هروب 4 مليارات دولار من الأموال الساخنة.. أزمة البحر الأحمر تضرب التدفقات الدولارية والجنيه تحت الاختبار

منذ اندلاع التوترات في البحر الأحمر واتساع رقعة المخاطر الجيوسياسية في المنطقة وعاد سؤال الاستقرار النقدي في مصر إلى الواجهة من جديد فالأزمة لا تتعلق فقط بتهديد مسار التجارة العالمية لكنها تضغط بشكل مباشر على أحد أهم مصادر العملة الصعبة لمصر مثل إيرادات قناة السويس ومع استمرار التوترات الإقليمية وارتفاع منسوب المخاطر بسبب الحرب بين إيران وإسرائيل بدأت التداعيات تمتد إلى سوق الصرف وتوقعات التضخم خلال عام 2026.
الجنيه تحت ضغط ولكن ليس بالضرورة انهيار
قال وليد عادل، الخبير الاقتصادي أن التأثير الأول لأزمة البحر الأحمر يظهر بوضوح في تراجع حركة السفن عبر قناة السويس وهو ما يعني انخفاض تدفقات العملة الأجنبية وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن مصر قد تخسر مليارات الدولارات سنويًا نتيجة تحويل العديد من السفن مسارها إلى رأس الرجاء الصالح.
وأكد الخبير الاقتصادي علي أن في الوقت نفسه تشهد الأسواق الناشئة حالة من الحذر الشديد لدى المستثمرين الأجانب وقد شهدت مصر بالفعل خروج استثمارات أجنبية من أدوات الدين تجاوزت 4 مليارات دولار خلال فترات التوتر الأخيرة وهذه الأموال التي تُعرف غالبًا بـ”الأموال الساخنة” تتحرك بسرعة شديدة مع أي تصاعد في المخاطر الجيوسياسية، مشيراً إلى أن كل ذلك يخلق ضغطا على الجنيه المصري لأن المعادلة ببساطة تقوم على العرض والطلب على الدولار والتي تشمل انخفاض موارد العملة الأجنبية، خروج جزء من الاستثمارات الأجنبية وزيادة تكلفة الاستيراد بسبب اضطراب سلاسل الإمداد.
وأشار وليد عادل إلي أن الضغط لا يعني بالضرورة حدوث خفض حاد في قيمة العملة فالأمر يتوقف على قدرة الدولة على تعويض هذه التدفقات عبر مصادر أخرى مثل الاستثمارات المباشرة أو القروض الدولية أو تحويلات العاملين بالخارج.
دور البنك المركزي
وأوضح أن في مثل هذه الظروف يصبح دور البنك المركزي المصري حاسمًا في الحفاظ على استقرار سوق الصرف، أول أدوات البنك المركزي هي إدارة السيولة الدولارية داخل السوق عبر تنظيم الطلب على العملة الأجنبية ومنع المضاربات الحادة، كما يمتلك المركزي القدرة على استخدام جزء من الاحتياطي النقدي لتخفيف التقلبات المفاجئة في سعر الصرف والأداة الثانية تتمثل في السياسة النقدية إذ يمكن للبنك المركزي استخدام أسعار الفائدة كوسيلة لجذب الاستثمارات الأجنبية، أما الأداة الثالثة فهي التنسيق مع الحكومة لجذب تدفقات دولارية طويلة الأجل مثل الاستثمار الأجنبي المباشر أو برامج التمويل الدولية وهي تدفقات أكثر استقرارًا من استثمارات المحافظ المالية.
خطر التضخم المستورد في2026
وأزمة البحر الأحمر قد تمتد آثارها إلى التضخم في مصر خلال عام 2026 عبر عدة قنوات، حيث تتمثل أول هذه القنوات في ارتفاع تكاليف الشحن العالمية، نتيجة اضطرار السفن إلى اتخاذ مسارات أطول وأكثر تكلفة وهذه الزيادة تنتقل في النهاية إلى أسعار السلع المستوردة، والقناة الثانية هي أسعار الطاقة فإذا أدى التصعيد الجيوسياسي في المنطقة خاصة مع دخول إيران على خط الصراع – إلى ارتفاع أسعار النفط عالميًا فإن ذلك سينعكس على تكلفة الوقود والنقل والإنتاج داخل الاقتصاد المصري، أما القناة الثالثة فهي سعر الصرف نفسه ففي حال تعرض الجنيه لضغوط إضافية، فإن تكلفة الواردات سترتفع وهو ما يترجم سريعًا إلى موجة تضخم مستورد.
من يحدد مستقبل الجنيه
ولفت وليد عادل إلي أن برغم كل هذه الضغوط فإن مستقبل الجنيه والتضخم في مصر خلال 2026 لن يتحدد فقط بأزمة البحر الأحمر بل بثلاثة عوامل أساسية أولها مدة استمرار التوترات في البحر الأحمر وتأثيرها على حركة الملاحة العالمية وثانيا اتجاه أسعار النفط العالمية في ظل التصعيد الإقليمي، وأخيرا قدرة الاقتصاد المصري على جذب تدفقات دولارية جديدة تعوض الخسائر في الإيرادات.
واختتم الخبير الاقتصادي حديثه قائلا " فى النهاية أزمة البحر الأحمر ليست مجرد حدث جيوسياسي بعيد عن الاقتصاد المصري بل هي صدمة مباشرة تضرب أحد أهم مصادر النقد الأجنبي ومع خروج جزء من الاستثمارات الأجنبية وارتفاع المخاطر الإقليمية قد يتعرض الجنيه المصري لضغوط إضافية خلال 2026 كما قد ترتفع توقعات التضخم نتيجة زيادة تكاليف الشحن والطاقة، لكن في المقابل يبقى هامش المناورة قائمًا أمام السياسات النقدية والاقتصادية إذا نجحت الدولة في تعويض هذه الخسائر عبر تدفقات استثمارية جديدة وتحسين مصادر العملة الأجنبية وبعبارة أخرى المشكلة ليست فقط في الصدمة الحالية بل في سرعة قدرة
الاقتصاد على تعويضها".

