النهار
جريدة النهار المصرية

تقارير ومتابعات

بين الشاشات والأسرة.. «إيده في إيدك» تعيد الأبناء إلى حضن التربية بالمشاركة

هبة يحيى -

«إيده في إيدك».. مبادرة لتعزيز الشراكة بين الأسرة والأبناء في مواجهة تحديات العصر الرقمي

محمود الهواري: الفجوة الجيلية وراء كثير من الظواهر السلبية بين الشباب

في ظل التحديات التي فرضها العالم الرقمي على الأسرة، تتزايد الحاجة إلى مبادرات تستهدف بناء وعي الأطفال منذ سنواتهم الأولى، وترسيخ القيم الأخلاقية والسلوكية التي تحصّنهم من التأثيرات السلبية.

وانطلاقًا من هذا التوجه، أطلق مجمع البحوث الإسلامية مبادرة "إيده في إيدك"، التي تسعى إلى تعزيز الشراكة بين الأسرة والمؤسسات التربوية والدعوية، من خلال برامج توعوية وثقافية وميدانية تستهدف الآباء والأمهات والأبناء، بهدف إعداد جيل أكثر وعيًا وقدرة على التعامل مع تحديات العصر الرقمي في إطار من الاعتدال والقيم الإيجابية.

وفي هذا الصدد قال الدكتور محمود الهواري، الأمين العام المساعد للدعوة والإعلام الديني بمجمع البحوث الإسلامية: "دعنا ننطلق من أن أي مبادرة لا بد أن تكون معتمدة على قراءة بصيرة للواقع، ومن هنا تأتي أهمية مبادرة  "إيده في إيدك" التي أطلقها مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف، فالمتأمل لواقعنا يجد شبه فجوة جيلية بين الآباء والأبناء، وهذه الفجوة سبب في كثير من الظواهر السلبية الموجودة في نفوس شبابنا وبناتنا".


وأضاف الدكتور «الهواري» في تصريح خاص لجريدة النهار: "لذا تنطلق المبادرة من فلسفة تربوية أصيلة، هي: المعايشة العملية والقدوة الحية من خلال اصطحاب الآباء لأبنائهم في تفاصيل الحياة اليومية: كاصطحابه إلى المسجد، وزيارات صلة الرحم، والأنشطة المجتمعية في الحي القريب أو حتى في الحي البعيد، إلى آخر ما يمكن أن يصطحب الآباء أبناءهم فيه"، مشيرا إلى أنه بذلك تؤكد المبادرة ضرورة الانتقال من التربية بمجرد "النصح اللفظي" إلى "المشاركة الفعلية العملية الحياتية" التي يرى فيها الأبناء النماذج الحية والتطبيق العملي للنصيحة، ومن ثم فإنها تكون أكثر وأعمق تأثيرا في نفوس الأبناء.

وتابع: "كما أن التربية بالمشاركة قد تجعل بعض الآباء يعيدون النظر مرة أخرى في أساليبهم التي يتبعونها مع أبنائهم، ويغيرون من طرق التربية السلبية الموروثة التي تتسم بالصرامة والقسوة والجفاف العاطفي، والتي للأسف تنتقل عبر الأجيال تلقائيا، ومن أهم الآثار النافعة التي تتركها التربية العملية والتشاركية في نفوس الأبناء أنها تبني جسورا من التواصل، بدلا من هذه الفجوة الجيلية التي تجذرها التكنولوجيا وتطبيقاتها المتنوعةيوما بعد يوم".

وأوضح الدكتور محمود الهواري: "إذا كانت التربية التقليدية تعتمد على إعطاء الأوامر والاتجاه الرأسي الأحادي من أكبر إلى أصغر فإن التربية التشاركية تتيح مساحة عاطفية ووجدانية تجعل الأبناء يشعرون بأنهم رفقاء أو أصدقاء لوالديهم، وليسوا مجرد مأمورين، كما أنها تفتح للأبناء مساحات لإبداء الرأي فتبنى شخصياتهم، وغالبا ما تتسع الفجوة بين الآباء والأبناء بسبب اختلاف التفكير وسرعة تغير العصر وكثرة معطياته، فتأتي هذه المبادرة وأمثالها من مبادرات التربية التفاعلية فتُعلم الطرفين لغة حوار مشتركة؛ الآباء يتعلمون الاستماع الفعال والتفهم، والأبناء يتعلمون الاحترام والمرونة، وهذا يجعل التواصل مستمرا وسلسا حتى بعد استقلال الأبناء بحياتهم الخاصة".


ولفت الدكتور الهواري إلى أنه من الآثار النافعة للتربية بالمشاركة كذلك توطين وترسيخ المرجعية الأولى في نفوس الأبناء، وأعني بذلك أن الآباء في عصر الذكاء الاصطناعي يواجهون تحديات عميقة، ومنافسين كثر يزاحمونهم في تربية أبنائهم، ويؤثرون على عقولهم وقلوبهم ويوجهون سلوكهم ومواقفهم، فتعمل المشاركة والصحبة على ترسيخ مكانة الوالدين في تكوين شخصية أبنائهم.


وأكد أنه من أهم الآثار النافعة للتربية بالمشاركة أن القيم والآداب والمواعظ تنتقل بالمشاهدة والمعاينة إلى حقيقة عملية، ومن "مفاهيم مجردة" إلى "سلوك تلقائي"، فالقيم التى يُدعى إليها الطفل في نصائح لفظية مباشرة (مثل الرحمة، وتوقير الكبير، وإغاثة الملهوف وغير ذلك) قد تظل أفكارا نظرية، لكن رؤيتها مجسَّدة أمام عينيه في مواقف والديه الفعلية تصنع لديه ذاكرة قيمية فيتذكر الابن كيف كان والده يتعامل مع كبار السن أو كيف كان يشارك في إصلاح ذات البين، أو كيف كان يسعى في الخدمة العامة، فيتبنى هذه القيم كنمط حياة.


وشدد أن كذلك من الآثار النافعة للتربية بالمشاركة واصطحاب الأبناء في مواقف الحياة المختلفة أنها تبني في الأبناء الثقة بالنفس حين يشعرون بآبائهم بجانبهم يحوطونهم بالرعاية والتوجيه، فتعزز لديهم الأمان النفسي وتحميهم من العزلة التي تسببها التكنولوجيا والانطفاء على الشاشات مع الوقت، وهذه التربية التشاركية أو التربية بالمواقف تعد نوعا من الاستثمار في الأبناء؛ فالأسلوب التربوي التشاركي اليوم لا يغير سلوك الطفل في الحاضر فحسب، بل يحدد كيف سيعامل أبناءه بل المجتمع كله في المستقبل.

تحديات قد تواجه تطبيق أهداف المبادرة 

وبشأن التحديات التي قد تواجه أهداف المبادرة قال الدكتور الهواري: "ربما نجد بعض المعوقات المرتبطة بالعادات الراكدة، ومن ذلك حرص بعض الآباء على صورتهم في المجتمع، وخوفهم من انتقادات الأقارب أو المحيط الاجتماعي حين يصطحبون أبناءهم الصغار إلى أماكن عامة، لذا يرضى كثير من الآباء بالوضع القائم، فيظل الصغير في عزلته والكبار في حياتهم وتظل الفجوة الجيلية بينهم".

وتابع: "قد تكون مشكلة توزيع الأدوار هي العقبة أمام تنفيذ المبادرة، حين يظن بعض الآباء أن اصطحاب الأطفال يخص المرأة وحدها، وقد تكون المشكلة في ضعف مهارات التواصل بين أطراف الأسرة وغياب الحوار الهادئ بينهم، ما يعني أن التواصل الفعال غائب عن الأسرة فكيف سيتحول الآباء من آمرين إلى أصدقاء وأصحاب؟ إضافة إلى هذا قد يكون سوء فهم الآباء لطبيعة المراحل العمرية وما تتطلبه من صبر ومرونة قد يكون هذا سببا في نفور زائد أو  تنصل سريع من المسؤولية، وقد يكون من المشكلات التي تواجه تطبيق المبادرة غياب المزاوجة بين الوعي النظري والتطبيق العملي، فالآباء يقرون من الناحية النظرية بأهمية المشاركة والحوار، لكنهم لا يحسنون تطبيق هذا".

ونوه إلى أنه للاستفادة الحقيقية من روح مبادرة "إيده في إيدك" لا تحتاج الأسرة إلى إعادة اختراع روتينها اليومي، بل إلى تطوير طريقة التشارك في المهام الموجودة بالفعل، وبما يناسب ظروف عمل كل فرد وطاقته، ومن ذلك أن تعيد الأسرة النظر في مهامها اليومية، على أن تتعامل بأسلوب "القائمة المشتركة" فبدلا من تحميل طرف واحد، وغالبا سيكون الأم، بدلا من تحميلها اصطحاب الأطفال إلى النادي والتمرين والدروس وغير ذلك يتحمل الجميع نصيبه بما فيهم الأبناء، فيختار كل فرد من الأسرة ما يناسب وقته وميوله وقدرته، وتحويل العمل المنزلي إلى "وقت عائلي جماعي تشاركي"، ولو افترضنا مثلا أن كل أسرة خصصت ساعة يوميا تسميها "ساعة المشاركة"، يعمل فيها الجميع بالتوازي على ترتيب البيت وتجهيز الطعام، ومناقشة طلبات البيت وأهدافه، وإجراء حوار متبادل، فبذلك نكسر الروتين المتبع في الأسرة ونغير النمط المتبع في التربية، ويكون الأطفال بمشاركتهم ولو مشاركة ضعيفة أكثر إحساسا بالمسؤولية واعتمادا على النفس.

واختتم: "من أفضل المهارات التي يجب على الأسر أن تتبناها أن يكون على ألسنة الآباء والأمهات عبارات الشكر والثناء والتقدير المتبادل، فشكر الطرف الآخر على ما يقدمه، حتى وإن كان واجبه، يجدد الطاقة ويقضي على الإحساس بالإرهاق، وأنصح في هذا المسار بإعادة قراءة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وكيف كان في بيته مع أهله، وكيف كان مع الأطفال الصغار".