النهار
جريدة النهار المصرية

تقارير ومتابعات

وفاة معلمة أسوان تفجر أزمة الانتدابات.. نائب بالبرلمان يطالب بتقليصها..وخبراء ومعلمون ينادون بعدالة التوزيع ومراعاة الظروف الإنسانية

 اعتذارات المعلمين عن المشاركة بالثانوية
أحمد رشدي -

أثارت وفاة معلمة أسوان التي قطعت أكثر من 1000 كليو متر من أقصى الجنوب إلى محافظة البحيرة، للمشاركة في أعمال امتحانات الدبلومات الفنية، حالة واسعة من الحزن والغضب بين المعلمين، الذين اعتبروا الواقعة جرس إنذار يستوجب إعادة النظر في سياسات الانتداب المعمول بها خلال مواسم الامتحانات.

الدكتورة بثينة عبدالرؤوف: لا توجد معايير واضحة للانتدابات.. والمعلم هو الحلقة الأضعف في منظومة الامتحانات

الدكتورة بثينة عبدالرؤوف الخبيرة التربوية

وفي هذا السياق، أعربت الدكتورة بثينة عبدالرؤوف، الخبيرة التربوية، عن بالغ حزنها لوفاة معلمة أسوان أثناء توجهها لأداء أعمال المراقبة بامتحانات الدبلومات الفنية بمحافظة البحيرة، مؤكدة أن مثل هذه الوقائع ليست جديدة، لكنها تسلط الضوء على أزمة مزمنة يعاني منها المعلمون خلال مواسم الامتحانات.

وقالت عبدالرؤوف، في تصريحات خاصة لـ«النهار»، إن مشكلات الانتداب تتكرر سنويًا، إلا أن وفاة المعلمة القادمة من أقصى جنوب مصر إلى إحدى محافظات الوجه البحري أعادت فتح الملف بقوة، مشيرة إلى أن «الانتدابات تتم في كثير من الأحيان دون ضوابط أو معايير واضحة تراعي البعد الجغرافي أو الظروف الإنسانية والصحية للمعلمين».

وأضافت أن المعلمين يواجهون أعباء كبيرة خلال أعمال الامتحانات، تبدأ من السفر لمسافات طويلة والإقامة في أماكن قد لا تكون مؤهلة لاستقبالهم، ولا تنتهي عند الضغوط التي يتعرضون لها داخل اللجان، لافتة إلى أن بعض المعلمين سبق أن واجهوا صعوبات في توفير أماكن إقامة مناسبة أثناء أداء مهامهم.

وأوضحت أن الحفاظ على نزاهة الامتحانات لا يعني بالضرورة إرسال معلمين من محافظات بعيدة للغاية، مؤكدة أن هناك بدائل أكثر عملية، من بينها تطبيق نظام «التبادل الجغرافي» بين المحافظات المتجاورة، بما يحقق الحياد المطلوب ويخفف في الوقت نفسه من أعباء السفر والإرهاق.

وأضافت: «يمكن تقسيم المحافظات إلى نطاقات جغرافية متقاربة، بحيث يتم تبادل المراقبين بين المحافظات المجاورة، وهو ما يضمن عدم وجود علاقات مباشرة بين المراقبين والطلاب، وفي الوقت نفسه يقلل من مخاطر الانتقال لمسافات طويلة».

وأكدت الخبيرة التربوية أن المعلمين غالبًا ما يضطرون إلى قبول الانتدابات حتى في الحالات التي تمثل مشقة كبيرة لهم، بسبب القيود المرتبطة بالاعتذار عن أعمال الامتحانات وما قد يترتب عليها من إجراءات إدارية، مشيرة إلى أن المقابل المادي لأعمال الامتحانات لا يتناسب مع حجم الجهد المبذول أو النفقات التي يتحملها المعلمون.

وشددت على ضرورة وضع خطة استراتيجية واضحة للانتدابات تعتمد على القرب الجغرافي وتراعي سلامة المعلمين، مع توفير وسائل انتقال مناسبة خاصة للمعلمات، مؤكدة أن احترام المعلم والحفاظ على كرامته وسلامته يجب أن يكونا في صدارة أولويات أي تطوير حقيقي للمنظومة التعليمية.

واختتمت عبدالرؤوف تصريحاتها قائلة: «المعلم يؤدي مهمة وطنية بالغة الأهمية في تأمين الامتحانات، ومن حقه أن يشعر بالأمان والتقدير، وأن تتم مراعاة ظروفه الإنسانية أثناء تكليفه بهذه المهام».

خبير تربوي: الانتدابات البعيدة تستنزف المعلمين نفسيًا وبدنيًا.. ومراجعة المنظومة أصبحت ضرورة عاجلة

الدكتور عاصم حجازي الخبير التربوي وأستاذ علم النفس التربوي بجامعة القاهرة

ومن جانبه، أكد الدكتور عاصم حجازي، الخبير التربوي وأستاذ علم النفس التربوي بجامعة القاهرة، أن تكليف المعلمين بأعمال المراقبة خارج محافظاتهم ولمسافات طويلة يترك آثارًا نفسية وبدنية كبيرة، مشيرًا إلى أن الاغتراب المؤقت والانفصال عن الأسرة، إلى جانب ساعات السفر الطويلة وقلة النوم، تؤدي إلى حالة من الإجهاد المتراكم الذي يضعف قدرة المعلم على التحمل خلال فترة الامتحانات التي تتطلب أعلى درجات التركيز والانتباه.

وقال "حجازي"، في تصريحات خاصة لـ«النهار»، إن إرهاق السفر يؤثر بشكل مباشر على كفاءة المراقب داخل اللجان، حيث يؤدي إلى تراجع مستوى التركيز، وبطء الاستجابة للمواقف الطارئة، وزيادة احتمالات الوقوع في أخطاء إدارية أو في رصد الدرجات فضلًا عن التأثير على القدرة على ضبط اللجان ومتابعة سير الامتحانات بالكفاءة المطلوبة.

وأضاف أن الانتدابات البعيدة تشتت انتباه المراقبين بسبب انشغالهم المستمر بظروف السفر والإقامة ومشكلات التنقل، وهو ما قد ينعكس على مستوى الانضباط داخل اللجان، مشيرًا إلى أن الإرهاق البدني والنفسي قد يؤدي إلى تأخير حضورهم أو تسرب الإرهاق فيتعاملون بفتور مع الإجراءات الامتحانية الدقيقة.

وحذر الخبير التربوي من تكليف كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة بأعمال تتطلب السفر لمسافات طويلة، مؤكدًا أن ذلك قد يعرضهم لمضاعفات صحية خطيرة مثل الإجهاد القلبي أو المشكلات الصحية المفاجئة، كما أن قدرتهم على تحمل السفر والوقوف ساعات طويلة أضعف مما يعرض حياتهم للخطر كما حدث في واقعة وفاة المعلمة.

وشدد "حجازي" على أن رفض طلبات الاعتذار المبررة طبيًا أو إنسانيًا لا يتوافق مع معايير السلامة المهنية، موضحًا أن الحفاظ على صحة العاملين، ومشيرًا إلى ذلك يحول المعلمين إلى مجرد أدوات ترغم على السفر رغم ظروفهم الصحية أو الأسرية مما يزيد المخاطر المهنية ويؤدي إلى كوارث يمكن تجنبها.

وأوضح أن منظومة اختيار المنتدبين يجب أن تستند إلى معايير واضحة تشمل اللياقة الصحية باستثناء أصحاب الأمراض المزمنة وكبار السن، والقرب الجغرافي كلما أمكن، والعدالة في التوزيع بالتناوب بين المعلمين بحيث لا يتحمل البعض أعباء الندب سنويًا دون غيرهم إلى جانب الكفاءة المهنية وتشمل الخبرة والتدريب مع ضرورة إتاحة المعلومات الكاملة للمعلم عن طبيعة الانتداب وظروفه قبل التكليف.

وأشار الخبير التربوي إلى أن تطبيق نظام «أقرب لجنة جغرافيًا» يعد من أكثر الحلول فاعلية في تقليل المخاطر وتحسين كفاءة الأداء، لما يوفره من تقليل لأوقات السفر والإرهاق والتكاليف المادية والمعنوية كما يسهل التعامل مع الظروف الطارئة مع بقاء إمكانية الاستثناء عند الحاجة القصوى لبعض اللجان المتخصصة.

وأكد أن قواعد البيانات الإلكترونية يمكن أن تلعب دورًا محوريًا في تطوير منظومة الانتدابات، من خلال تسجيل بيانات المعلمين المتعلقة بمحل الإقامة والحالة الصحية والعمر ورغباته، ، بما يسمح بتوزيع المنتدبين آليا لأقرب لجان ممكنة مع استبعاد أصحاب الأعذار القوية وتوليد تقارير عادلة تضمن الشفافية وتقلل المحسوبية.

ويرى "حجازي" أن الانتدابات البعيدة تحقق هدفًا رقابيًا محدودًا يتمثل في تقليل فرص التواطؤ المحلي، إلا أن تكلفتها البشرية والمادية مرتفعة، مشيرًا إلى وجود بدائل أكثر كفاءة وأمانًا وتحقق النزاهة نفسها أو أفضل، من بينها تدوير المراقبين داخل المحافظات، وتفعيل فرق المتابعة المركزية المتنقلة، والاستفادة من التقنيات الحديثة في الرقابة على اللجان.

وأكد أستاذ علم النفس التربوي أن واقعة وفاة معلمة أسوان، إلى جانب حوادث إصابة مراقبين أثناء توجههم إلى اللجان، تفرض ضرورة مراجعة سياسات الندب الحالية، مطالبًا بإلغاء الندب لمسافات تتجاوز ساعتي سفر إلا في أضيق الحدود إلى جانب احترام الأعذار الصحية والإنسانية، فضلًا على توفير تأمين صحي ونفسي للمنتدبين، مؤكدًا على ضرورة مراجعة فورية لسياسة الندب قبل كل امتحان وليس بعد الكوارث.

واختتم الدكتور عاصم حجازي تصريحاته بالتأكيد على أن منظومة الندب والانتداب في الامتحانات تحتاج إلى مراجعة شاملة وعاجلة توازن بين متطلبات نزاهة الامتحانات والحفاظ على سلامة المعلمين، من خلال تحديث اللوائح المنظمة للانتدابات، والاستفادة من التكنولوجيا، ووضع حدود واضحة لمسافات السف بالإضافة إلى تشكيل لجنة مستقلة لتقييم المخاطرسنويًا، فالتوازن ممكن ويجب تحقيقه قبل فوات الأوان، بما يضمن حماية المعلمين وتحقيق الكفاءة المطلوبة في إدارة الامتحانات.

وكيل «تعليم النواب»: تقليل السفر بين المحافظات ضرورة لحماية المعلمين

النائب لطفي شحاتة، وكيل لجنة التعليم والبحث العلمي بمجلس النواب

وفي نفس السياق، أكد النائب لطفي شحاتة، وكيل لجنة التعليم والبحث العلمي بمجلس النواب، أنه تقدم باقتراح برغبة إلى مجلس النواب لإعادة النظر في قواعد انتداب ومأموريات أعمال امتحانات الدبلومات الفنية والثانوية العامة، بما يضمن تقليل مسافات السفر بين المحافظات والحفاظ على سلامة المعلمين والعاملين بالمنظومة التعليمية.

وقال «شحاتة»، في تصريحات خاصة لـ«النهار»، إن الاقتراح جاء على خلفية الحادث الأليم الذي أودى بحياة المعلمة صفاء علي محمد علي، كبير أخصائيين بمدرسة التجارة المتقدمة بمحافظة أسوان، أثناء توجهها لأداء مهامها في أعمال امتحانات الدبلومات الفنية بمحافظة البحيرة، بعد رحلة طويلة تجاوزت ألف كيلومتر من أقصى جنوب الجمهورية إلى شمالها.

وأضاف أن هذه الواقعة المؤلمة كشفت حجم الأعباء والمخاطر التي يتحملها المعلمون خلال مواسم الامتحانات نتيجة الانتدابات البعيدة والتنقل لمسافات طويلة في فترات زمنية محدودة، وهو ما قد يعرض حياتهم للخطر ويؤثر على أدائهم واستقرارهم النفسي والأسري.

وأوضح وكيل لجنة التعليم بمجلس النواب أن الاقتراح تضمن عددًا من المطالب المهمة، في مقدمتها إعادة تنظيم قواعد توزيع المنتدبين لأعمال الامتحانات بحيث تكون الأولوية للانتداب داخل المحافظة أو في النطاقات الجغرافية الأقرب، مع الحد من الانتدابات التي تتطلب السفر لمسافات طويلة إلا في حالات الضرورة القصوى.

كما طالب بتوفير وسائل انتقال آمنة ومناسبة للمنتدبين عند الحاجة إلى الانتقال بين المحافظات، ودراسة إنشاء صندوق أو نظام تأميني خاص بالعاملين المشاركين في أعمال الامتحانات لمواجهة المخاطر والحوادث الطارئة.

وأشار «شحاتة» إلى أهمية منح المعلمين والعاملين الحق في الاعتذار عن المأموريات البعيدة لأسباب صحية أو اجتماعية دون تعرضهم لأي جزاءات إدارية، فضلًا عن إعداد خطة متكاملة لتقليل أعباء السفر والتنقل خلال مواسم الامتحانات المختلفة.

وشدد على أن الحفاظ على أرواح المعلمين والعاملين بالتعليم واجب وطني لا يقل أهمية عن انتظام العملية الامتحانية، مؤكدًا أن المعلمين يؤدون رسالة وطنية تستحق توفير أقصى درجات الحماية والرعاية لهم أثناء أداء مهامهم.

واختتم النائب لطفي شحاتة تصريحاته بالتأكيد على ضرورة فتح هذا الملف ومراجعته بصورة عاجلة، بما يحقق التوازن بين ضمان نزاهة الامتحانات والحفاظ على سلامة المعلمين والعاملين القائمين عليها.

معلمون: «نقطع مئات الكيلومترات ولا نملك حق الاعتذار... نريد لجانًا أقرب وعدالة أكبر في توزيع الانتدابات»

رصدت «النهار» آراء عدد من المعلمين عبر صفحاتهم على موقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك»، حيث طالب كثيرون بمراجعة منظومة الندب والانتداب، خاصة في ظل تكرار الحوادث المرتبطة بالسفر لمسافات طويلة وما تسببه من أعباء نفسية وبدنية.

وأكدت بعض الآراء ضرورة وقف انتداب المعلمين والمعلمات خارج محافظاتهم، لا سيما كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة، مع التوسع في تطبيق نظام التبادل بين الإدارات التعليمية المختلفة داخل المحافظة الواحدة، بما يحقق العدالة ويحد من مشقة التنقل.

ورأى معلمون أن الانتدابات البعيدة تمثل عبئًا كبيرًا على العاملين بالتعليم، خاصة مع عدم مراعاة السن أو الحالة الصحية في بعض الحالات، إلى جانب صعوبة قبول الاعتذارات. كما أشاروا إلى أن تكلفة الانتقال والإقامة تتجاوز أحيانًا المقابل المادي المخصص لأعمال الامتحانات.

وأعرب عدد من المعلمين عن استيائهم من تكليف معلمة بالسفر من أقصى جنوب الجمهورية إلى أقصى شمالها لأداء مهمة مراقبة، معتبرين أن مثل هذه القرارات تستوجب مراجعة عاجلة في ظل ما يواجهه المعلمون من أعباء ومخاطر متكررة خلال مواسم الامتحانات.

وفي السياق ذاته، طرح معلمون مقترحات بديلة لتقليل المخاطر، من بينها قصر الانتدابات على الإدارات التعليمية المختلفة داخل المحافظة الواحدة أو بين المحافظات المتجاورة، مؤكدين أن هذا النظام يحقق الحياد المطلوب ويحد من حوادث السفر والإرهاق، فضلًا عن تقليل النفقات المرتبطة بالاستراحات وبدلات الانتقال.

كما اشتكى معلمون من إجبارهم على المشاركة في أعمال الامتحانات رغم عدم رغبتهم في ذلك، مؤكدين أن الاعتذار عن هذه المهام قد يترتب عليه تحقيقات أو جزاءات إدارية، وهو ما يدفع كثيرين إلى قبول التكليف رغم ما يسببه من مشقة وإرهاق.

وطالب عدد من المعلمين بمزيد من العدالة والشفافية في توزيع أعمال الامتحانات، مشيرين إلى أن بعض الأسماء تتكرر عليها المأموريات عامًا بعد آخر، بينما لا يتم تكليف آخرين لفترات طويلة.

وأكد معلمون أن قرارات التكليف تصدر في كثير من الأحيان دون مراعاة كافية للظروف الشخصية أو الصحية، معتبرين أن فتح باب الاعتذارات بصورة أوسع سيكشف حجم الضغوط التي يواجهها المشاركون في أعمال الامتحانات، وحجم العزوف عن هذه المهام حال إتاحة حرية الاختيار.

وتجمع معظم آراء المعلمين على عدة مطالب رئيسية، أبرزها تقليل مسافات الانتداب، ومراعاة الحالات الصحية وكبار السن، وإتاحة الاعتذار في الحالات المبررة، وتطوير آليات توزيع المنتدبين بما يحقق العدالة ويحافظ على سلامة المعلمين، دون الإخلال بنزاهة الامتحانات أو انتظام سيرها.