من قصر الكورد إلى نيل العيني: قصة مستشفى الأزبكية أول مدرسة للقابلات وعهد الخروج من البيمارستان

تعد مستشفى الأزبكية فصلاً جوهرياً في تاريخ النهضة الطبية المصرية، فهي لم تكن مجرد مؤسسة علاجية، بل مثلت النواة الحقيقية لتنظيم صحي حديث في عهد محمد علي باشا، والمختبر الأول الذي خرج منه جيل الممرضات والمولدات المصريات. بدأت قصة هذا الصرح في أواخر عشرينيات القرن التاسع عشر، وتحديداً عام 1825م، حين اختار محمد علي باشا "قصر الكورد" في منطقة الأزبكية ليكون مقراً للمستشفى، نظراً لموقع المنطقة الحيوي الذي كان يسكنه الأمراء والبعثات الأجنبية وتعتبر واجهة القاهرة الحديثة. وكان القصر في البداية يُستخدم كمقر سكني لمحمد علي باشا عند توليه الحكم، لكن الفضل في تأسيسه كمستشفى يعود إلى سمو إبراهيم باشا، الذي أراده صرحاً إنسانياً يخدم الجيش والجمهور على حد سواء، ويحارب الأوبئة الفتاكة كالكوليرا والطاعون التي كانت تهدد مشروعات الدولة التنموية.
وقد تميز مبنى المستشفى بجمال معماري لافت وتصميم يعكس الطراز الأوروبي، حيث تألف من جناحين منفصلين تماماً لضمان التنظيم الدقيق والتهوية الجيدة والنظافة الصارمة، وهو ما كان يمثل طفرة مذهلة مقارنة بـ "البيمارستانات" القديمة الموروثة من العصور الوسطى. خُصص الجناح الأول للرجال المصابين بأمراض مختلفة وللذين يعانون من اضطرابات عقلية، والذين كانوا في السابق يتجمعون بشكل مأساوي في مبنى "المارستان" القديم، بينما خُصص الجناح الثاني لخدمة النساء المريضات والمصابات باضطرابات عقلية، ولرعاية الأمومة، ودار للأطفال اللقطاء.
ومن أهم المحطات التاريخية الفارقة، هو افتتاح أول مدرسة لـ "المولدات" (القابلات) في مصر والشرق الأوسط داخل أروقة مستشفى الأزبكية عام 1832م، أي قبل انتقال مدرسة الطب والمستشفى التعليمي إلى موقع "قصر العيني" الحالي بخمس سنوات كاملة. وقد كان السبب الجوهري وراء افتتاح المدرسة في الأزبكية أولاً هو رغبة الدكتور الفرنسي "كلوت بك" في أن تكون المدرسة في قلب القاهرة المكتظة بالسكان لتكون قريبة من الحالات والولادات المتعثرة، ولتسهيل إقناع الأهالي بتعليم بناتهم هذا العلم الجديد في بيئة مدنية بعيدة عن معسكرات الجيش في "أبي زعبل"، متحدياً بذلك القيود الاجتماعية الصارمة في ذلك الوقت.
لقد كانت مستشفى الأزبكية هي "المحطة الأولى" للتعليم الطبي العملي قبل انتقال المنظومة بالكامل إلى قصر العيني عام 1837م، حيث كان الطلبة يتلقون تدريباتهم تحت إشراف "كلوت بك" وبأمر صارم من إبراهيم باشا بأن يتم اختيار الأطباء الملحقين بالمستشفى حصرياً من بين السكان المحليين المصريين الذين تدربوا على فن الشفاء. وبحلول عام 1838م، وبعد عام واحد من الاستقرار في قصر العيني، استكملت المدرسة نجاحاتها تحت رئاسة السيدة الفاضلة "مسز لويلون" الحائزة على الجائزة الأولى من جامعة باريس، والتي أدت خدمات جليلة لمصر، حيث وثق المسيو "ساكوت" في تقريره لوزير المعارف الفرنسي عام 1868م نجاح خريجات هذه المدرسة في العمل بالمحافظات المختلفة مجاناً، ودورهن الباهر في تطعيم ما بين 6000 و7000 شخص في القاهرة وحدها ضد الجدري، مما قضى نهائياً على عهد "الدايات الجاهلات".
استمر عمل هذا المستشفى كعمل عظيم وسخي يفتح أبوابه لكل صور البؤس والفقر، حيث كان السكان يتلقون الاستشارات والأدوية وعمليات التطعيم مجاناً دون مقابل، وظل الصرح شاهداً على عصر ذهبي من التمصير الطبي لمدة عشر سنوات تقريباً. ومع ذلك، وكحال العديد من المؤسسات النافعة التي كانت ثمرة لأعمال الخالد محمد علي باشا وابنه اللامع إبراهيم باشا، انهار هذا المستشفى تحت اليد العابثة والظالمة لـ عباس باشا الأول. ومع التوسعات العمرانية اللاحقة في عهد الخديوي إسماعيل وتخطيط القاهرة الخديوية، تحولت الأزبكية لمنطقة ترفيهية تضم الأوبرا والحدائق، ونُقلت المهام الطبية لأماكن أحدث، لتختفي ملامح المستشفى بمرور الوقت، تاركة وراءها تاريخاً كحجر زاوية أخرج الطب من نطاق القصور والمساجد إلى رحاب المؤسسات الحكومية المنظمة والعلوم الحديثة.

