النهار
جريدة النهار المصرية

ثقافة

محمد هلوان يكتب| «حين تهتزّ السردية».. هل يكشف «رأس الأفعى» ما لا تريد الجماعة أن تعرفه الأجيال الجديدة؟

مسلسل رأس الأفعى
-

سواء اتفقنا أو اختلفنا، أرى أن حالة الغضب والتوتر التي يبديها بعض أتباع ومؤيدي ومتعاطفي جماعة الإخوان المسلمون تجاه مسلسل «رأس الأفعى» لا يمكن فصلها عن تأثير العمل على السردية التي حاولت الجماعة ترسيخها لسنوات، خاصة لدى الأجيال التي لم تعاصر فترة حكمهم في مصر، ولا تمتلك معرفة مباشرة بتلك المرحلة أو بتعقيداتها.

محمود عزت

المسلسل – في تقديري – لا يثير الجدل لمجرد كونه عملًا دراميًا، بل لأنه يقترب من مناطق ظلّ ظلت لسنوات تُقدَّم برواية واحدة. وعندما تظهر رواية أخرى تناقش التنظيم، بنيته، وأفكاره، فإنها بطبيعة الحال تُربك الخطاب التقليدي الذي اعتاد السيطرة على عقول قطاع من الشباب.

رأس الأفعى

الإشكالية الأعمق – كما أراها – تكمن في طبيعة السردية ذاتها؛ فهي سردية مرنة إلى حد السيولة. حين يكون النقاش سياسيًا، يُعاد توجيهه إلى ساحة الدين، وحين يُطرح سؤال ديني، يُعاد تأطيره باعتباره استهدافًا سياسيًا. هذا التداخل المتعمد بين المجالين يمنح الخطاب قدرة على المناورة، لكنه في الوقت ذاته يخلق حالة من الالتباس تجعل الحوار الموضوعي أكثر صعوبة.

سيد قطب

هناك أيضًا تصور شائع لدى بعض المتابعين بأن التنظيم لا يتحرك فقط بوصفه كيانًا محليًا مستقلًا، بل كجزء من شبكة أوسع ذات أبعاد إقليمية ودولية، يتحرك داخلها وفق اعتبارات أكبر من حدود الدولة الوطنية. هذه الرؤية – سواء اتفقنا معها أم لا – تُستخدم كثيرًا لتفسير نمط القرارات والتحركات التي بدت أحيانًا غير منسجمة مع السياق المحلي.

مسلسل رأس الأفعى

وعند دراسة الحركات الإسلامية بصورة عامة، يلاحظ بعض الباحثين وجود تشابهات تنظيمية بين أنماط القيادة المركزية في أكثر من نموذج، مثل المقارنة بين مفهوم “المرشد” داخل الجماعة، ونظرية ولاية الفقيه في السياق الشيعي. ورغم اختلاف الخلفيات المذهبية والفكرية، فإن فكرة المرجعية العليا ذات الطابع الملزم تظل عنصرًا مشتركًا يستحق التأمل في إطار الدراسات المقارنة، بعيدًا عن التبسيط أو المبالغة.

كما تُثار مسألة “التقية” بوصفها أسلوبًا سياسيًا يقوم على إخفاء النوايا أو إعادة صياغة الخطاب وفق الظرف، وهي قضية يُشار إليها أحيانًا في تحليل استراتيجيات بعض الحركات الأيديولوجية عمومًا، لا في سياق جماعة بعينها فقط.

جماعة الأخوان المسلمين

وفي تقديري، فإن أحد الجوانب التي تحتاج إلى دراسة أكاديمية أعمق هو منهجية الاستقطاب: كيف تُبنى دوائر الانضمام؟ كيف يُخاطَب الشباب؟ ما الأدوات النفسية والاجتماعية المستخدمة في كسب الولاء؟ وكيف تتشكل الهوية التنظيمية لدى الفرد بحيث تصبح أولوية على ما سواها؟ هذه الأسئلة لا تزال، في رأي كثيرين، دون بحث كافٍ مقارنة بأهميتها وتأثيرها.

في النهاية، الجدل الدائر حول العمل الدرامي لا يتعلق بالمسلسل وحده، بل بصراع على الوعي والسردية والذاكرة. وعندما تتعدد الروايات، تتسع مساحة التفكير، ويصبح الحكم بيد الجمهور الذي يمتلك حق المقارنة والتقييم.

اقرأ ايضاً| «رأس الأفعى»… دراما تستفز الجماعة وتعيد فتح الملفات المغلقة