النهار
جريدة النهار المصرية

تقارير ومتابعات

الولادة القيصرية في مصر.. حين تتحول الضرورة إلى خطر صامت يهدد الأمهات والأجنة

غدير خالد -

لم تعد الولادة القيصرية في مصر مجرد تدخل طبي يُلجأ إليه عند الضرورة، بل تحولت خلال العقدين الأخيرين إلى النمط السائد للولادة، حيث تكشف بيانات وزارة الصحة والسكان أن نسب العمليات القيصرية تتراوح حاليًا بين 72% و80% من إجمالي الولادات، وهي نسبة تضع مصر في صدارة دول العالم بلا منازع، ويأتي ذلك بالتزامن مع شهر أبريل، الذي يُخصص عالميًا للتوعية بالولادة القيصرية ومخاطرها المحتملة، في محاولة لرفع الوعي لدى السيدات بأهمية اللجوء إليها فقط عند الضرورة الطبية، وتجنب مخاطرها على الأم والجنين.

واللافت أن هذه القفزة لم تكن تدريجية فقط، بل سريعة بشكل لافت؛ إذ لم تتجاوز النسبة 10% مطلع الألفية، قبل أن ترتفع إلى أكثر من 50% حلول عام 2014، ثم تواصل الصعود إلى مستويات قياسية في السنوات الأخيرة، حيث تشير التقديرات الحديثة لعام 2026 إلى أن معدلات الولادة القيصرية في مصر استقرت عند مستويات تتراوح بين 75% و80% من إجمالي الولادات، ما يعكس تحوّلًا جذريًا في الثقافة الصحية وسلوكيات الولادة داخل المجتمع، ويعزز من الحاجة إلى تكثيف جهود التوعية للحد من اللجوء غير الضروري لهذا الإجراء الجراحي.

فجوة واسعة بين مصر والمعايير العالمية

توصي منظمة الصحة العالمية بألا تتجاوز نسبة الولادات القيصرية 10% إلى 15% من إجمالي الولادات، باعتبارها الحد الذي يوازن بين الحاجة الطبية وتجنب المضاعفات غير الضرورية، إلا أن الواقع في مصر يكشف فجوة ضخمة بين هذه التوصيات والتطبيق الفعلي، حيث تتجاوز النسبة المحلية المعدلات العالمية بما يقارب خمسة أضعاف، وفي المقابل، تتراوح نسب القيصرية في العديد من الدول الأوروبية بين 20% و30%، بينما تسجل الولايات المتحدة نحو 30% إلى 32%، وهي نسب، رغم ارتفاعها، تظل بعيدة عن المعدلات المسجلة في مصر، ما يثير تساؤلات حول طبيعة هذا الاختلال وأسبابه.

دوافع معقدة.. بين الطب والمجتمع والاقتصاد

لا يمكن تفسير الارتفاع الحاد في معدلات الولادة القيصرية في مصر بعامل واحد، بل هو نتاج تداخل عدة عوامل، فمن الناحية الطبية، يشير بعض المتخصصين إلى تراجع مهارات التعامل مع الولادة الطبيعية لدى بعض الأطباء، إلى جانب الاعتماد المتزايد على القيصرية في الحالات السابقة، ما يؤدي إلى تكرارها في الحمل التالي.

أما على المستوى الاجتماعي، فقد لعب الخوف من ألم الولادة الطبيعية دورًا محوريًا، خاصة مع انتشار تجارب سلبية متداولة بين النساء، إلى جانب تأثير الدراما والإعلام في ترسيخ صورة الولادة الطبيعية باعتبارها تجربة قاسية.

والجانب الاقتصادي يعتبر أن العمليات القيصرية لها عائدًا ماليًا أكبر وأسرع للمؤسسات الطبية، خصوصًا في القطاع الخاص، ما يشجع على التوسع فيها، كما أن عامل الوقت وسهولة جدولة العملية مقارنة بالولادة الطبيعية يجعلها خيارًا مفضلًا لدى بعض الأطباء.

أطباء يحذرون: ارتفاع نسبة الولادة القيصرية تهدد الأمهات والأجنة

يرى عدد من الأطباء المصريين أن الوضع الحالي يستدعي وقفة حاسمة، ويؤكد الدكتور حسام عبد الغفار، المتحدث باسم وزارة الصحة، أن ارتفاع نسب القيصرية لا يرتبط فقط بأسباب طبية حقيقية، بل يتداخل معه عوامل غير مبررة طبيًا.

حيث قال الدكتور السيد ذهب، استشاري أمراض النساء والتوليد، إن تزايد اللجوء إلى الولادة القيصرية دون ضرورة طبية يمثل مصدر قلق حقيقي داخل الأوساط الطبية، موضحًا أن “العملية القيصرية ليست خيارًا سهلاً كما تعتقد بعض السيدات، بل هي تدخل جراحي كبير يحمل مخاطر صحية متعددة”.

وأضاف "ذهب" أن من أبرز هذه المخاطر احتمالية الإصابة بالعدوى، سواء في موضع الجرح أو داخل بطانة الرحم أو الجهاز البولي، إلى جانب زيادة فرص حدوث نزيف يفوق ما يحدث في الولادة الطبيعية، فضلًا عن احتمالات حدوث مضاعفات مرتبطة بالتخدير.

وأشار إلى أن “من أخطر ما قد تواجهه الأم بعد القيصرية هو تكوّن جلطات دموية في الأوردة العميقة، والتي قد تنتقل إلى الرئتين وتهدد الحياة”، لافتًا أيضًا إلى احتمالية حدوث إصابات نادرة في الأعضاء المجاورة مثل المثانة أو الأمعاء أثناء الجراحة.

وأكد أن فترة التعافي بعد القيصرية تكون أطول وأكثر صعوبة، وقد تعاني بعض السيدات من آلام مزمنة في الحوض أو أسفل البطن لفترات ممتدة، كما أن إجراء قيصرية واحدة يرفع من احتمالات تكرارها مستقبلًا، وهو ما يزيد من تعقيدات أي حمل قادم.

من جانبها، أوضحت الدكتورة سناء عوض، استشارى النساء وتوليد، أن تأثيرات الولادة القيصرية لا تتوقف عند فترة ما بعد الولادة، بل تمتد إلى الأحمال المستقبلية، قائلة إن “تكرار العمليات القيصرية يزيد من مخاطر حدوث مشكلات في المشيمة، مثل المشيمة المنزاحة أو الملتصقة، وهي حالات قد تشكل خطرًا على حياة الأم والجنين معًا”.

وأضافت "عوض" أن هناك أيضًا خطرًا نادرًا لكنه خطير يتمثل في تمزق الرحم عند محاولة الولادة الطبيعية بعد القيصرية.

وأكدت في الوقت ذاته أن “الولادة الطبيعية تظل ممكنة بعد القيصرية في كثير من الحالات”، مشيرة إلى أن فرص نجاحها ترتفع إذا كان سبب القيصرية الأولى غير دائم، مثل وضعية الجنين، وإذا كان الجرح السابق في الرحم من النوع الأفقي المنخفض، مع توافر ظروف صحية مناسبة للأم.

وفيما يتعلق بصحة المولود، أشارت إلى أن “الأطفال المولودين بعملية قيصرية قد يواجهون بعض التحديات في الأيام الأولى، من بينها صعوبات في التنفس تُعرف بتسرع التنفس العابر، وهي حالة مؤقتة لكنها تتطلب متابعة طبية”، لافتة إلى احتمالية حدوث خدوش بسيطة أثناء الجراحة في حالات نادرة.

كما أوضحت أن بعض هؤلاء الأطفال قد يواجهون صعوبة أكبر في بدء الرضاعة الطبيعية مقارنة بالمولودين طبيعيًا.

واختتمت تصريحاتها بالتأكيد على أهمية التوعية، قائلة إن “تخصيص شهر أبريل للتوعية بمخاطر الولادة القيصرية خطوة مهمة، لكن الأهم هو حصول كل سيدة على معلومات طبية دقيقة تساعدها في اتخاذ القرار الصحيح، بعيدًا عن الخوف من ألم الولادة أو الرغبة في تحديد موعدها فقط”.

ضحايا الولادة القيصرية

تُظهر تقارير طبية متعددة أن الولادة القيصرية، رغم كونها إجراءً منقذًا للحياة في كثير من الحالات، قد ترتبط بعدد من المضاعفات التي تتفاوت في شدتها من حالة لأخرى، وتشمل الأمهات والأطفال على حد سواء.

ففي إحدى الحالات، خضعت عزة قناوي، سيدة في الثلاثينات لعملية ولادة قيصرية اختيارية، وبعد أيام قليلة بدأت تعاني من ارتفاع شديد في درجة الحرارة وألم واحمرار في موضع الجرح، ليتبين بعد الفحوصات إصابتها بـالتهاب في جرح العملية القيصرية، استدعى دخولها المستشفى مجددًا لتلقي علاج مكثف بالمضادات الحيوية وتنظيف الجرح جراحيًا.

وفي حالة أخرى، وهي رحمة عثمان، تعرضت مريضة لـنزيف حاد بعد الولادة القيصرية نتيجة عدم انقباض الرحم بشكل كافٍ بعد الجراحة، ما استلزم نقل دم عاجل وتدخلًا طبيًا سريعًا، مع وضعها تحت الملاحظة داخل العناية المركزة لفترة مؤقتة.

كما سجلت حالة ثالثة لسيدة بدأت بعد أيام من العملية تعاني من ألم وتورم في الساق، ليتضح بعد الفحوصات إصابتها بـجلطة في الأوردة العميقة بالساق، وهي من المضاعفات الخطيرة التي قد تحدث بعد العمليات الجراحية وتتطلب علاجًا فوريًا بمضادات التجلط.

وفي حالات نادرة، قد تحدث إصابات أثناء الجراحة، حيث سُجلت حالة تعرضت فيها مريضة لـإصابة غير مقصودة في المثانة أثناء الولادة القيصرية نتيجة صعوبة الإجراء أو وجود التصاقات، وتم التعامل مع الحالة جراحيًا واستكمال العلاج داخل المستشفى.

أما بالنسبة للأطفال، فقد وُلد طفل بعملية قيصرية دون بدء المخاض الطبيعي، ليعاني بعد الولادة مباشرة من تسرع في التنفس وصعوبة في التخلص من السوائل داخل الرئة، وهي حالة تُعرف طبيًا بـ“تسرع التنفس العابر لحديثي الولادة”، استدعت دخوله حضانة الأطفال تحت الملاحظة حتى استقرت حالته خلال أيام قليلة.

تحركات رسمية لمحاصرة الظاهرة

في مواجهة هذه الأرقام، بدأت الحكومة المصرية اتخاذ خطوات للحد من انتشار العمليات القيصرية غير الضرورية، وتشمل هذه الجهود إطلاق حملات توعية تستهدف تصحيح المفاهيم المغلوطة حول الولادة الطبيعية، إلى جانب تحسين تدريب الأطباء على إدارتها بشكل آمن.

كما تعمل وزارة الصحة على تطبيق نظم رقابية لرصد نسب القيصرية داخل المستشفيات، مع وضع مستهدفات لخفضها تدريجيًا، في محاولة لإعادة التوازن إلى منظومة الولادة في مصر.

وتكشف أزمة الولادة القيصرية في مصر عن معركة أعمق من مجرد إجراء طبي، فهي معركة وعي مجتمعي وثقافة صحية في المقام الأول، فبينما تظل القيصرية ضرورة لا غنى عنها في حالات محددة، فإن تحولها إلى الخيار الأول يفرض تحديات حقيقية على صحة الأمهات والأطفال.

ويبقى الرهان الأساسي على نشر الوعي، وتأهيل الكوادر الطبية، وإعادة الثقة في الولادة الطبيعية، باعتبارها الخيار الأكثر أمانًا في الحالات غير المعقدة، بما يضمن مستقبلًا صحيًا أفضل للأجيال القادمة.