النهار
جريدة النهار المصرية

تقارير ومتابعات

دار الإفتاء تبدأ دورة للباحثين الماليزيين في الفتوى المالية

محمد منصور -

افتتح الدكتور علي عمر الفاروق، رئيس القطاع الشرعي بدار الإفتاء المصرية، أعمال الدورة التدريبية التي ينظمها مركز التدريب بدار الإفتاء المصرية للباحثين الماليزيين والخبراء في المالية الإسلامية والشريعة بأكاديمية أفهام، تحت عنوان «منهجية دار الإفتاء المصرية في فتاوى المعاملات المالية المعاصرة»، وذلك في ضوء توجيهات الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، رئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم.

وشهد افتتاح الدورة حضور الدكتور محمد وسام خضر، عضو الهيئة الاستشارية العليا للبحوث والتدريب بدار الإفتاء المصرية، الذي استهل اللقاء بتلاوة آيات من القرآن الكريم. وتهدف الدورة إلى تعريف الباحثين والمتخصصين بالمنهج العلمي والمؤسسي الذي تعتمد عليه دار الإفتاء في دراسة النوازل المالية وصناعة الفتوى المتعلقة بها، إلى جانب إتاحة خبراتها المتراكمة في مجالات الشريعة والاقتصاد الإسلامي.

تاريخ الإفتاء والمنهج المصري

وخلال بداية البرنامج العلمي، قدم الدكتور علي عمر الفاروق، رئيس القطاع الشرعي بدار الإفتاء المصرية، بحثًا بعنوان «دار الإفتاء التعريف والمهام»، تناول خلاله تطور العمل الإفتائي في مصر، بداية من الممارسات الفردية والمحلية وصولًا إلى صورته المؤسسية التي تبلورت مع تأسيس دار الإفتاء عام 1895م في عهد الشيخ حسونة النواوي.

واستعرض الفاروق امتداد جذور الإفتاء المصري إلى عصور مبكرة، مع ظهور مراكز للفتوى في عدد من المدن المصرية، من بينها رشيد وطنطا، قبل الوصول إلى مرحلة التنظيم المؤسسي، موضحًا أن البيئة العلمية في مصر تميزت بتعدد المذاهب الفقهية داخل الأزهر واتساع مساحة الاختلاف المعتبر، وهو ما منح المدرسة الإفتائية المصرية قدرة على استيعاب التنوع الفقهي والتعامل مع اختلاف الأحوال والأعراف بعيدًا عن الجمود المذهبي.

وتناول رئيس القطاع الشرعي بدار الإفتاء المصرية، من الجانب المنهجي، قاعدة تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والأحوال والأعراف، موضحًا أن التغير المنضبط يقوم على تنزيل الحكم الشرعي على واقع متغير دون المساس بثوابت الشريعة وأصولها.

وأشار إلى أن التحدي لا يكمن في النصوص الفقهية الموروثة بقدر ما يرتبط بالتعامل مع فهم سابق للواقع باعتباره صالحًا لكل زمان ومكان، مؤكدًا أهمية الجمع بين فهم النص وفهم الواقع وتحقيق المناط.

واستشهد في هذا الإطار بفتوى الشيخ محمد بخيت المطيعي المتعلقة بإباحة التصوير الفوتوغرافي بعد الوقوف على حقيقة العملية التصويرية، إلى جانب فتوى الإمام محمد سيد طنطاوي في المعاملات المصرفية كنموذج للتعامل المؤسسي مع التطورات الاقتصادية من خلال التكييف الفقهي الدقيق للمعاملة قبل إصدار الحكم بشأنها.

المعايير الشرعية في الفتوى المالية

وتناول الأستاذ الدكتور عبد الله النجار، عضو مجمع البحوث الإسلامية، محور «المعايير الشرعية والقرارات المجمعية في الإفتاء المالي»، مستعرضًا أهمية المال والمعاملات المالية في حياة الناس وعلاقتها المباشرة بمقاصد الشريعة.

وأكد النجار أن المفتي في القضايا المالية يحتاج إلى الإحاطة الدقيقة بحقيقة المعاملة وتفاصيلها قبل إصدار الحكم، مع ضرورة التمييز بين الاسم الشائع للعقد وبين طبيعته القانونية والاقتصادية والفقهية، مشيرًا إلى أن بعض المصطلحات الحديثة قد تحمل دلالات تختلف عن حقيقة المعاملة، وهو ما يجعل تحديد طبيعتها وبنيتها الفعلية خطوة أساسية تسبق البحث عن الحكم الشرعي.

كما شدد عضو مجمع البحوث الإسلامية على ضرورة التعامل بدقة مع المصطلحات والعقود والأدلة الشرعية، مستشهدًا بالفرق بين القرض والتمويل، موضحًا أن وصف معاملة ما بأنها «قرض استثماري» لارتباطها بإنشاء مصنع أو تمويل مشروع لا يكفي وحده لتحديد حكمها، قبل دراسة حقيقتها وآليات تنفيذها والآثار المترتبة عليها.

وتطرق كذلك إلى أهمية التثبت من الروايات والسياقات ودلالات النصوص قبل الاستدلال بها في النوازل، إلى جانب قضايا الحقوق المالية داخل الأسرة ومسائل الميراث والكد والسعاية، مؤكدًا ضرورة النظر إلى الحقوق والالتزامات المالية بصورة متكاملة، مع الاستفادة من المعايير الشرعية وقرارات المجامع الفقهية والاجتهادات المعاصرة للوصول إلى معالجة أكثر انضباطًا للقضايا المالية المستحدثة.

مهارات التعامل مع المستفتين

ومن جانبه، تناول الدكتور محمد وسام خضر، عضو الهيئة الاستشارية العليا للبحوث والتدريب بدار الإفتاء المصرية، محور «مهارات التعامل مع المستفتين في الفتاوى المالية»، موضحًا أن تصوير الواقعة يمثل الأساس الذي تسبقه عملية إصدار الحكم، خاصة في المعاملات الاقتصادية المركبة التي قد تضم أكثر من عقد أو تتعدد أطرافها والآثار الناتجة عنها.

وأوضح خضر أن دور المستفتي يقتصر على تقديم البيانات الخاصة بالواقعة، دون أن يقدم حكمًا فقهيًا بشأنها، بينما تقع مسؤولية الوصول إلى الصورة الحقيقية للمعاملة على المفتي، من خلال طرح الأسئلة المتتابعة وتحليل المعلومات واستكمال البيانات الناقصة، بما يمنع بناء الحكم على تصور غير مكتمل أو وصف ظاهري للمعاملة.

وفي الجانب التطبيقي، أكد عضو الهيئة الاستشارية العليا للبحوث والتدريب أهمية تجاوز الألفاظ المستخدمة في العقود إلى مقاصدها ومعانيها، انطلاقًا من أن العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني وليس بمجرد الألفاظ والمباني.

وأشار إلى أن التعامل مع العقود المستحدثة يتطلب دراسة شروطها وآثارها والتأكد من خلوها من الغرر والضرر، مع إمكانية الاستعانة بالدراسات الاقتصادية والمتخصصة والدراسات المستقبلية والدراسات الاكتوارية عند الحاجة، فضلًا عن فهم العلة التي يقوم عليها الحكم وطبيعة المال ووظيفته في الاقتصاد الحديث.

كما لفت إلى أهمية الاستفادة من التنوع الفقهي باعتباره مجالًا للاختيار المنضبط الذي يراعي اختلاف البيئات والأعراف والظروف.

مراحل صناعة الفتوى المالية

وخصص الدكتور مصطفى حسن الأقفهصي، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، محاضرته لشرح «مراحل صناعة الفتوى المالية بدار الإفتاء المصرية»، موضحًا أن إصدار الفتوى يمثل عملية علمية مركبة تبدأ بتصوير الواقعة والإحاطة بتفاصيلها، ثم تكييفها فقهيًا ووضعها ضمن التصنيف الفقهي المناسب.

وأضاف أن المرحلة التالية تتمثل في البحث عن الحكم من خلال الأدلة والقواعد الأصولية والفقهية، ثم الاختيار والترجيح، يلي ذلك تنزيل الحكم على الواقعة وصياغته بالشكل الذي يتناسب مع المستفتي.

وأكد أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية أن كل مرحلة من هذه المراحل تؤثر في المراحل التالية، وبالتالي فإن وجود خلل في تصوير الواقعة أو تكييفها قد يؤدي إلى نتيجة غير دقيقة، مهما بلغت قوة البحث الفقهي في المراحل اللاحقة.

وفي ختام المحاور العلمية، أوضح الأقفهصي أهمية تفكيك المعاملات المركبة والوقوف على مكوناتها الحقيقية، مستشهدًا بالإجارة المنتهية بالتمليك وتمويل السيارات عبر البنوك، وما قد تشتمل عليه هذه المعاملات من بيع ووكالة وضمان وتقسيط.

وأشار إلى ضرورة مراعاة طبيعة العقود التبادلية والتبرعية، وكذلك العقود المسماة والمستحدثة، موضحًا أن إنشاء عقود جديدة يظل ممكنًا متى استوفت الضوابط الشرعية وانتفت عنها أسباب الغرر والضرر.

كما أكد ضرورة إدخال الشخصية القانونية للشركات والبنوك والجهات الحكومية ضمن عملية تصوير المعاملة وتكييفها، وعدم إصدار الحكم على المعاملة لمجرد وجود زيادة مالية، دون معرفة طبيعة العلاقة ووظيفة المال وحقيقة التعامل.

واختتمت فعاليات اليوم بالتأكيد على أهمية تنمية قدرات الباحثين والمتخصصين في مجال المالية الإسلامية، من خلال الجمع بين الملكة الفقهية والفهم الدقيق للواقع والاستفادة من الخبرات الاقتصادية والقانونية، مع مراعاة الأعراف والمآلات والبيئة التشريعية والتنظيمية.

وشدد المشاركون على أهمية الإفادة من سعة الفقه الإسلامي وتعدد مدارسه في عمليات الاختيار والترجيح وفق ضوابط علمية، بعيدًا عن مجرد تتبع الأسهل، بما يعكس المنهج المؤسسي لدار الإفتاء المصرية في صناعة الفتوى المالية المعاصرة، ويعزز قدرتها على التعامل المنهجي مع النوازل المتجددة، وتحقيق التوازن بين ثوابت الشريعة ومتغيرات الحياة.