النهار
جريدة النهار المصرية

العدد الورقي تقارير ومتابعات

مصر تغزو أعالي البحار بأسطول صيد الأكبر من نوعه في أفريقيا

سفن أعالي البحار
أحمد المقدامي -

في إطار توجه الدولة المصرية نحو تعظيم الاستفادة من مواردها الطبيعية، يبرز مشروع تطوير أسطول الصيد البحري كأحد أبرز المشروعات القومية التي تعكس تحولًا نوعيًا في إدارة قطاع الثروة السمكية.

هذا المشروع، الذي تقوده هيئة قناة السويس بالتعاون مع جهات وطنية متعددة، لا يقتصر فقط على زيادة الإنتاج السمكي، بل يمتد ليؤسس لمرحلة جديدة من التصنيع البحري وتوطين التكنولوجيا، بما يعزز الأمن الغذائي ويخلق فرصًا اقتصادية واعدة.

على مدار عقود طويلة، اعتمدت مصر بشكل أساسي على الصيد الساحلي والمياه الإقليمية، وهو نمط تقليدي فرض قيودًا واضحة على حجم الإنتاج، خاصة في ظل الزيادة السكانية المتسارعة وارتفاع الطلب على البروتين الحيواني.

ومع تراجع كفاءة هذا النموذج في تلبية احتياجات السوق المحلي، أصبح من الضروري البحث عن بدائل أكثر تطورًا.

هنا برز مفهوم الصيد في أعالي البحار كخيار استراتيجي، حيث تعتمد هذه المنظومة على سفن حديثة قادرة على الإبحار لمسافات طويلة والعمل في المياه العميقة لفترات ممتدة، بما يتيح الوصول إلى مخزون سمكي أكبر وأكثر تنوعًا.

هذا التحول لا يمثل فقط توسعًا جغرافيًا، بل يعكس انتقالًا من نشاط تقليدي محدود إلى صناعة متكاملة قائمة على التكنولوجيا والكفاءة.

ملامح المشروع القومي

تشير الخطط الحكومية إلى أن المشروع يستهدف إنشاء أسطول صيد حديث يضم نحو 100 سفينة بمواصفات مختلفة، بما يلبي احتياجات التشغيل في البيئات البحرية المتنوعة.

وقد تم بالفعل الانتهاء من بناء 34 سفينة ضمن المرحلة الأولى، في حين يجري تنفيذ برنامج متخصص لإنشاء 12 سفينة مخصصة للعمل في أعالي البحار بتقنيات متقدمة.

هذا التوسع يعكس رؤية استراتيجية تهدف إلى إعادة هيكلة الأسطول المصري، بحيث لا يقتصر على الصيد الساحلي، بل يمتد ليشمل مناطق أوسع وأكثر ثراءً من حيث الموارد السمكية.

سفن “رزق”.. بداية التنفيذ الفعلي

يمثل إطلاق سلسلة سفن “رزق” نقطة الانطلاق العملية لهذا المشروع، حيث تعد السفينة “رزق 1” نموذجًا تطبيقيًا يعكس قدرات مصر في دخول مجال الصيد في أعالي البحار.

وقد تم تصميم هذه السفن وفق أحدث المعايير العالمية، مع تنفيذ عمليات البناء داخل ترسانات محلية، في خطوة مهمة نحو توطين صناعة السفن.

وتتميز “رزق 1” بعدة خصائص فنية، من بينها طول يقترب من 24 مترًا، وعرض يبلغ نحو 7 أمتار، وسرعة تشغيل تصل إلى 10 عقد بحرية، إلى جانب سعة تخزين تقدر بنحو 100 متر مكعب.

كما تم تصميمها لتعمل بكفاءة اقتصادية من خلال تأجيرها لشركات متخصصة في نشاط الصيد، ما يضمن تحقيق عائد مستدام.

سفن أعالي البحار: مصانع عائمة

تشكل سفن أعالي البحار العمود الفقري لهذا المشروع، نظرًا لما تتمتع به من قدرات تشغيلية متقدمة.

فهذه السفن، التي يصل طولها إلى نحو 50 مترًا، قادرة على الإبحار لمسافات طويلة والبقاء في عرض البحر لأسابيع متواصلة دون الحاجة إلى العودة للموانئ.

ولا تقتصر وظيفة هذه السفن على الصيد فقط، بل تمتد لتشمل عمليات التخزين والمعالجة الأولية، حيث تحتوي على أنظمة تبريد وتجميد متطورة للحفاظ على جودة الأسماك، بالإضافة إلى تجهيزات تسمح بفرز وتجهيز المنتج قبل وصوله إلى الأسواق.

هذا النموذج يقلل من الفاقد ويرفع القيمة الاقتصادية للمنتج، ما يعزز القدرة التنافسية في الأسواق المحلية والدولية.

حرصت الدولة على تحقيق توازن بين الاستفادة من الخبرات الدولية وتوطين الصناعة محليًا.

ففي الوقت الذي تم فيه الاستعانة بمكاتب تصميم عالمية متخصصة لوضع التصورات الفنية للسفن، جرى تنفيذ عمليات البناء داخل مصر، من خلال ترسانات بحرية تم تطويرها وتحديثها.

هذا النهج يهدف إلى نقل المعرفة والتكنولوجيا إلى الداخل، بما يساهم في بناء قاعدة صناعية قادرة على إنتاج سفن متخصصة وفق المعايير العالمية، ويقلل في الوقت نفسه من الاعتماد على الاستيراد.

تطوير البنية التحتية

لا يقتصر المشروع على بناء السفن فقط، بل يشمل أيضًا تطوير البنية التحتية المرتبطة بالصناعة البحرية. فقد تم إنشاء وتحديث ثلاث ترسانات بحرية، مزودة بأحدث المعدات والتقنيات، بما يتيح تنفيذ عمليات بناء وصيانة السفن بكفاءة عالية.

كما تم إطلاق برامج تدريبية متخصصة لتأهيل العمالة المصرية، سواء في مجالات التصنيع أو التشغيل، بما يضمن وجود كوادر قادرة على التعامل مع التكنولوجيا الحديثة وإدارة العمليات بكفاءة.

تعتمد سفن أعالي البحار على منظومة متكاملة من التقنيات الحديثة، التي تساهم في تحسين كفاءة الصيد وزيادة الإنتاجية.

وتشمل هذه التقنيات أجهزة السونار لتحديد تجمعات الأسماك، وأنظمة الملاحة المتطورة التي تعتمد على الأقمار الصناعية، بالإضافة إلى شباك صيد عالية الكفاءة.

كما تضم السفن وحدات تبريد وتجميد فوري، تضمن الحفاظ على جودة الأسماك منذ لحظة صيدها، إلى جانب نظم رقمية لإدارة العمليات ومتابعة الإنتاج، ما يسمح باتخاذ قرارات دقيقة وتحسين الأداء.

تستهدف سفن المشروع العمل في مناطق بحرية متعددة، تشمل البحر الأحمر والبحر المتوسط، بالإضافة إلى مناطق أعمق قد تمتد إلى المياه الدولية.

هذا التوسع في نطاق التشغيل يتيح لمصر الاستفادة من موارد بحرية غير مستغلة، ويقلل من الضغط على المخزون السمكي في المناطق الساحلية.

كما يفتح المجال أمام التعاون مع دول أخرى في مجال الصيد البحري، سواء من خلال اتفاقيات ثنائية أو شراكات استثمارية.

الأبعاد الاقتصادية

يحمل المشروع أبعادًا اقتصادية متعددة، تبدأ بزيادة الإنتاج المحلي من الأسماك، بما يساهم في تلبية احتياجات السوق وتقليل الاعتماد على الاستيراد.

كما يعزز من فرص التصدير، خاصة في ظل القدرة على إنتاج أنواع عالية القيمة مطلوبة في الأسواق العالمية.

إلى جانب ذلك، يوفر المشروع فرص عمل مباشرة وغير مباشرة في مجالات متعددة، تشمل الصيد، والصناعات الغذائية، والنقل، والتعبئة والتغليف، ما يسهم في دعم الاقتصاد الوطني.

يعكس المشروع تحولًا واضحًا في طبيعة نشاط الصيد، حيث تختلف منظومة الصيد في أعالي البحار عن الصيد التقليدي في عدة جوانب.

فبينما يقتصر الصيد التقليدي على مناطق محدودة وإنتاج محدود، يوفر الصيد الصناعي نطاقًا أوسع وإنتاجًا أكبر، مع الاعتماد على التكنولوجيا بدلًا من الأدوات البسيطة.

كما أن القيمة الاقتصادية للصيد الصناعي أعلى بكثير، نظرًا لقدرته على تقليل الفاقد وتحسين جودة المنتج، ما يرفع من سعره في الأسواق.

تحديات قائمة

رغم المزايا الكبيرة التي يوفرها المشروع، فإنه يواجه عددًا من التحديات، من بينها ارتفاع تكاليف التشغيل والصيانة، خاصة في ظل الاعتماد على تقنيات متقدمة.

كما يتطلب المشروع كوادر بشرية مؤهلة، وهو ما يستدعي استمرار برامج التدريب والتأهيل.

وتبرز أيضًا مسألة المنافسة مع أساطيل صيد دولية متقدمة، تمتلك خبرات طويلة في هذا المجال.

إلى جانب ذلك، تظل الحاجة قائمة لتحقيق التوازن بين زيادة الإنتاج والحفاظ على الثروة السمكية، لضمان استدامة الموارد على المدى الطويل.

تشير المؤشرات الحالية إلى أن مصر تسير بخطى ثابتة نحو بناء أسطول صيد حديث قادر على المنافسة إقليميًا ودوليًا.

ومع تنفيذ خطط إنشاء 100 سفينة، وتطوير البنية التحتية، وتوطين التكنولوجيا، يمكن أن يتحول هذا القطاع إلى أحد المحركات الرئيسية للاقتصاد.

كما أن نجاح هذا المشروع قد يفتح الباب أمام مشروعات أخرى في مجال الاقتصاد الأزرق، مثل الاستزراع السمكي البحري، والصناعات المرتبطة بالبحر، ما يعزز من مكانة مصر كمركز إقليمي في هذا المجال.

يمثل مشروع أسطول الصيد المصري، خاصة سفن أعالي البحار، خطوة استراتيجية نحو بناء منظومة متكاملة لإدارة الموارد البحرية. فهو يجمع بين التوسع في الإنتاج، والتطور التكنولوجي، وتوطين الصناعة، بما يعكس رؤية تنموية شاملة تستهدف تحقيق الأمن الغذائي وتعزيز الاقتصاد الوطني.

ومع استمرار تنفيذ هذا المشروع وتجاوز التحديات المرتبطة به، تبدو مصر على أعتاب مرحلة جديدة في قطاع الصيد البحري، قادرة من خلالها على استغلال إمكاناتها البحرية بشكل أكثر كفاءة واستدامة، وتحقيق قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد والمجتمع.