المحور الرئيسي لعبور قوات الفرقة الثانية في اتجاه الكوبري 131، في نقطة أطلق عليها اسم "نقطة المراجعة"، وكانت تبعد عن قناة السويس بنحو 600 متر، مشددا على أن عملية العبور لم تكن عملية عشوائية، وإنما كانت تتم وفق جداول زمنية دقيقة وخطة محددة لحركة القوات.
وأشار أن جرى إعداد مصاطب لتأمين القوات أثناء العبور، كما تضمنت الخطة الاستعداد للتعامل مع أي طارئ؛ فإذا تعرض الكوبري للضرب، كان المهندسون العسكريون جاهزين للتدخل وإصلاح العطل في أسرع وقت ممكن، وقد عبرت الفرقة بالكامل دون خسائر، وكانت لحظة العبور بالنسبة لنا لحظة تاريخية لا يمكن أن تُنسى، لأنها جسدت سنوات طويلة من الإعداد والتدريب والتضحيات، وانتهت بتحقيق الهدف الذي انتظرناه طويلا.

