النهار
جريدة النهار المصرية

تقارير ومتابعات

ذبابة الجندي الأسود.. حشرة خطيرة أم كنز اقتصادي وبيئي مفقود؟

ذبابة الجندي الأسود
احمد سعيد -

في الوقت الذي تبحث فيه دول العالم عن حلول مبتكرة لأزمتي الغذاء وإدارة المخلفات، برزت "ذبابة الجندي الأسود" كواحدة من أكثر الكائنات إثارة للجدل والاهتمام، بين من يراها فرصة اقتصادية وبيئية واعدة، ومن يحذر من مخاطرها المحتملة على البيئة والتنوع البيولوجي.

وتفتح جريدة "النهار" في هذا التحقيق ملف ذبابة الجندي الأسود، للوقوف على حقيقة انتشارها وتربيتها في مصر، ورصد أبعادها البيئية والاقتصادية، ودورها في إدارة المخلفات العضوية وإنتاج الأعلاف والأسمدة، من خلال آراء خبراء وأكاديميين ومتخصصين، في محاولة للإجابة عن التساؤلات المثارة حولها استنادًا إلى الحقائق العلمية.

باحث ومربٍ للجندي الأسود: استثمارات عالمية بمليارات الدولارات.. ومستقبل واعد للبروتين الحشري في الأعلاف

وفي هذا السياق، قال الدكتور أحمد عبيد راضي، الطبيب البيطري ومؤسس شركة متخصصة في إنتاج الأسمدة العضوية من يرقات الجندي الأسود، إن اهتمامه بهذا المجال بدأ منذ 2016 مع البحث عن بدائل بروتينية مستدامة للأعلاف، مؤكداً أن البروتين الحشري ليس فكرة جديدة، بل جزء من الطبيعة واستُخدم تاريخياً في صور مختلفة مثل العسل والحرير.

وكشف في تصريحات خاصة لـ “النهار”، أن ذبابة الجندي الأسود تُعد من الحشرات النافعة وليست آفة زراعية أو ناقلة للأمراض، مشيراً إلى أنها حشرة استوائية وشبه استوائية غير غازية ولا تسبب اضطراباً في التوازن البيولوجي وفق دراسات دولية، مضيفا أن الحشرة الكاملة لا تمتلك جهازاً هضمياً وظيفياً ولا تتغذى خلال عمرها القصير الذي لا يتجاوز نحو 14 يوماً، حيث يقتصر دورها على التزاوج ووضع البيض، ما يقلل من احتمالية نقل الأمراض.

وأشار إلى أن القيمة الغذائية تتركز في طور اليرقات التي تحتوي على نحو 42% بروتين و36% دهون، ما يجعلها مصدراً مهماً في صناعة الأعلاف، موضحا أن نظم التربية تتم داخل بيئات مغلقة وتحت ظروف محددة، حيث تستطيع اليرقات استهلاك كميات كبيرة من المخلفات العضوية، قد تصل إلى 15 كيلوجراماً لكل كيلوجرام من اليرقات.

ولفت إلى أن معدل التكاثر مرتفع للغاية، إذ قد يحتوي جرام واحد من البيض على نحو 40 ألف بيضة، ما يجعلها مشروعاً ذا إنتاجية اقتصادية عالية، مشيرا إلى أن استخداماتها لا تقتصر على الأعلاف، بل تشمل إنتاج الأسمدة العضوية والزيوت والبروتينات. وكشف أن سعر طن البروتين المستخرج عالمياً يتراوح بين 1300 و1500 دولار، وأنه يمثل بديلاً واعداً لمسحوق السمك الذي يعاني من ارتفاع الأسعار وتراجع الإنتاج عالمياً.

وأكد أن السوق العالمي يشهد نمواً كبيراً، مع استثمارات أوروبية تجاوزت مليار يورو، وتوقعات بوصول حجم السوق إلى أكثر من 6 مليارات دولار بحلول 2030، لافتا إلى وجود أطر تنظيمية في عدة دول مثل الإمارات والسعودية والأردن، وأن النشاط في مصر يندرج تحت مسمى الحشرات النافعة، مع العمل على وضع مواصفات قياسية للأسمدة العضوية الناتجة عنها.

مدرس بقسم وقاية النبات: المخاطر لا تكمن في الحشرة.. بل في جودة المخلفات وسلسلة الإمداد والرقابة على الإنتاج

وفي المقابل، كشفت الدكتورة إيمان محمد عبد المقصود، مدرس بقسم وقاية النبات بكلية الزراعة – جامعة عين شمس، أن التعامل مع هذا المجال يتطلب التفرقة بين الفوائد البيولوجية المثبتة علميًا، وبين المخاطر التشغيلية الناتجة عن سوء الإدارة أو استخدام مصادر تغذية غير خاضعة للرقابة، من أن المخاطر لا تكمن في الحشرة نفسها، بل في جودة المخلفات المستخدمة في التربية وسلاسل الإمداد والرقابة، موضحة أن اليرقات تمتلك قدرة على تقليل الحمل الميكروبي بفضل خصائصها الحيوية، لكنها قد تتحول إلى وسيط لنقل الملوثات إذا تم تربيتها على مخلفات غير آمنة.

وأضافت أن استخدام نفايات ملوثة مثل الصرف الصحي أو المخلفات الكيميائية قد يؤدي إلى تراكم المعادن الثقيلة مثل الكادميوم والزئبق داخل اليرقات، أو نقل الملوثات العضوية الثابتة إلى السلسلة الغذائية، مؤكدة أن هذه المخاطر مرتبطة بسوء الإدارة وليس بالحشرة ذاتها.

واختتمت الدكتورة إيمان محمد عبد المقصود، بالتأكيد على أن اليرقة في حد ذاتها ليست آفة ولا ناقلة للأمراض، بل تمثل أداة بيولوجية فعالة، بينما ترتبط المخاطر بسلسلة الإمداد وسوء الإدارة، مشددة على ضرورة إخضاع مزارع ذبابة الجندي الأسود لبروتوكولات رقابية صارمة مشابهة لمصانع الأعلاف، لضمان سلامة المواد الخام وخلو المنتج النهائي من الملوثات، مؤكدة أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الحشرة نفسها، وإنما في التشريعات وآليات الرقابة المنظمة لعملية الإنتاج.

ومن جانبها، قالت الدكتورة إلهام محمد سلامة، أستاذ علم الحشرات بجامعة بنها، إن ذبابة الجندي الأسود ليست حشرة دخيلة على البيئة المصرية، بل موجودة بالفعل وتخضع لعدة دراسات علمية، مؤكدة أنها من الحشرات النافعة التي تلعب دوراً مهماً في تحليل المخلفات العضوية وتحويلها إلى مواد أسهل في التحلل، ما يساعد في تقليل التلوث البيئي.

ونفت وجود أي علاقة بينها وبين نقل الأمراض أو احتوائها على عناصر خطرة، مشيرة إلى أن الخلط بينها وبين الآفات الزراعية غير صحيح علمياً، قائلة: العديد من الدول تستفيد اقتصادياً من يرقاتها في صناعة الأعلاف بعد تجفيفها وطحنها، إلى جانب استخدامها في إنتاج الأسمدة العضوية.