النهار
جريدة النهار المصرية

تقارير ومتابعات

عامل نظافة بالقاهرة يعيد أكثر من نصف مليون جنيه لصاحبها: عاوز أأكل عيالي بالحلال.. وزوجته: هنتبرع بالمكافأة

عامل النظافة برفقة صحفي «النهار»
محمد جودة -

في واقعة إنسانية تحمل الكثير من الدلالات، وتعيد التأكيد على أن القيم الأصيلة ما زالت حاضرة بقوة داخل المجتمع المصري، جسّد عامل نظافة بمحافظة القاهرة نموذجًا نادرًا في الأمانة، بعدما عثر على مبلغ مالي ضخم يُقدر بـ530 ألف جنيه، وأعاده إلى صاحبه دون تردد أو انتظار مقابل.

البداية كانت خلال يوم عمل عادي، بينما كان العامل يؤدي مهامه في الشارع، حيث لفت انتباهه كيس ملقى على الأرض، لم يتوقع أن يحمل داخله شيئًا ذا قيمة، إذ ظنه في البداية مجرد قمامة، وقال: “افتكرته كيس زبالة وقلت مين اللي رماه وأنا واقف شغال”. إلا أن الفضول دفعه لفتحه، ليُفاجأ بوجود مبالغ مالية كبيرة داخله، في لحظة تحولت فيها الصدفة إلى اختبار حقيقي للضمير.

ورغم أن المبلغ كفيل بتغيير حياة الكثيرين، فإن العامل لم يتردد لحظة في اتخاذ القرار الذي يتسق مع قناعاته، مؤكدًا: “الفلوس مش بتاعتي وحرام آخد حاجة مش حقي”، ليبدأ على الفور في البحث عن صاحب المال، حتى تمكن من تسليمه كاملًا عبر الجهات المختصة، دون أن ينتظر شكرًا أو مكافأة.

ويقول العامل خلال حديثه مع محرر «النهار»، إن شعوره بعد إعادة المبلغ كان مختلفًا تمامًا، حيث شعر براحة كبيرة تفوق أي مكسب مادي، موضحًا: “أنا كل اللي عاوزه أكل عيالي بالحلال.. وربنا بيشوف كل حاجة”، في كلمات بسيطة لكنها تعكس إيمانًا عميقًا بأن الرزق الحقيقي هو ما كان حلالًا ومباركًا.

ولم يكن هذا الموقف فرديًا، بل امتد ليعكس منظومة قيم متكاملة داخل أسرته، حيث أكدت زوجته تمسكهم بنفس المبادئ، ورفضت الحصول على أي مكافأة مالية، قائلة: “هنتبرع بيها لله”، في مشهد يعكس تربية قائمة على القناعة والرضا، والإيمان بأن ما عند الله خير وأبقى.

ومن جانبها، حرصت محافظة القاهرة على تكريم العامل أحمد إبراهيم محمد شاهين، تقديرًا لما قدمه من نموذج يُحتذى به في الأمانة والإخلاص، في لفتة تعكس اهتمام الدولة بإبراز النماذج الإيجابية داخل المجتمع، ودعم السلوكيات التي تعزز من تماسكه.

وتبقى كلمات العامل في ختام حديثه كخلاصة لتجربة إنسانية عميقة، حين قال: “إحنا ما بنحسش بقيمة الفلوس غير لما نكون شقيانين فيها”، لتتحول الواقعة من مجرد حدث عابر إلى رسالة مجتمعية مؤثرة، تؤكد أن الأمانة ليست خيارًا سهلًا، لكنها الطريق الأصدق الذي يترك أثرًا لا يُنسى.