ترامب يكسر الخطوط الحمراء.. اعتقال رئيس فنزويلا يشعل أزمة دولية ويهدد دول العالم

ـ خبير عسكري لـ"النهار": اعتقال الرئيس الفنزويلي جريمة دولية ورسالة تهديد أمريكية لكل من يعارض واشنطن
ـ اللواء سمير فرج: أمريكا دهست القانون الدولي في فنزويلا ووجهت إنذارًا ناريًا للعالم
ـ محامية بالأمن القومي الأمريكي لـ«النهار»: اعتقال «ترامب» رئيس فنزويلا خطوة استفزازية وخرق للقانون الدولي
ـ عملية «الاعتقال الصادم» استعراضية أكثر من كونها قانونية، وتحمل مخاطرة غير مسبوقة
ـ دونالد ترامب يغامر بالاستقرار الإقليمي لمكاسب سياسية داخلية
في خطوة غير مسبوقة أثارت جدلاً واسعاً على الصعيد الدولي، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو خلال عملية عسكرية وقائية في العاصمة كراكاس، حيث أُلقي القبض عليه هو وزوجته ونُقلا خارج فنزويلا تمهيداً لمحاكمته في الولايات المتحدة بتهم تشمل الاتجار بالمخدرات والإرهاب.
ـ اللواء سمير فرج: أمريكا دهست القانون الدولي في فنزويلا ووجهت إنذارًا ناريًا للعالم
وفي هذا الإطار، علق اللواء أركان حرب الدكتور سمير فرج، الخبير العسكري والاستراتيجي، على واقعة اعتقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، مؤكدًا أن ما جرى يُعد انتهاكًا صريحًا للحصانة السيادية، باعتبار فنزويلا دولة مستقلة ذات سيادة وعضوًا في الأمم المتحدة، ولا يحق لأي طرف مهاجمتها أو تنفيذ إغارة عليها أو المساس برئيسها، لما في ذلك من مخالفة واضحة لكافة القوانين الدولية.
وأوضح الخبير العسكري، في تصريحات خاصة لـ«النهار»، أن هذه الخطوة تمثل رسالة مباشرة من الإدارة الأمريكية إلى دول أمريكا اللاتينية، التي تُعد في نظر الولايات المتحدة دائرة الأمن القومي المباشر لها، نظرًا لارتباطها الجغرافي والسياسي بها، مشيرًا إلى أن أي اضطراب في تلك الدول ينعكس مباشرة على الأمن القومي الأمريكي، مضيفًأ أن الرسالة مفادها أن الولايات المتحدة قادرة على الوصول إلى أي رئيس أو التدخل عسكريًا إذا لزم الأمر، معتبرًا أن هذه الرسالة موجهة أيضًا إلى إيران، في إطار التحذير والردع.
وأشار إلى أن فرص تدخل أطراف دولية للوساطة شبه منعدمة، نظرًا لأن القرار الأمريكي قد اتُّخذ بالفعل ولن يتم التراجع عنه، متوقعًا إحالة الرئيس الفنزويلي إلى المحاكمة، ومؤكدًا أن اعتراض بعض الدول، مثل فرنسا، لن يتجاوز كونه موقفًا سياسيًا دون تأثير فعلي.
وحول احتمالات التصعيد العسكري، أكد اللواء سمير فرج ، أن الولايات المتحدة لن تُقدم على الانخراط في مستنقع عسكري جديد على غرار فيتنام أو أفغانستان، لافتًا إلى أن الضربة التي نُفذت كانت قوية ومحددة ونجحت في تدمير منظومات الدفاع الجوي.
وبشأن إمكانية تدخل الجيش الفنزويلي، أوضح أن ذلك غير وارد، نظرًا للفارق الكبير في القدرات العسكرية، مشيرًا إلى أن القوات الفنزويلية غير قادرة على مواجهة القوة الأمريكية.
وعن تدخل قوى إقليمية أو دولية، استبعد اللواء سمير فرج هذا الاحتمال، موضحًا أن ردود الفعل الروسية والصينية اقتصرت على الشجب والرفض دون تحرك فعلي، مؤكدًا أن العملية التي نُفذت، رغم قصر مدتها، كشفت عن تفوق أمريكي كبير، سواء من حيث السيطرة السيبرانية أو القدرة على شل البنية التحتية والاتصالات.
وفيما يتعلق بمستقبل الأوضاع الأمنية، أكد فرج أن المنطقة لا تتجه إلى تصعيد أمني غير مسبوق، موضحًا أن الضربة كانت رسالة حاسمة، وأن فنزويلا لن تكون قادرة على الرد خلال الفترة المقبلة.
واختتم الخبير العسكري تصريحاته بالإشارة إلى أن الولايات المتحدة ستُبقي على النائب في الحكم مؤقتًا، مع إرسال لجنة أمريكية لإدارة الشؤون الاقتصادية، بهدف إدخال الشركات الأمريكية، وتطوير البنية التحتية لإنتاج النفط والغاز، بما يحقق انتعاشًا اقتصاديًا ويمنع ارتفاع أسعار النفط عالميًا، مؤكدًا أن السيطرة الأمريكية ستكون اقتصادية بالأساس.
ـ دونالد ترامب يغامر بالاستقرار الإقليمي لمكاسب سياسية داخلية
وفي ذات السياق، قالت السياسية الأميركية ومحامية الأمن القومي في الولايات المتحدة، إيرينا تسوكيرمان، إن الخطوة التي أقدم عليها الرئيس الأميركي دونالد ترامب باعتقال رئيس فنزويلا لا يمكن فهمها بمعزل عن حسابات سياسية داخلية وخارجية معقدة، تتجاوز البعد القانوني المباشر.
وأوضحت «تسوكيرمان» في تصريحات خاصة لـ«النهار»، أن أحد أبرز الدوافع يتمثل في سعي ترامب لتحقيق “لحظة إنجاز حاسمة”، في ملف ظل عالقاً لسنوات دون نتائج ملموسة، رغم العقوبات والضغوط الدبلوماسية. فعملية عالية التأثير تتيح له الادعاء بأنه أنهى حالة جمود فشل الآخرون في حلها، وهو خطاب يلقى قبولاً لدى الناخبين الذين يفضلون الحسم على السياسات الطويلة والمعقدة.
وأضافت أن الدافع الثاني يرتبط بالرسائل الداخلية حول الجريمة والمخدرات وأمن الحدود، إذ دأب ترامب على ربط فنزويلا بتهريب المخدرات وعدم الاستقرار، ما يسمح بتسويق العملية كإجراء لحماية الأمن الداخلي الأميركي. كما أشارت إلى بعد رمزي آخر يتعلق بإعادة تأكيد الهيمنة الأميركية في نصف الكرة الغربي، عبر استدعاء خطاب “مبدأ مونرو” وتوجيه رسالة إلى الخصوم والحلفاء على حد سواء.
وحول الإطار القانوني، أكدت «تسوكيرمان» أن الخطوة تظل محل نزاع قانوني واسع، نظراً لأن القانون الدولي يقيّد استخدام القوة داخل أراضي الدول الأخرى، ولا يتيح ذلك إلا في حالات استثنائية ضيقة مثل الموافقة الصريحة أو الدفاع عن النفس. أما على الصعيد السياسي، فرأت أن العملية تعزز صورة ترامب كـ“زعيم قوي” لدى أنصاره، لكنها في المقابل تمنح خصومه مادة لاتهامه بالاستهتار بالقانون الدولي وفتح الباب أمام تدخلات محفوفة بالمخاطر.
وأوضحت التأثير الحقيقي لهذه الخطوة سيُقاس بنتائجها على الأرض، سواء داخل فنزويلا أو على صورة الولايات المتحدة إقليمياً ودولياً.
خبير اقتصادي «النهار»: صدمة سياسية-مؤسسية محتملة في فنزويلا وانعكاساتها على النفط والأسواق الناشئة
ومن الناحية الاقتصادية، قال الدكتور مدحت نافع، الخبير الاقتصادي وعضو ومنسق لجنة الاقتصاد الكلي بالمجلس الاستشاري لرئيس الوزراء، إن الاقتصاد العالمي يمر بمرحلة تتسم بسيولة مرتفعة وضبابية وعدم يقين، وهو ما ينعكس على أداء الأسواق بشكل مباشر، لكن بوتيرة هادئة نسبيًا في الأجل القصير، مدعومة بإجازات نهاية الأسبوع والأعياد التي تساعد على امتصاص الصدمات، إلى جانب ردود أفعال أوروبية مواتية للخطوات الأمريكية وتطورات المشهد الداخلي في فنزويلا.
وأوضح «نافع» في تصريحات خاصة لـ«النهار»، أن إحياء الإدارة الأمريكية الحالية لمبدأ «مونرو» بصيغة صدامية قد يعرّض الاقتصاد الفنزويلي لصدمة مركّبة، تجمع بين فراغ سياسي وتشديد مرحلي للعقوبات واضطراب مؤسسي، بما يعمّق الانكماش الاقتصادي ويقوّض الثقة في العملة والقطاع المصرفي، مرجّحًا تسارع التضخم وتراجع الإنتاج.

وفيما يتعلق بأسواق الطاقة، أشار إلى أن أسعار النفط قد لا تشهد قفزات فورية إذا عُوِّضت الإمدادات من منتجين آخرين، إلا أن المخاطر الصعودية تظل قائمة حال تعطل صادرات فنزويلا أو إعادة هيكلتها تحت إدارة خارجية، مع احتمال تقلبات أشد إذا تزامنت الأزمة مع توترات جيوسياسية أوسع. وأضاف أن تأثير الأزمة على أسواق الغاز غير مباشر لكنه حاضر عبر قنوات تسعير الطاقة والمخاطر.
وتوقع «نافع» تأثر الاستثمارات الأجنبية سلبًا على المدى القصير بفعل عدم اليقين، مع إمكانية عودة انتقائية لاحقًا إذا فُرض مسار سياسي جديد مصحوب بضمانات للملكية والعقود. إقليميًا، حذّر من انتقال عدم الاستقرار إلى أمريكا اللاتينية عبر قنوات التجارة والتمويل، فيما اجتماعيًا قد تتفاقم موجات النزوح الاقتصادي، لتتحول الأزمة إلى اختبار لقدرة النظامين الإقليمي والدولي على احتواء الصدمات.

