لماذا زار ولي العهد السعودي محمد بن سلمان فرنسا؟
لا تقتصر زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا على لقاءات رسمية أو مباحثات سياسية بل تأتي في مرحلة تشهد فيها العلاقات بين الرياض وباريس توسعًا لافتًا في مجالات عدة.
فمن السياسة والدفاع إلى الاقتصاد والطاقة والثقافة والرياضة تتجه الشراكة بين البلدين إلى آفاق أوسع في وقت تبحث فيه السعودية وفرنسا عن فرص جديدة للتعاون وتنسيق المواقف بشأن الملفات الإقليمية والدولية.
وتحمل الزيارة أهمية خاصة مع انعقاد أول اجتماع موسع لمجلس الشراكة الاستراتيجية السعودي الفرنسي، الذي تأسس خلال زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى السعودية نهاية عام 2024، بهدف وضع إطار مؤسسي أكثر فاعلية للتعاون في الملفات ذات الأولوية لدى البلدين.
السعودية وفرنسا.. تنسيق سياسي وملفات إقليمية
استقبل ماكرون ولي العهد السعودي يوم أمس الأحد في العاصمة باريس، كما حضرا حفل ختام كأس العالم للرياضات الإلكترونية 2026، فيما يتضمن برنامج الزيارة في يومها الثاني مباحثات أوسع بشأن العلاقات الثنائية والملفات السياسية والاقتصادية والدفاعية والثقافية.
ويأتي ذلك في ظل تقارب مواقف الرياض وباريس بشأن عدد من القضايا الإقليمية والدولية وفي مقدمتها: الحرب في غزة، القضية الفلسطينية، أمن الملاحة البحرية، مكافحة الإرهاب والتطرف والجريمة العابرة للحدود إلى جانب التعاون الدفاعي والأمني والسيبراني.
وبرز التنسيق بين البلدين في الملف الفلسطيني من خلال رئاستهما المشتركة للمؤتمر الدولي الخاص بالتسوية السلمية للقضية الفلسطينية وتنفيذ حل الدولتين الذي عقد في نيويورك عام 2025.
وأسفر المؤتمر عن "إعلان نيويورك" الذي أيدته الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية 142 صوتًا بوصفه إطارًا لدفع خطوات عملية نحو تنفيذ حل الدولتين وإنهاء الحرب في غزة.
مجلس الشراكة الاستراتيجية السعودي الفرنسي
يمثل اجتماع مجلس الشراكة الاستراتيجية السعودي الفرنسي أحد أبرز محطات الزيارة؛ إذ ينعقد للمرة الأولى بصيغة موسعة منذ تأسيسه خلال زيارة ماكرون إلى السعودية في نهاية 2024.
ويهدف المجلس إلى تنظيم التعاون بين البلدين في ملفات تشمل الأمن الإقليمي والاستثمار والطاقة والتحول الثقافي، إلى جانب متابعة المشاريع والمبادرات المشتركة وتوسيع مجالات الشراكة.
ومن المقرر أن يستقبل رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو ولي العهد مساء اليوم الاثنين في ساحة الشرف بقصر الأنفاليد؛ حيث تقام مراسم استقبال رسمية.
رؤية 2030 تفتح أبواب الاستثمار بين السعودية وفرنسا
اقتصاديًا تسعى الرياض وباريس إلى الاستفادة من التقاطع بين "رؤية السعودية 2030" و "خطة فرنسا 2030"؛ لتوسيع الاستثمارات والشراكات في قطاعات الصناعة والطاقة والتقنية والفضاء والسياحة والتعليم والدفاع.
وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 11.5 مليار دولار في 2025، فيما تعمل مئات الشركات الفرنسية في السوق السعودية بينها شركات اتخذت من المملكة مقرًا إقليميًا لها.
ويمتد التعاون إلى الطاقة بمختلف مساراتها، من النفط والبتروكيماويات إلى الهيدروجين منخفض الانبعاثات وتقنيات إزالة الكربون والتقاطه وتخزينه إضافة إلى الاستخدامات السلمية للطاقة النووية.
وفي المجال المالي والاستثماري وقع صندوق الاستثمارات العامة السعودي والبنك الاستثماري الوطني الفرنسي في ديسمبر 2024 مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون تتضمن دعمًا تمويليًا يصل إلى 10 مليارات دولار على مدى خمس سنوات، كما يعزز الربط الجوي المباشر بين الرياض وباريس حركة الأعمال والسياحة ويدعم نمو العلاقات الاقتصادية بين البلدين.
العُلا.. نموذج للشراكة الثقافية بين السعودية وفرنسا
تمثل العُلا أحد أبرز المشاريع التي تجسد التعاون السعودي الفرنسي في المجال الثقافي والسياحي، إذ تأسست اللجنة الوزارية المشتركة الخاصة بتطوير المحافظة عام 2018، لمواكبة تحويلها إلى وجهة عالمية للتراث والثقافة والسياحة.
وشملت الشراكة مشروعات بارزة من بينها منتجع شرعان الذي صممه المعماري الفرنسي جان نوفيل، ومشروع ترام العُلا بالتعاون مع شركة ألستوم الفرنسية، إلى جانب "فيلا الحجر" كمركز ثقافي سعودي فرنسي مشترك.
كما يتعاون البلدان في تطوير القطاع السياحي من خلال تنمية الكفاءات، جذب الاستثمارات، تبادل الخبرات في السياحة المستدامة والاستفادة من البيانات والذكاء الاصطناعي في تطوير الوجهات.
الرياضات الإلكترونية تدخل على خط الشراكة بين السعودية وفرنسا
وأضافت زيارة ولي العهد بُعدًا رياضيًا وثقافيًا جديدًا للعلاقات بين البلدين من خلال حضوره حفل ختام كأس العالم للرياضات الإلكترونية 2026 في باريس، في أول نسخة من البطولة تقام خارج السعودية.
ويعكس انتقال البطولة إلى فرنسا اتساع مجالات التعاون بين الرياض وباريس ودخول الرياضات الإلكترونية إلى قائمة الملفات التي يمكن أن تعزز التواصل بين البلدين، إلى جانب المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية.

