ثورة في التعليم الجامعي..«الأعلى للجامعات» يدمج البرامج ويستحدث تخصصات جديدة..والوزير يؤكد: ربط التعليم بسوق العمل أولوية..وخبراء يطالبون بتقليص الكليات النظرية والتوسع في التخصصات التكنولوجية

وجّه الرئيس عبد الفتاح السيسي، بتصحيح مسار التعليم وإعادة النظر في بعض التخصصات والكليات التي لا يجد خريجوها فرصًا حقيقية في سوق العمل، ودعا وزارة التعليم العالي وقيادات المنظومة التعليمية لاتخاذ قرارات حاسمة بشأن ربط مخرجات التعليم بما يلبي احتياجات سوق العمل، وشدد الرئيس على ضرورة مصارحة أولياء الأمور بالوظائف والتخصصات التي يحتاجها سوق العمل، قائلًا: "التخصصات اللي ملهاش لازمة خدوا القرار، وقولوا للناس إن احنا آخر دفعة هتتخرج من التخصص ده السنة دي، والسنة الجاية مفيش، لأنه ملوش شغل، لأ..أنت غالي اوي وأنتِ غالية اوي، على إن احنا نضيع 4 سنين في التعليم، وميكونش لهم أي مستقبل"، جاء ذلك خلال مشاركة الرئيس في إفطار الأكاديمية العسكرية المصرية.

الدكتور عبدالعزيز قنصوة وزير التعليم العالي
في هذا الصدد، ترأس الدكتور عبدالعزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، اجتماعًا طارئًا للمجلس الأعلى للجامعات، لمناقشة آليات تنفيذ التوجيهات الرئاسية بشأن ربط البرامج الدراسية بالجامعات واحتياجات سوق العمل، على المستوى المحلي والإقليمي والدولي ووجه وزير التعليم العالي، بضرورة إعداد دراسة شاملة لخريطة سوق العمل على المستوى المحلي والإقليمي والدولي، وذلك بالتعاون مع مختلف الجهات المعنية.
وافق المجلس الأعلى للجامعات على تشكيل لجنة عليا برئاسة الدكتور السيد عبدالخالق وزير التعليم العالي الأسبق، تضم عدد من كبار الخبراء في التخصصات العلمية المختلفة، تنتهي من عملها خلال ثلاثة أشهر على الأكثر، وتتولى المهام الآتية: مراجعة البرامج والتخصصات الدراسية، وتقييم مدى توافقها مع احتياجات سوق العمل محليًا وإقليميًا ودوليًا، تحليل مؤشرات توظيف خريجي الجامعات وتحديد الفجوات بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل، اقتراح تطوير وتحديث اللوائح والبرامج الدراسية بما يتواكب مع التطورات التكنولوجية والاقتصادية، دراسة استحداث برامج وتخصصات جديدة.
كما وافق المجلس على تشكيل لجنة بكل جامعة برئاسة رئيس الجامعة وعضوية نائب رئيس الجامعة لشئون التعليم والطلاب، وعدد من ذوي الخبرة من الجامعة وخارجها.
«الجيزاوي» يطالب بدمج التخصصات وتوسيع الجامعات التكنولوجية طريق إصلاح التعليم

الدكتور محمد كمال الجيزاوي الخبير التربوي وأستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة
وفي هذا السياق، قدّم الدكتور محمد كمال الجيزاوي، الخبير التربوي وأستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة، «روشتة» لإصلاح منظومة التعليم الجامعي وتطوير ودمج بعض التخصصات والكليات بما يتناسب مع متطلبات سوق العمل لضمان وظائف وفرص للخريجين.
وأكد «الجيزاوي» في تصرحات خاصة لـ«النهار» أن توجيهات الرئيس السيسي – كالعادة - وضعت النقاط فوق الحروف وأعادت الأمور لنصابها، مشيرًا إلى أنه لم يتوقف عن المطالبة الواضحة الصريحة بتعديل مسار التعليم الجامعي وربطه بسوق العمل منذ 2015، وذلك لمصلحة الطالب والمجتمع والدولة معًا.
وأوضح الخبير التربوي أن عملية الإصلاح تبدأ بتخفيض الأعداد المقبولة بالكليات التي ندر الطلب علي تخصصاتها في سوق العمل مثل الآداب، الحقوق، التجارة، الخدمة الاجتماعية، الإعلام بشكل تدريجي حتى يصبح عدد المقبولين فيها 10% من الأعداد التي تقبل حاليًا مع دمج الأقسام المماثلة والمتقاربة في الكليات المختلفة داخل الجامعة الواحدة بعد تخفيض أعداد الطلاب المقبولين بها.
وأشار إلى ضرورة تحويل كليات التربية إلى كليات دراسات تربوية عليا، ولا يسمح للعمل بالتدريس سواء حكومي أو خاص إلا لخريجي الآداب والعلوم الحاصلين على دراسات عليا منها.
وشدد «الجيزاوي» على تخفيض الأعداد المقبولة بكليات طب الأسنان، الصيدلة، العلاج الطبيعي بنسبة 50% للحفاظ على فرص عمل الخريجين بالقطاع الخاص، موصيًا بإغلاق «أكشاك» الهندسة التي أدت لزيادة العرض بشكل كبير جدا.
وطالب بزيادة الأعداد المقبولة بكليات الطب والتمريض مع توفير كافة الإمكانيات لتخرج جيل قادرعلى المنافسة محليا ودوليا، وإلغاء معاهد ودبلومات التمريض مع ضرورة الاهتمام بكليات الزراعة، الطب البيطري، العلوم ودعمها بشدة بتوفير المعامل وكافة الإمكانيات التي تجعل خريجها قادر على المنافسة في سوق العمل وأن تلعب دورًا في خطط الدولة لاستصلاح الأراضي وزيادة الإنتاج الزراعي، والحيواني والصناعات المرتبطة بهما.
ولفت الخبير التربوي أهمية التوسع في الجامعات التكنولوجية ومضاعفة الأعداد المقبولة بها، وتوفير كافة الإمكانيات التعليمية والتكنولوجية لها لتخريج فنيين مهرة، والتركيز على التدريب العملي، والتخصصات التي يحتاجها سوق العمل.
تابع: "عدم زيادة الأعداد المقبولة بكليات الحاسبات والذكاء الاصطناعي والاكتفاء بالكليات الحالية مع توفير الإمكانيات على أحدث مستوى لتخريج خريج قادر على المنافسة العالمية وسد احتياجات سوق العمل المحلية، مطالبًا بإلغاء التعليم المفتوح أو المدمج لعدم جدواها في ظل الزيادة الكبيرة سنويا في أعداد خريجي الجامعات".
وأوصى بعدم فتح كليات وأقسام جديدة لا يحتاجها بالفعل سوق العمل، موضحًا أنه تم إنشاء بعض الكليات لمجرد التفاخر بزيادة عددها حتى لو كانت تفتقر لأدنى المقومات، مؤكدًا أن خريجيها يعانون من البطالة منذ عقود ومنها على سبيل المثال 5 كليات حقوق تمت الموافقة على إنشائها في 2016 برغم رفضنا الشديد لعدم الاحتياج إليها لكن تم إنشائها لإرضاء البعض، وبعد عدة سنوات قرر المجلس الأعلى للجامعات في 2022 تخفيض أعداد الطلاب بها لعدم توافر الإمكانات.
وناشد «الجيزاوي» بعدم ترخيص جامعات أهلية جديدة، وعمل تقييم شامل لما تم إنشائه، وعدم الموافقة على تخصصات لا يحتاجها سوق العمل، مؤكدًا أن بعض الجامعات انحرفت عن مسارها والأهداف المرجوة منها حيث أصبحت مجالًا لتربح البعض فقط، بينما تلقي العبء كاملًا على الجامعات الحكوميةمشيًا إلى أن بعضها بدأ دون أن تتوافر لديها منشآت أو معامل للدراسة فيها.
واختتم الدكتور محمد كمال تصريحه مطالبًا بفتح كليات نوعية جديدة يحتاجها المجتمع وتوفر فرص عمل كبيرة لخريجيها سواء داخليًا أو خارجيًا مثل كلية علوم ذوي الاحتياجات الخاصة، والتي تهيء خريجيها للتعامل مع ذوي الاحتياجات الخاصة المختلفة وكبار السن، مؤكدًا أنه لا يوجد لها نظير في المنطقة، وموضحًا أنه يوجد منها كليتين فقط في مصر، لا تتوافر لهم الإمكانيات الكافية لتصبحا على ما يجب أن يكونا عليه، مشيرًا إلى أنه شارك في إنشاء إحدى الكليات بجامعة بني سويف.
خبير تربوي: تقليص الأعداد بالكليات النظرية ضرورة لإنهاء أزمة بطالة الخريجين

الدكتورعاصم حجازي الخبير التربوي وأستاذ علم النفس التربوي جامعة القاهرة
ومن جانبه، أكد الدكتورعاصم حجازي، الخبير التربوي وأستاذ علم النفس التربوي بكلية الدراسات العليا للتربية جامعة القاهرة، أن تقليص أعداد الطلاب المقبولين في الكليات النظرية أصبح ضرورة ملحة في ظل التحديات التي يواجهها سوق العمل، وعلى رأسها تكدس أعداد الخريجين وعدم توافر فرص عمل حقيقية تناسب تخصصاتهم.
وأوضح «حجازي» في تصريحات خاصة لـ«النهار» أن أهم المبررات التي تستدعي تقليل أعداد المقبولين بالكليات النظرية، تشبع سوق العمل بخريجي التخصصات النظرية وتفاقم مشكلة البطالة إضافة إلى وجود فجوة واضحة بين مهارات الخريجين ومتطلبات سوق العمل الحديثة.
وأشار إلى أن الخريجين يمثلون طاقة بشرية معطلة لا يمكن أن يسهموا في دفع عجلة التنمية أو تطوير الاقتصاد الذي بدأ في التحول نحو الإنتاج والصناعة كما أنهم لا يحققوا النفع لأنفسهم بالحصول على فرصة عمل مناسبة.
وبيّن الخبير التربوي أن استمرار زيادة أعداد الملتحقين بهذه التخصصات يؤدي إلى ارتفاع الكثافات الطلابية داخل القاعات الدراسية مما ينعكس سلباً على جودة التعليم وكفاءة الخريج، وهو ما قد يؤثر بدوره على مكانة التعليم المصري في التصنيفات العالمية للتعليم.
وأكد «حجازي» أن تقليص الأعداد بالكليات النظرية يمكن أن يسهم في تحفيز الطلاب على امتلاك مهارات ريادة الأعمال والتحول من ثقافة الحرص على الوظيفة الحكومية إلى ثقافة الانتاج وزيادة الأعمال والعمل الحر مشيرًا إلى أن هناك الكثير من المشكلات التي يعاني منها المجتمع مثل البطالة وغيرها ترتبط ارتباطاً مباشراً بقصور في مهارات الخريج وعدم مواكبتها لسوق العمل.
وتابع: "تقليص الأعداد سيعود بفوائد متعددة سواء على مستوى الخريج الذي سيحصل على فرصة عمل مناسبة لقدراته ومهاراته أو على التخصصات نفسها التي سيقتصر القبول فيها على الطلاب المتميزين الذين يمكنهم تحقيق نجاحات في هذا التخصص وتطويره، فضلاً عن المجتمع الذي سيستفيد من الإدارة الجيدة للموارد البشرية التي توجه الطاقات الشبابية على مواقع العمل والإنتاج".
وفيما يتعلق بآليات التطبيق، اقترح الدكتور عاصم حجازي مجموعة من الخطوات، من بينها: التوسع في إنشاء الكليات التكنولوجية وزيادة أعداد المقبولين فيها، رفع الحد الأدنى للقبول في الكليات النظرية بما يسهم في تقليل أعداد الملتحقين بها، تعميم اختبارات القدرات على جميع القطاعات في التعليم الجامعي وعدم قصرها على تخصصات معينة، التوسع في عقد شراكات دولية وتطوير التخصصات ذات الصلة بسوق العمل وخطط التنمية المستدامة، تدريس مقرر عن ريادة الأعمال وعقد ندوات وورش عمل للتوعية لجذب الطلاب إلى التخصصات ذات الصلة بسوق العمل، وإنشاء مكاتب تابعة للجامعات لدعم الخريجين لمساعدتهم على إيجاد فرص عمل محلية ودولية بعد التخرج أو تقديم المشورة والدعم للبدء في مشروع خاص بعد التخرج.

