النهار
جريدة النهار المصرية

تقارير ومتابعات

الدكتور هشام عيسى للنهار: أزمة المناخ تعيد رسم مستقبل دلتا النيل

الدكتور هشام عيسى
تقرير/أهلة خليفة -

لم يعد تغيّر المناخ في مصر خطرًا مؤجلًا، بل واقعًا يؤثر مباشرة على الموارد الطبيعية والأمن الغذائي والاقتصاد. ورغم التركيز على الظواهر الظاهرة، مثل ارتفاع الحرارة وغرق بعض السواحل، تظل هناك مخاطر صامتة أكثر تعقيدًا قد تقود إلى أزمات مفاجئة إذا لم يُستعد لها مبكرًا.

في هذا السياق، صرح لـ"النهار" المهندس هشام عيسى، خبير الشؤون البيئية ونقطة الاتصال الوطنية المصرية الأسبق للاتفاقية الإطارية لتغيّر المناخ بالأمم المتحدة، بأن أبرز التهديدات غير المرئية المرتبطة بتغيّر المناخ في مصر تشمل المناطق الزراعية الأكثر عرضة للخطر، مشيرًا في الوقت نفسه إلى الفرص الاقتصادية التي يمكن استثمارها إذا ما جرى التعامل مع هذا الملف باعتباره قضية تنموية شاملة.

ما أبرز المخاطر المناخية في مصر التي لا تحظى بالاهتمام الكافي وقد تؤدي إلى أزمات مفاجئة؟

يؤكد المهندس هشام عيسى أن أحد أخطر التهديدات المناخية غير المرئية يتمثل في تداخل مياه البحر المالحة مع المياه الجوفية في دلتا النيل.

ويوضح أن التركيز العام ينصب غالبًا على احتمالات غرق أجزاء من الدلتا نتيجة ارتفاع منسوب سطح البحر، بينما يكمن الخطر الأكثر إلحاحًا فيما يحدث تحت سطح الأرض، حيث يؤدي ارتفاع منسوب مياه البحر المتوسط وتراجع تدفقات المياه العذبة إلى تسلل المياه المالحة تدريجيًا إلى الخزانات الجوفية.

ويشير إلى أن هذا التداخل غير المرئي يؤدي إلى تملّح المياه المستخدمة في الري والشرب، وتدهور خصوبة التربة وفقدان قدرتها الإنتاجية، ما قد يتسبب في تراجع حاد ومفاجئ في إنتاجية المحاصيل الزراعية خلال فترة زمنية قصيرة دون مؤشرات إنذار مبكر كافية.

ويحذّر من أن دلتا النيل تمثل الركيزة الأساسية للأمن الغذائي في مصر، وأن أي تراجع مفاجئ في إنتاجيتها قد ينعكس في صورة نقص في المعروض الغذائي وارتفاع ملحوظ في أسعار السلع الأساسية، مصحوبًا بضغوط اقتصادية واجتماعية متسارعة. كما أن معالجة تملّح التربة والمياه الجوفية عملية معقدة، مرتفعة التكلفة، وتستغرق سنوات، ما يجعل الوقاية والتخطيط المسبق أكثر جدوى من التدخل بعد وقوع الأزمة.

ما هي المناطق الزراعية الأكثر عرضة لتدهور الإنتاج بسبب تغيّر المناخ، وما سبل الوقاية منها؟

يوضح عيسى أن هناك بالفعل مناطق زراعية معرضة لخطر التدهور في حال استمرار التأثيرات المناخية دون اتخاذ إجراءات استباقية، وتأتي دلتا النيل، ولا سيما المناطق الشمالية والساحلية والأراضي القريبة من البحيرات الشمالية، في مقدمة هذه المناطق.

وتتمثل مصادر الخطر الرئيسية في ارتفاع منسوب سطح البحر، وتداخل المياه المالحة مع المياه الجوفية، وتملّح التربة، إلى جانب ارتفاع درجات الحرارة وزيادة معدلات التبخر وتكرار موجات الطقس المتطرف. كما تواجه بعض مناطق وادي النيل تحديات متزايدة مرتبطة بندرة المياه والضغط المتزايد على الموارد المائية.

أما سبل الوقاية، فتشمل تعزيز إدارة الموارد المائية وحمايتها، وتدعيم الحواجز الطبيعية والهندسية للحد من تسرب مياه البحر، والمراقبة الدورية لنوعية المياه الجوفية، إلى جانب التوسع في إعادة استخدام المياه المعالجة في الزراعة بصورة آمنة، باعتبارها أحد المحاور الأساسية للتكيف مع تغيّر المناخ.

كيف يمكن أن يفتح تغيّر المناخ فرصًا اقتصادية جديدة في الزراعة ؟

يرى المهندس هشام عيسى أن تغيّر المناخ، رغم ما يفرضه من تحديات، يمكن أن يتحول إلى محفّز لفرص اقتصادية جديدة إذا جرى التعامل معه من منظور تنموي شامل.

فعلى صعيد الزراعة، يفتح تغيّر المناخ المجال للتوسع في المحاصيل المتكيفة مناخيًا، مثل المحاصيل المقاومة للحرارة والملوحة والجفاف، والبذور المحسّنة أو المنتقاة من بيئات قاسية، وهو ما يخلق فرصًا استثمارية في مجالات إنتاج التقاوي، والبحث الزراعي، والتكنولوجيا الحيوية المحلية.

كما أدى تصاعد المخاطر المناخية إلى تنامي الطلب على أنظمة الري الذكي، والزراعة الدقيقة المعتمدة على البيانات، وتقنيات الاستشعار عن بُعد، وتطبيقات التنبؤ المناخي وإدارة المخاطر الزراعية، بما يتيح فرصًا واسعة أمام الشركات الناشئة والاستثمارات الرقمية.

ويخلص عيسى إلى أن تغيّر المناخ يمكن أن يتحول إلى فرصة اقتصادية استراتيجية إذا جرى التعامل معه باعتباره ملفًا تنمويًا متكاملًا، لا مجرد قضية بيئية، بما يدعم مسارات النمو المستدام على المدى الطويل.