بعد سحب فيلم سفاح التجمع من دور العرض..
عريضة إلى مجلسي الوزراء والنواب تطالب بإلغاء الرقابة على الأفلام وتجميد القانون 430 لسنة 1955

تقدّم الدكتور هاني سامح، المحامي، بعريضة إلى رئيس مجلس الوزراء ورئيس مجلس النواب، حملت رقم 2666 لسنة 2026 بشكاوى مجلس النواب، ورقم 11897200 بالعرائض الإلكترونية، طالب فيها بتجميد ثم إلغاء نظام الرقابة على المصنفات الفنية والسمعية والبصرية، وإلغاء أو استبدال القانون رقم 430 لسنة 1955 المنظم للرقابة على المصنفات، باعتباره – بحسب العريضة – تشريعًا تجاوزه الزمن، ولم يعد ملائمًا للدستور المصري الحديث، ولا لطبيعة الدولة المعاصرة، ولا لتحولات صناعة الفن والإعلام.
وجعل سامح من أزمة سحب فيلم سفاح التجمع محورًا رئيسيًا في عريضته، معتبرًا أن واقعة الفيلم لم تعد مجرد أزمة تخص عملًا بعينه، بل تحولت إلى عنوان أوسع لأزمة بنيوية في فلسفة الرقابة نفسها، إذ كشفت كيف يمكن لعمل فني أن يمر بمراحل الكتابة والتصوير والحصول على التصاريح، ثم يُطرح للجمهور، ثم يُسحب فجأة، بما يضرب الثقة في السوق السينمائي، ويخلق مناخًا من الترقب وعدم اليقين، ويؤدي إلى خسائر مباشرة وغير مباشرة، فضلًا عن أثره الردعي على المنتجين والمؤلفين والمخرجين الذين قد يفضلون منذ البداية الابتعاد عن أي موضوع جاد أو صادم خشية المصير ذاته.
وأضافت العريضة أن الرقابة على الفن لم تعد من أدوات الدولة الحديثة، بل غدت فعلًا بائدًا لا يليق إلا بعصور الوصاية على العقول والخيال والوجدان، مؤكدة أن الدولة الدستورية الحديثة لا تقوم على المنع السابق ولا على المقص الإداري، وإنما على الثقة في الوعي العام، وصون حرية الفكر والتعبير، وإطلاق طاقات الإبداع، مع الاحتكام – عند اللزوم – إلى القانون والقضاء في إطار المسؤولية اللاحقة لا الوصاية السابقة.
وفي سياق المقارنة الإقليمية، استأنست العريضة بالنموذج الإماراتي السينمائي، معتبرة أنه يعكس انتقالًا في المنطقة نفسها من منطق القص والمنع إلى منطق التصنيف العمري وإلغاء الرقابة، بما يبرهن على أن البديل الحديث ليس الفوضى، بل إتاحة أكثر عقلانية تقوم على التصنيف العمري والإخطار والمسؤولية القانونية اللاحقة، بدلًا من المنع والسحب المسبقين. ولفتت العريضة إلى أن المطلوب هو التحول من الوصاية على الفن إلى إطار قانوني حديث يحمي الأطفال والقُصّر ويحترم في الوقت نفسه حق البالغين في الاختيار.
وطالبت العريضة، على نحو صريح، باتخاذ ما يلزم تشريعيًا وسياسيًا لتجميد العمل بالنصوص العقابية والتنظيمية المخالفة للدستور في مجال حرية الفكر والتعبير والإبداع الفني، تمهيدًا لإعداد مشروع قانون عاجل بإلغاء القانون رقم 430 لسنة 1955 أو استبداله بتشريع حديث يقوم على الإخطار، والتصنيف العمري، والمسؤولية القانونية اللاحقة، مع قصر المنع أو المصادرة أو الحظر النهائي على القضاء وحده لا على الإدارة.
ولم تقف العريضة عند واقعة «سفاح التجمع» وحدها، بل استدعت أيضًا الجدل الذي أحاط بفيلم «الملحد»، باعتباره مثالًا آخر على الارتباك الذي يحيط بعلاقة الإدارة بالأعمال الفنية، لا سيما مع تضارب المواقف بين الترخيص الرقابي من ناحية، وتعثر طرحه للعرض العام من ناحية أخرى. واعتبرت العريضة أن ملف «الملحد» كشف بدوره أن المشكلة لم تعد في عمل بعينه، بل في بنية تنظيمية تسمح باستمرار مناخ المنع والتأجيل والضغط غير المباشر على تداول الأعمال الفنية، رغم صدور التراخيص أو استكمال الإجراءات، بما يضر بحرية الإبداع، ويُربك المنتجين، ويفتح الباب أمام عودة منطق الوصاية والضغوط غير المباشرة على تداول الأعمال الفنية على حساب الدولة الدستورية ومقتضيات الصناعة الحديثة.
وتنتهي العريضة إلى أن مصر، بتاريخها الثقافي وصدارتها الفنية العربية، أولى من غيرها بقيادة هذا التحول، وأن الوقت قد حان لمراجعة جذرية وشجاعة لمنظومة الرقابة، انتقالًا من منظومة الحظر والمنع إلى الانفتاح السينمائي سعيا إلى حماية الحريات وصيانة الإبداع وتعزيز المكانة الثقافية والقوة الناعمة في الداخل والخارج.

