النهار
جريدة النهار المصرية

تقارير ومتابعات

باحثون يستعرضون دور الطرق الصوفية المغربية في تعزيز التواصل الروحي مع إفريقيا

أمير أبو رفاعي -

تواصلت فعاليات اليوم الخامس من الدورة الثانية لـ«مجالس الأنوار في ذكر الصلاة على النبي المختار ﷺ»، التي تنظمها الطريقة القادرية البودشيشية بمداغ، شرقي المغرب، تحت إشراف شيخها الحاج معاذ القادري بودشيش، احتفالًا بذكرى المولد النبوي الشريف، تحت شعار: «امتداد التراث الصوفي المغربي بإفريقيا: المسارات، التجليات، والآفاق».
وشهدت فعاليات اليوم الخامس مناقشة المحور الخامس بعنوان «الطرق الصوفية المغربية وشبكات التواصل الروحي الإفريقي»، بمشاركة عدد من العلماء والباحثين من المغرب ودول إفريقية، حيث تناولت المداخلات أدوار الطرق الصوفية المغربية، وفي مقدمتها القادرية والتيجانية، في بناء شبكات التواصل العلمي والروحي وتعزيز الروابط التاريخية والحضارية بين المغرب وبلدان غرب إفريقيا.
وترأس الجلسة الأستاذ أحمد طايعي، أستاذ التعليم العالي بالكلية متعددة التخصصات بالرشيدية، وشهدت تقديم عدد من الدراسات التي تناولت الامتداد التاريخي والجغرافي للتصوف المغربي، ودوره في نشر المعرفة الدينية وتعزيز التواصل الثقافي والروحي في القارة الإفريقية.
وتناول الدكتور محمد أمراني علوي، من الكلية متعددة التخصصات بالرشيدية التابعة لجامعة مولاي إسماعيل بمكناس، في مداخلته «الطرق الصوفية المغربية وإشعاعها الإفريقي: الطريقة التيجانية نموذجًا»، دور الزوايا والطرق الصوفية في نشر الإسلام والتصوف السني المغربي وتعزيز التواصل الديني والروحي بين المغرب وبلدان إفريقيا والساحل.
وأشار إلى إسهام هذا الامتداد في ترسيخ الوحدة الدينية القائمة على المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية، متوقفًا عند الطريقة التيجانية باعتبارها نموذجًا للإشعاع الروحي المغربي، لما قامت به من أدوار في التربية الدينية والتصوف السني وتعزيز الروابط الروحية مع شعوب إفريقيا جنوب الصحراء.
كما تناول أهمية المؤسسات الدينية المغربية في تأهيل الأئمة والمرشدين الأفارقة، ودور الطرق الصوفية في دعم الأمن الروحي والاجتماعي وتعزيز ما وصفه بالدبلوماسية الروحية بين المغرب وبلدان القارة.
من جانبه، استعرض الأستاذ حسين محمد القادري، مقدم الطريقة القادرية في غانا، خلال مداخلته «الجسور الروحية والمعرفية بين المغرب وغانا: الطريقة القادرية نموذجًا للتواصل العلمي والصوفي عبر الصحراء»، مسارات انتقال التعاليم القادرية من المراكز المغربية، خاصة مدينة فاس، إلى منطقة ساحل الذهب.
وأوضح أن التوثيق المتعلق بالحضور القادري في غانا لا يزال محدودًا مقارنة بما هو متاح بشأن انتشار الطريقة في نيجيريا والسنغال والنيجر، مشيرًا إلى اعتماد دراسته على المنهج التاريخي الوصفي التحليلي، إلى جانب المصادر العربية والإنجليزية والروايات الشفوية المحلية.
وخلصت المداخلة إلى أن انتشار القادرية في المنطقة تم عبر شبكة من العلماء والأسانيد العلمية والروحية، فضلًا عن مسارات التبادل التجاري، داعيًا إلى تكثيف جهود البحث والتوثيق والمقارنة بين مسارات انتشار القادرية والتيجانية في غرب إفريقيا.
كما تناول الدكتور مختار أمين زيتاوا، أستاذ التعليم العالي بجامعة كاشري الفيدرالية في نيجيريا، موضوع «الامتداد الصوفي المغربي في غرب أفريقيا: بلاد هوسا نموذجًا»، مستعرضًا دور العلماء والطرق الصوفية المغربية في نشر الإسلام وترسيخ الثقافة العربية الإسلامية في المنطقة.
وأوضح أن انتقال التصوف المغربي إلى بلاد هوسا تم عبر الرحلات العلمية والقوافل التجارية ورحلات الحج، وهو ما أسهم في نشأة الزوايا والمؤسسات العلمية وتعزيز العلاقات الروحية والفكرية بين المغرب ومجتمعات غرب إفريقيا.
وتطرق إلى إسهام الطريقة القادرية في نشر قيم الاعتدال والتسامح وتكوين العلماء والدعاة، معتبرًا أن الامتداد الصوفي المغربي تجاوز انتقال الطرق والأسانيد إلى الإسهام في بناء تواصل حضاري وتعزيز الاستقرار الفكري والاجتماعي والثقافي في المنطقة.
وفي السياق ذاته، قدم الدكتور إبراهيم حدكي، الباحث في الدراسات الإسلامية، درسًا علميًا بعنوان «عناية علماء الصحراء المغربية بالشمائل المحمدية ومعالم الامتداد الإفريقي»، تناول خلاله اهتمام علماء الصحراء المغربية بالشمائل المحمدية ودورها في ترسيخ قيم التربية والأخلاق والهداية.
وأوضح أن الشمائل المحمدية شكلت مكونًا أساسيًا في الوجدان الديني المغربي، من خلال العناية بمؤلفات السيرة والشمائل و«الشفا» و«دلائل الخيرات»، فضلًا عن نظم السيرة والشمائل شعرًا وتداولها عبر شبكات الرحلات والقوافل العلمية المتجهة إلى شنقيط والسنغال ومالي.
واستعرض نماذج من الأسر والعلماء الذين أسهموا في هذا الامتداد، مؤكدًا أن التواصل العلمي والروحي بين المغرب وغرب إفريقيا لم يكن في اتجاه واحد، وإنما اتسم بالتفاعل والتبادل، وأسهم في إثراء المشترك الديني والثقافي بين الجانبين.
ودعا، في ختام مداخلته، إلى إحياء مجالس الشمائل المحمدية، والعمل على تحقيق مخطوطاتها وفهرستها، وتعزيز التعاون العلمي والروحي بين المؤسسات المغربية ونظيراتها الإفريقية، بما يسهم في صيانة الذاكرة المشتركة وترسيخ أسس الأمن الروحي المشترك.
وأكدت مداخلات المحور الخامس، في مجملها، تنوع مسارات الامتداد الصوفي المغربي في إفريقيا، عبر الطرق والأسانيد والعلماء والرحلات والقوافل والمؤسسات العلمية، مشيرة إلى أن التواصل الروحي ارتبط تاريخيًا بالتواصل العلمي والثقافي والحضاري، وأن الطرق الصوفية شكلت جسورًا ممتدة بين المغرب وبلدان غرب إفريقيا، وأسهمت في بناء فضاء مشترك من القيم والمعارف والتقاليد الدينية.