سد جوليوس نيريري.. إنجاز بخبرات مصرية على أرض تنزانيا يضيء مستقبل التنمية في إفريقيا

من القاهرة إلى دار السلام، حملت الشركات المصرية خلال السنوات الماضية خبراتها إلى قلب القارة السمراء، في تجربة تحولت من اتفاق على الورق إلى مشروع تنموي عملاق يخدم ملايين التنزانيين، بعدما افتُتح رسميًا يوم السبت الماضي، سد ومحطة «جوليوس نيريري» الكهرومائية على نهر روفيجي، بحضور الرئيسة التنزانية سامية حسن، ومشاركة الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، نيابة عن الرئيس عبد الفتاح السيسي.
وبعد نحو 8 سنوات من توقيع عقد تنفيذ المشروع في ديسمبر 2018، أصبح السد واقعًا تنمويًا، منفذًا بواسطة التحالف المصري الذي يضم شركتي «المقاولون العرب» و«السويدي إليكتريك»، باستثمارات تبلغ نحو 2.9 مليار دولار، في مشروع لا يمثل فقط إضافة ضخمة لقطاع الطاقة في تنزانيا، وإنما
يعكس أيضًا تطورًا لافتًا في طبيعة الشراكة المصرية الإفريقية.
الدبوماسي السابق جمال بيومي: السد يعزز الحضور المصري بإفريقيا
ويرى السفير جمال بيومي، مساعد وزير الخارجية الأسبق، أن مشاركة الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، في افتتاح سد ومحطة جوليوس نيريري بتنزانيا، نيابة عن الرئيس عبد الفتاح السيسي، تحمل دلالات سياسية واقتصادية مهمة، مؤكدًا أن هذا النوع من الحضور المصري في إفريقيا يجب أن يتكرر بصورة أكبر خلال الفترة المقبلة.
وأوضح بيومي في تصريحات خاصة لـ"للنهار"، أن تنفيذ مشروع بهذا الحجم داخل دولة إفريقية يمثل رسالة واضحة بقدرات الشركات المصرية، مشيرًا إلى أن نجاح شركات مثل المقاولون العرب والسويدي إليكتريك في تنفيذ المشروع يمكن أن يفتح الباب أمام مشروعات جديدة في دول القارة.
وأضاف أن مشروع سد جوليوس نيريري، لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد تعاون اقتصادي، وإنما كنموذج عملي للشراكة المصرية الإفريقية، قائلًا إن «لما تعمل مصر سدًا في تنزانيا
وتنجح في تنفيذه، فهذا يجعل الدول الإفريقية تنظر إلى الإمكانيات المصرية بصورة مختلفة».
وأشار إلى أن نجاح المشروع يمثل أيضًا ردًا عمليًا على الادعاءات بأن مصر لا تريد التنمية للدول الإفريقية، مؤكدًا أن تنفيذ مشروع ضخم بهذا الحجم، وتوفير الخبرات والعمالة والمعدات، يعكس قدرة مصر على أن تكون شريكًا حقيقيًا في التنمية.
وشدد بيومي، على أن وجود أكثر من 13 ألف عامل تنزاني ضمن المشروع يعكس جانبًا مهمًا من التعاون، موضحًا أن المشروعات الكبرى لا تقتصر فوائدها على الدولة المنفذة، وإنما تخلق فرص عمل وتنقل الخبرات داخل الدولة المضيفة.
وشبه بيومي، رمزية سد جوليوس نيريري بالنسبة لتنزانيا برمزية السد العالي بالنسبة إلى المصريين، مؤكدًا أن المشروع يجب أن يكون بداية لمسار أكبر، معربًا عن أمله في تكرار التجربة وتنفيذ المزيد من المشروعات المصرية في إفريقيا بمجالات الطاقة والبنية التحتية والزراعة والنقل، مختتمًا تصريحاته بقوله: «طموحي أكبر كثيرًا من هذا السد»، مؤكدًا أن
نجاح التجربة يمكن أن يعزز حضور الشركات المصرية ويفتح أمامها أسواقًا وفرصًا جديدة داخل القارة.
من قلب الأدغال التنزانية.. التحالف المصري يتحدى الطبيعة ويحوّل أصعب التحديات الهندسية إلى إنجاز
خلف مشهد الافتتاح الرسمي أرقام ضخمة تكشف حجم المشروع؛ فسعة الخزان تصل إلى نحو 34 مليار متر مكعب، بينما يبلغ ارتفاع السد الرئيسي 131 مترًا، وتصل قدرته على توليد الكهرباء إلى 2115 ميجاوات من خلال 9 توربينات، بقدرة 235 ميجاوات لكل توربينة.
لكن الوصول إلى هذه المرحلة لم يكن مهمة سهلة، فالمشروع لم يكن سدًا رئيسيًا فقط، وإنما منظومة متكاملة من الأعمال الإنشائية والكهروميكانيكية شملت سدودًا تكميلية، ومحطة توليد، وأنفاقًا، وطرقًا، وكباري، وخطوط نقل ومحطة للربط الكهربائي.
عباس شراقي: جوليوس نيريري نقلة لتنزانيا.. والسد ينظم المياه ويعزز الكهرباء والزراعة
وفي هذا السياق، يؤكد الدكتور عباس شراقي، أستاذ الموارد المائية والجيولوجيا بجامعة القاهرة، أن تنفيذ مشروع سد
ومحطة جوليوس نيريري واجه تحديات هندسية ولوجستية كبيرة فرضتها طبيعة المنطقة، من أمطار غزيرة وتضاريس وعرة وتكوينات صخرية معقدة وكثرة الأودية، مشيرًا إلى أن أعمال إنشاء أساسات السد تطلبت التعامل مع هذه الظروف الصعبة، فضلًا عن اكتشاف أربعة أودية كان يمكن أن تتسرب إليها المياه بعد امتلاء الخزان، ما استلزم إنشاء أربعة سدود مساعدة لإغلاقها وضمان سلامة الخزان، مؤكدًا أن التحالف المصري نجح في تجاوز هذه التحديات بفضل خبراته الهندسية والعلمية وقدرته على التعامل مع طبيعة الموقع وتنفيذ منظومة متكاملة تضم السد الرئيسي والسدود المساعدة ومحطة التوليد والمنشآت المرتبطة بها.
وأوضح شراقي، في تصريحات خاصة "للنهار" أن سد جوليوس نيريري يمثل نقلة كبيرة لتنزانيا، ليس فقط باعتباره مشروعًا ضخمًا لتوليد الكهرباء، وإنما لدوره في تنظيم مياه نهر روفيجي
والذي يزيد طوله على 600 كيلومتر، ويشهد أمطارًا غزيرة خلال أشهر مارس وأبريل ومايو، ما كان يؤدي إلى حدوث فيضانات متكررة في المناطق المحيطة به، مشيرًا إلى أن إنشاء السد يوفر قدرة أكبر على التحكم في تدفقات المياه وتنظيمها
على مدار العام.
وأشار إلى أن بحيرة السد تبلغ سعتها نحو 34 مليار متر مكعب، وهي كمية ضخمة تتيح تخزين المياه خلال فترات الأمطار الغزيرة، ثم تنظيم تصرفاتها بدلًا من اندفاعها بصورة كبيرة خلال موسم الأمطار، بما يساهم في تقليل مخاطر الفيضانات وتحقيق استفادة أكبر من المورد المائي.
وأكد أستاذ الموارد المائية، أن إنتاج الكهرباء يمثل إحدى أهم فوائد المشروع بالنسبة إلى تنزانيا، إذ تصل القدرة المستهدفة للمحطة إلى نحو 2115 ميجاوات من خلال 9 توربينات، معتبرًا أن هذه الإضافة الكبيرة إلى شبكة الكهرباء التنزانية يمكن أن تنعكس على الصناعة والاستثمار والخدمات والتعليم، لأن توافر الطاقة يمثل أساسًا لأي عملية تنموية.
وأضاف أن تنظيم المياه يمكن أن يفتح المجال أمام التوسع في الزراعة المروية، خاصة أن قطاعات واسعة من الزراعة الإفريقية تعتمد على مياه الأمطار، بينما يوفر السد موردًا مائيًا أكثر انتظامًا يمكن الاستفادة منه في مشروعات زراعية مستقبلية.
وفيما يتعلق بالجانب البيئي، أوضح شراقي أن المشروع يقع في منطقة محمية واسعة، لكن المساحة المتأثرة ببحيرة السد تمثل جزءًا محدودًا منها، مؤكدًا أهمية تحقيق التوازن بين احتياجات التنمية والحفاظ على البيئة.
وشدد شراقي، على أن السد مقام على نهر روفيجي، وهو نهر داخلي داخل الأراضي التنزانية، وبالتالي يختلف عن السدود المقامة على الأنهار العابرة للحدود، معتبرًا أن المشروع يمثل في النهاية نموذجًا لمشروع تنموي تستفيد منه تنزانيا بصورة مباشرة في مجالات الطاقة والمياه والزراعة والحد من الفيضانات.
شراكة تتجاوز السد
وبينما وصف رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، المشروع بأنه نموذج للتعاون الإفريقي الإفريقي، أكدت الرئيسة التنزانية سامية حسن، أن افتتاح السد يمثل حدثًا تاريخيًا لبلادها، موجهة الشكر للتحالف المصري الذي تولى تنفيذ المشروع.
ومن هنا، يتحول مشروع "سد جوليوس نيريري" من مجرد
مشروع هندسي عملاق إلى نموذج للشراكة المصرية الإفريقية، يجمع بين التاريخ السياسي للعلاقات، والخبرة المصرية، والاحتياجات التنموية المتزايدة لدول القارة السمراء.

