بكتيريا لا تُهزم.. الاستخدام الخاطئ للمضادات الحيوية في المزارع ينذر بخطر صحي عالمي

تتصاعد التحذيرات العلمية والطبية من الاستخدام غير الرشيد للمضادات الحيوية البشرية والبيطرية، وسط مخاوف متزايدة من دخول العالم مرحلة تصبح فيها بعض العدوى البكتيرية غير قابلة للعلاج بالأدوية المتاحة حاليًا، وبينما تتسع دائرة الاعتماد على المضادات الحيوية في تربية الدواجن والماشية والأسماك، تبرز أزمة "المتبقيات الدوائية" وسوء الاستخدام كأحد أبرز المحركات الخفية لظهور سلالات بكتيرية مقاومة تهدد فعالية العلاج وتنعكس آثارها مباشرة على صحة الإنسان وسلامة الغذاء.
وفي هذا السياق، حذّرت منظمة الصحة العالمية في تقرير لها من أن الإفراط في استخدام المضادات الحيوية في الحيوانات المنتجة للغذاء يساهم في ظهور بكتيريا مقاومة للأدوية يمكن أن تنتقل إلى الإنسان عبر الغذاء أو البيئة، ما يزيد من صعوبة علاج العدوى ويرفع معدلات الاستشفاء والوفيات نتيجة تراجع فعالية المضادات الحيوية. وأوصت المنظمة بمنع استخدام المضادات الحيوية المهمة طبيًا لتحفيز النمو أو الوقاية الروتينية في الحيوانات السليمة، مع تحسين ممارسات التربية والنظافة، والاعتماد على التشخيص المخبري واختبارات الحساسية لضمان الاستخدام الرشيد.
وتتقاطع آراء عدد من الخبراء في الطب البيطري والطب البشري وسلامة الغذاء حول أن المشكلة لم تعد مجرد خطأ فردي في الاستخدام، بل أصبحت قضية منظومة متكاملة تمس الرقابة والإشراف والوعي والإنتاج، ما يجعلها واحدة من أبرز تحديات الصحة العامة والأمن الغذائي في الوقت الراهن، وتفتح "النهار" هذا الملف لتسليط الضوء على تلك المشكلة التي تواجه العالم.
العميد السابق لكلية الطب البيطري بجامعة دمنهور: الاستخدام غير الرشيد للمضادات الحيوية بالمزارع "العدو الخفي"
أكد الدكتور نبيل بكير العميد السابق لكلية الطب البيطري بجامعة دمنهور وأستاذ الأمراض المعدية، أن الإفراط في استخدام المضادات الحيوية داخل مزارع الحيوانات والدواجن والأسماك يُعد من أبرز أسباب ظهور مقاومة البكتيريا على مستوى عالمي، موضحًا أن الاستخدام غير الرشيد لها يخلق ما وصفه بـ"العدو الخفي" الذي يتمثل في متبقيات المضادات الحيوية داخل اللحوم واللبن والبيض.
وأضاف بكير في تصريحاته لـ" النهار"، أن عدم الالتزام بالجرعات العلاجية الكاملة أو تغيير نوع المضاد الحيوي بشكل عشوائي يؤدي إلى تكوين مناعة لدى الميكروبات ضد العلاج، وهو ما ينعكس لاحقًا على فشل الاستجابة للعلاج لدى الإنسان والحيوان، لافتًا إلى أن بقايا المضادات قد تنتقل عبر الغذاء وتصل إلى المستهلك في صورة جرعات غير علاجية تسهم في تعزيز مقاومة البكتيريا.
وأوضح أن الالتزام بالجرعات المحددة، والتي تتراوح عادة بين 3 إلى 5 أيام وفقًا للحالة، إلى جانب الالتزام بفترة السحب قبل الذبح أو الإنتاج، يمثلان عنصرًا أساسيًا للحد من المشكلة، مؤكدًا أن غياب الإشراف البيطري في بعض المزارع يؤدي إلى تجاوز هذه القواعد وظهور مشكلات صحية خطيرة.
وفي ذات السياق، أكدت المنظمة العالمية لصحة الحيوان أن الاستخدام غير الضروري أو غير العلاجي للمضادات الحيوية في المزارع، خاصة لأغراض تعزيز النمو، يسرّع تطور السلالات البكتيرية المقاومة، مع إمكانية انتقالها من الحيوانات إلى البيئة عبر المخلفات الملوثة وصولًا إلى الإنسان. وشددت على أن مواجهة هذا الخطر تتطلب نهج “الصحة الواحدة” الذي يربط بين صحة الإنسان والحيوان والبيئة، إلى جانب الالتزام بالإرشادات البيطرية والاستخدام المسؤول للأدوية.
وشدد الدكتور نبيل بكير، على أن الطب البيطري يمثل خط الدفاع الأول في حماية صحة الإنسان من خلال دوره في ضبط استخدام المضادات الحيوية، والكشف عن الأمراض، وتوعية المربين بخطورة الاستخدام العشوائي، موضحًا أن دور الطبيب البيطري لا يقتصر على العلاج فقط، بل يمتد إلى التوعية والإرشاد داخل منظومة الإنتاج الحيواني.
وأكد أن مفهوم "الصحة الواحدة" أصبح إطارًا ضروريًا للتكامل بين الطب البشري والبيطري والبيئي، إلا أن تطبيقه على أرض الواقع ما زال يحتاج إلى تفعيل أكبر، من خلال التنسيق بين الجهات الرقابية والتنفيذية وتوحيد الجهود لضمان سلامة الغذاء.
وأظهر تقرير مشترك لـ منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة عام 2022 حول بقايا الأدوية البيطرية في الغذاء، ضرورة تشديد معايير سلامة الغذاء عبر مراجعة الحدود القصوى لبقايا بعض الأدوية، مع إدخال “الميكروبيوم المعوي” ضمن معايير تقييم السلامة، والتحذير من تأثير البقايا الدوائية على التوازن البكتيري حتى دون ظهور سمّية مباشرة. كما دعا التقرير إلى استكمال الدراسات حول أدوية مستخدمة في الإنتاج الحيواني والسمكي لضمان حماية المستهلك.
خبير بـ جودة وسلامة الغذاء: يجب تعزيز الرقابة وتكثيف التوعية لترسيخ مفهوم "الصحة الواحدة"
من جانبه، صرح الدكتور محمد عبدالسلام استشاري جودة وسلامة الغذاء، إن استخدام المضادات الحيوية في مزارع الدواجن والماشية والأسماك يُعد واسع النطاق، نظرًا لكونها من الأدوات الأساسية في علاج الأمراض البكتيرية، إلا أن المشكلة لا تكمن في استخدامها بل في طريقة استخدامها، موضحا أنه لا توجد أرقام دقيقة لقياس حجم الاستخدام المفرط، إلا أن هناك انتشارًا واضحًا للاستخدام غير المنضبط في بعض المزارع نتيجة ضعف الإشراف البيطري، وهو ما يؤدي إلى ظهور ما يُعرف بمتبقيات الأدوية البيطرية في المنتجات الغذائية.
وأشار في تصريحات لـ "النهار"، إلى أن هذه المتبقيات تنتج عن عدم الالتزام بالجرعات المحددة أو بفترات السحب، وهي الفترة الزمنية بين آخر جرعة دوائية ووقت الذبح أو الإنتاج، مؤكدًا أن هذه الفترة تختلف حسب نوع الدواء والحيوان، وهدفها ضمان التخلص من بقايا المضاد الحيوي قبل وصول المنتج إلى المستهلك.
وأكد عبد السلام، أن الالتزام بفترات السحب يمكن تحقيقه في حال وجود إشراف بيطري فعّال داخل المزارع أو المجازر الخاصة، موضحًا أن غياب هذا الإشراف أو وجود ذبح خارج المنظومة الرسمية يؤدي إلى تجاوز هذه القواعد وظهور مخاطر صحية.

ولفت إلى أن التشريعات موجودة بالفعل، إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في ضعف التطبيق وغياب الوعي لدى بعض المربين، إضافة إلى تغليب الاعتبارات الاقتصادية على حساب سلامة الغذاء، مشيرًا إلى أن الحل يتطلب تعزيز الرقابة وتكثيف التوعية وترسيخ مفهوم "الصحة الواحدة" بين مختلف القطاعات.
واختتم بأن الطب البيطري بطبيعته طب وقائي في المقام الأول، وأن الاستخدام الرشيد للمضادات الحيوية ضرورة لحماية الصحة العامة، وتجنب خسائر اقتصادية وصحية كبيرة على المستويين المحلي والدولي.
دراسة عالمية: مقاومة المضادات الحيوية تسببت في وفاة نحو 4.95 مليون شخص عام 2019
وكشفت دراسة منشورة في مجلة The Lancet المتخصصة في الدراسات السريريرة الطبية، أن مقاومة المضادات الحيوية تسببت في نحو 4.95 مليون وفاة عام 2019، منها 1.27 مليون وفاة مباشرة، مع تسجيل أعلى معدلات الوفيات في غرب أفريقيا جنوب الصحراء، موضحة أن أمراض الجهاز التنفسي السفلي كانت الأكثر ارتباطًا بالمقاومة، وأن عدة أنواع من البكتيريا أبرزها الإشريكية القولونية والمكورات العنقودية الذهبية والكلبسيلة الرئوية مسؤولة عن جزء كبير من الوفيات، مؤكدة أن مقاومة مضادات الميكروبات أصبحت تهديدًا صحيًا عالميًا يتطلب تعزيز أنظمة الترصد ومكافحة العدوى.
استشاري حساسية ومناعة: الاستخدام غير الرشيد للمضادات الحيوية يخلق بكتيريا مقاومة ويقوّض فعالية العلاج
أكد الدكتور أمجد الحداد استشاري الحساسية والمناعة بالمصل واللقاح، أن الاستخدام غير الرشيد للمضادات الحيوية، سواء في الحالات التي لا تستدعي علاجًا أصلاً أو في حال عدم الالتزام بالجرعة أو مدة العلاج المقررة، يُعد من أبرز الأسباب المؤدية إلى ظهور مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية.
وأوضح الحداد، أن حصول المريض على مضادات حيوية دون حاجة طبية حقيقية يؤدي إلى اختلال التوازن البكتيري داخل الجسم، حيث يتم القضاء على البكتيريا النافعة مع إتاحة الفرصة لنمو البكتيريا الضارة، ومع تكرار الاستخدام غير المنتظم تتكيف بعض الميكروبات مع هذه الأدوية وتطور قدرة على مقاومتها، ما يؤدي إلى ظهور سلالات بكتيرية لا تستجيب للعلاج.
وأشار استشاري الحساسية والمناعة بالمصل واللقاح، إلى أن هذا السلوك العلاجي الخاطئ ينعكس على فعالية المضادات الحيوية مستقبلًا، حيث قد يفشل العلاج في حالات العدوى البكتيرية نتيجة اكتساب الميكروبات مناعة ضد الأدوية المستخدمة، وهو ما يدفع إلى اللجوء لأجيال أحدث من المضادات الحيوية، مؤكدًا أن هذا الاستخدام غير المنضبط يسهم في زيادة خطورة الوضع الصحي عالميًا.
وأضاف أن المشكلة لا تقتصر على الاستخدام البشري فقط، بل تمتد أيضًا إلى سوء الاستخدام للمضادات الحيوية في المزارع السمكية والداجنة والحيوانية، والتي قد تُستخدم بجرعات أقل أو لأغراض مشابهة، ومع التراكم وسوء الاستخدام يمكن أن تسهم بدورها في القضاء على البكتيريا النافعة داخل الجسم وتعزيز مقاومة الميكروبات للمضادات الحيوية، والتي تنتقل للانسان من خلال المنتجات الغذائية في حالة عدم الالتزام بفترات السماح سواء الألبان أو اللحوم أو البيض.
وفيما يتعلق بأكثر البكتيريا خطورة حاليًا، أشار إلى أن هناك عدة أنواع تُعد من الأهم طبيًا، من بينها الإشريكية القولونية والمكورات العنقودية الذهبية، بالإضافة إلى الكلبسيلة، موضحًا أن لكل منها سياقًا مرضيًا مختلفًا، وأن خطورتها تزداد مع ارتفاع معدلات المقاومة للمضادات الحيوية.
واختتم بأن مواجهة هذه الظاهرة تعتمد على ترشيد استخدام المضادات الحيوية في البشر وكذلك من خلال الأدوية البيطرية في المزارع السمكية والداجنة والحيوانية، ومن خلال التوعية بالاستخدام الصحيح وعدم اللجوء إليها إلا عند الضرورة الطبية، باعتبارها أحد أهم أدوات العلاج التي يجب الحفاظ على فعاليتها.
الفاو: ارتفاع استخدام المضادات الحيوية بنسية 30% للثروة الحيوانية بحلول 2040
حذّر تقرير صادر عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة ونشرته صحيفة The Guardian البريطانية، من أن استخدام المضادات الحيوية في الثروة الحيوانية على مستوى العالم، قد يرتفع بنسبة 30% بحلول 2040، ليصل إلى أكثر من 143 ألف طن سنويًا، مع استهلاك القطاع نحو ثلاثة أرباع المضادات عالميًا وضعف الرقابة في بعض الدول.
وكشف التقرير أن هذا الاتجاه قد يؤدي إلى خسائر اقتصادية تصل إلى 318 مليار دولار في قطاع الثروة الحيوانية على مستوى العالم، في مقابل تكلفة أقل بكثير للتقليل من الاستخدام غير الرشيد، وأن الإفراط في الاستخدام هو أحد المحركات الرئيسية لانتشار البكتيريا المقاومة.

