بين القرآن والفقه: كيف دخل العنف إلى مناهجنا؟. حوار مع المستشار ”أحمد عبده ماهر” حول علاقة التراث الفقهي بصناعة التطرف

في ظل تصاعد الجماعات المتطرفة، يفتح المستشار أحمد عبده ماهر، المحامي بالنقض والباحث في الفكر الإسلامي، ملفًا شائكًا يتعلق بالمناهج الدينية والفقه التراثي، معتبرًا أن كثيرًا مما يُدرَّس اليوم باسم الإسلام لا يمتّ لجوهر القرآن بصلة.

■ بدايةً… ما الذي دفعك لإثارة هذا الجدل الآن؟
لأننا ندور في حلقة مفرغة. كلما وقع عمل إرهابي، نستنكر الفعل، لكننا لا نقترب من الجذور الفكرية التي أنتجته. أنا لا أهاجم الدين، بل أدافع عنه، وأرفض اختزال الإسلام في فتاوى قتل صيغت في عصور سياسية دموية.
■ تتحدث عن “فقه دموي”… أليس هذا توصيفًا قاسيًا؟
هو توصيف واقعي لا أكثر. حين نجد في كتب الفقه آراء تنص على قتل المرتد، وقتل الزنديق دون استتابة، وقتل تارك الصلاة، وقتل شاتم الرسول، وقتل المثليين، دون نص قرآني صريح واحد يقرر هذه العقوبات، فنحن أمام فقه يشرعن العنف لا محالة.
■ لكن أنصار هذا الفكر يقولون إن هذه الأحكام محل “إجماع فقهي”؟
كلمة “إجماع” استُخدمت هنا لتكميم العقول. هذه آراء بشرية، نشأت في سياقات سياسية معينة، ثم جرى تعميمها دينيًا. الإجماع لا يكون على ما يخالف نصوص القرآن القطعية، والقرآن واضح في مسألة حرية العقيدة وعدم الإكراه.
■ أين القرآن من كل ذلك؟
للأسف، القرآن هو الغائب الأكبر.
القرآن يقول بوضوح:
«لا إكراه في الدين»
«فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر»
ولا توجد آية واحدة تنص على قتل إنسان بسبب معتقده أو رأيه. الحساب في القرآن أخروي، وليس سيفًا في يد البشر.
■ هل يعني هذا أن السلف الصالح أخطأوا؟
السلف بشر، وليسوا معصومين. عاشوا في عصور حروب وإمبراطوريات، واجتهدوا وفق معطيات زمانهم. الخطأ ليس في اجتهادهم، بل في تقديس هذا الاجتهاد وتحويله إلى دين صالح لكل زمان ومكان دون مراجعة.
■ هناك من يرى أن نقد التراث يفتح الباب للطعن في الدين نفسه؟
هذا خلط متعمد. التراث ليس هو الدين.
الدين وحي، والتراث فهم بشري.
حين نخلط بينهما، نُحوّل الخطأ البشري إلى مقدس، ونغلق باب الإصلاح، ونصنع بيئة مثالية للتطرف.
■ كيف انتقلت هذه الأفكار من الكتب إلى الجماعات المسلحة؟
ببساطة، الإرهابي لا يخترع فكره. هو يقرأ ما دُرّس له، ثم يطبقه حرفيًا دون دولة أو قانون أو سياق. عندما يُقال له إن القتل عبادة، والمخالف كافر، والماضي مقدس، فلا تتعجب حين يحمل السلاح.
■ هل ترى أن المناهج التعليمية تتحمل مسؤولية؟
نعم، مسؤولية غير مباشرة لكنها خطيرة.
عندما نُدرّس الفقه التراثي دون:
سياق تاريخي
نقد علمي
تمييز بين القرآن والاجتهاد
فنحن نُخرّج عقلًا يقبل العنف باسم الدين، حتى لو لم يمارسه بنفسه.
■ ما الحل من وجهة نظرك؟
الحل يبدأ من:
إعادة مركزية القرآن كمصدر أعلى للقيم والتشريع
وقف تدريس فتاوى القتل كأحكام دينية قطعية
تعليم التفكير النقدي لا الحفظ والتلقين
الفصل بين الدين والفقه السياسي التاريخي
هذا ليس هدمًا للدين، بل إنقاذ له.
إذا استمررنا في تدريس العنف على أنه إسلام، فلا يحق لنا أن نسأل من أين جاء الإرهابيون.
الإسلام الذي في القرآن لا يصنع قتلة،
لكن الإسلام الذي يُقدَّم عبر فقه السيف… يفعل.

