النهار
جريدة النهار المصرية

تقارير ومتابعات

تزامناً مع الاحتفال بالمولد النبوي الشريف.. الجازولية تحتفل باليوبيل الماسي لإنشائها

أمير أبو رفاعي -

على قدم وساق وتزامناً مع احتفالاتها بالمولد النبوي الشريف، لهذا العام تجري استعدادات الطريقة الجازولية الحسينية الشاذلية للاحتفال باليوبيل الماسي لإنشائها -مرور 75 عاما- علي يد القطب الغوث سيدي جابر الجزولي رضي الله عنه، يوم الثلاثاء، ٢ سبتمبر 2025.

واكد شيخ الطريقة الجازولية الحسينية، عضو المجلس الأعلى للطرق الصوفية، الشيخ سالم جابر الجازولي، أن تزامن احتفال الطريقة بالمولد النبوي الشريف مع احتفال الطريقة باليوبيل الماسي لها يجعل من الاحتفال هذا العام احتفالاً له طابع خاص، فاحتفالنا بمولد أشرف الخلق ومن تبعه - إشارة إلى مؤسس الطريقة الشيخ جابر الجازولي- يضعنا في بؤرة الانوار والنفحات وفي ذات الوقت يذكرنا بمسئولية التخلق بأخلاق المصطفى ومن تبعه من عباد الله وأوليائه الصالحين لنسير على نفس الدرب وبذات النهج الذي يرتقي بأقوالنا وأفعالنا سراً وعلانية.

من هو الإمام جابر الجازولي؟

هو سيدي جابر حسين أحمد الجازولي والذي ينتهي نسبه الي جعفر الصادق بن سيدي محمد الباقر بن سيدنا علي زين العابدين بن سيدنا الحسين بن علي، زوج السيدة فاطمة الزهراء بنت أشرف خلق الله سيدنا رسول الله.

نشأته، ولد رضي الله عنه، 25 أكتوبر 1913م ـ 13 ذي القعدة 1331- وأسمته والدته “جابر” عندما رأت في الرؤيا سيدي جابر الأنصاري المدفون بالإسكندرية يقول لها “في بطنك جابر”.

ومنذ مهد صباه ظهرت عليه علامات الولاية وحمل مشاعل الهداية والدعوة للتصوف الإسلامي في عصر كثرت فيه التيارات الفكرية، وازدحمت الساحة بالدخلاء والمبتدعين، فأخذ علي عاتقه ببساطة الأسلوب وصدق التوجه ونقاء السريرة وطهارة اليد والعفة، مسئولية الدعوة إلي حب الله محبة خالصة بعيدة عن العلل والأوهام.

واستمد في دعوته من الحضرة المحمدية جوهر الدعوة الإسلامية (ألا لا إيمان لمن لا محبة له)، ودعا إلي التصوف تحت شعار (التصوف هو ممارسة الإسلام كدين) وقال: (إننا ندعو إلي التصوف الذي يري الحياة جمالا وكمالا وعملا).

وهكذا رأى محبو التصوف في الإمام جابر الجزولي ما كانوا ينتظرونه من أئمة التصوف، من بصيرة نافذة ورؤية ثاقبة وفكر مستنير، فأضحي قنديلا وضميرا للتصوف في طور عاصف من أطوار تاريخه.

كان مؤسس الطريقة الجازولية، ذي شمائل وصفات تأسر القلب والروح معا، فكان يتميز بالسماحة ولين الجانب، يتصف بالجود الذي بلغ مداه، يرتدي ثوب المهابة والوقار، تظهر عليه علامات الخشوع لله. يجمع في صفاته بين جمال الروح وكمال العقل، ذي أدب جم، لا يخاطب أحبابه إلا بكلمة أخ، يحنو علي الصغير ويوقر الكبير، يحترم العالم ورجل الدين ويتواضع للجميع.

لم يكن القطب سيدي جابر الجازولي مجرد مرب روحي، بل كان أبا وأخا وصديقا لكل مريديه وأحبابه. فلم يكن يغادر مجلسه حتى يستمع إلي حاجة كل منهم ويناقشهم في أمور دنياهم ودينهم، ويعاونهم علي اختيار ما يصلح لهم من أمور الدنيا والدين.

ساند الضعيف، وقف بجانب المحتاج وواسي اليتيم، مسح دمعة الحزين، شجع التفوقين في دراستهم، حفز العاملين لما ينفع الوطن والدين.

كان في سفره من أجل نشر دعوة الطريقة الجازولية إلي حب الله، قليل النوم، قليل الطعام، كثير العبادة والذكر والسهر، لا يأكل طعاما قبل أن يأكل أحبابه، ولا يشرب إذا عطش أحبابه ولا ينام في سفره إلا إذا اطمأن علي أماكن مبيت أحبابه، يعطي ولا يأخذ، مؤمنا وموقنا بحديث جده سيدنا رسول الله (اليد العليا خير من اليد السفلي).

كان عاشقا للحكمة مولعا بها، دمث الخلق وكريم الطباع، يزيده التواضع رفعة، لبق الحديث يديره بمهارة فائقة، يشرح مفاهيم التصوف شرح الخبير بأصوله وفروعه في بيان فياض وقوة وحجة، حتى إنه ليرغم مستمعيه علي الإنصات التام ويجتذب قلوب جلسائه نحو بيانه وحديثه حتى امتد تأثيره إلي جميع المستويات الفكرية والثقافية.

عبقرية الإمام الجزولي في الدعوة الصوفية، وصفه كثير من المتابعين للتصوف بأنه صاحب العبقرية (عبقرية الدنيا وعبقرية الآخرة) فكانت مقوماته في دعوته للتصوف ليست الكلمة فحسب، بل زاد عليها دفاعا عمليا بأن أوجد علي الساحة الصوفية فئة جديدة تطبق المفاهيم الصوفية الإسلامية بطريقة لا يمكن أن ينكرها عقل أو يرفضها ذوق، فقدم للتصوف طريقته الجازولية التي أصبحت مفخرة للتصوف ووساما يضعه التصوف علي صدره، فإذا نظرت إلي أبناء طريقته في حضراتهم أو مسيراتهم تجدهم وحدة واحدة في الملبس والحركة والذوق الصوفي الرفيع، وإذا استمعت إلي إنشادهم كأنك تستمع إلي أصوات ملائكية بألحان سماوية.

وكان الإمام جابر الجزولي يؤكد أنه لا حقيقة بدون شريعة ولا شريعة بدون حقيقة، وأن تقوي الله هي الأقوى في الوصول إليه. وأكد أن كل علم من علوم الدنيا يحتاج إلي علم التصوف، كما قال (إن التاجر في متجره والصانع في مصنعه والطالب في مدرسته، الكل يعمل وهو يعلم اليقين بأن الله يسمعه، كما يعلم أن الله هو الرزاق واهب الحياة).

وكان يؤكد علي الصحبة والأخوة، ويقول (الولاية ليست أن تطير في الهواء أو تمشي علي الماء ولكن الولاية أن توجد لك أخا في الله) وقال في حكمته (وألف إن رأيت واصحبه وإن لم يكن بك نسيب)،

ولأنه يعلم أن التصوف ليس مجرد فلسفة تتوارثها الأجيال بل هو أخلاق وسلوك وبوتقة تنصهر فيها هذه الفلسفة حتى تظهر في قالب عملي، لذلك لم يتفرغ لكتابة الكتب ولكنه كتب بعض الرسائل والحكم التي يستعين بها مريدوه في طريقهم وسلوكهم إلي الله، وكذلك بعض القصائد التي تبين حال الشيخ ومقامه في صورة سهلة تعين السالك علي معرفة أحوال القوم، فكانت كلماته ولا زالت مصابيح هدي لمن أراد سلوك التصوف.

فلسفته في التربية الصوفية، كان الإمام الجزولي يري “أن التصوف ليس زهدا في الحياة وهروبا منها كما يفهم البعض ولكنه فلسفة حياة يثريها وينميها”، ويقول في احدي رسائله (لقد أطلق الإسلام الجانب الروحي في كل حياة الإنسان في عمله وعبادته، فالتصوف هو الأريج المنبعث من الزهرة الإسلامية المتفتحة اليانعة، لذا كان التصوف هو الطريق إلي السلام وهو الطريق إلي الحب وهو الطريق إلي الله).

وقد جذبت مفاهيمه وآراؤه في التصوف الكثير من الناس فجلس أمامه وفي حضرته الأستاذ الجامعي والطبيب والمهندس والمحامي والعامل والمزارع، الكل سواسية لا فرق بينهم إلا في الأخلاق فمن زاد عليك خلقا زاد عليك تصوفا.

كل ما تعلمه الإمام جابر الجزولي مارسه تحقيقا ويقينا وسلك كل دروبه بمعرفة، وآمن أن التصوف ليس لبس المرقعات، وغيبة العقل، وانفصال عن الحياة، ولذلك حارب منذ صباه هذه المظاهر التي أخذت علي التصوف وهو منها براء، ذلك لأنه آمن أن التصوف نظيف وأن نظافة الباطن لابد لها من نظافة في الظاهر.

كذلك نبذ الإمام جابر الجازولي الأفكار التي أساءت للتصوف من أفعال وأقوال لا تمت إلي التصوف بل لا تمت إلي الإسلام في شئ. وكانت سيرة سيدي أبي الحسن الشاذلي هي القدوة التي استنار بها والمنهج الذي سار عليه والذي اختاره لطريقته حيث كان الإمام الشاذلي يرتدي أفخر الثياب ويمتطي خير الجواد فرأي الإمام جابر الجزولي في هذا المنهج بعدا عن التسول وهجرا للخلوات وجهادا في الحياة.

وهكذا دعا الإمام جابر الجزولي إلي تصوف أبيض من غير سوء “بياض في الثياب ـ بياض في اليد ـ بياض في القلب ـ وصفاء في السريرة”.

وكانت حياته سلسلة من الجهاد المتواصل في طريق الدعوة إلي الله، فكم جال البلاد لينشر دعوة آمن بها وعاش من أجلها دعوة الحق “لا إله إلا الله محمد رسول الله” خير ما قيل وما يقال إلي يوم القيامة، وهي الدعوة التي ظل يدعو بها طيلة حياته.

كان الإمام جابر الجازولي يحث أبناءه دائما ويدلهم علي طريق الحق والحريةـ فحرية الصوفي كما عرفها الجزولي “هي مطلبه الأسمى مطلب الرجال الذين ولدتهم أمهاتهم أحرارا الذين لم تلههم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، والحرية عند الصوفي هي مطلبه الأسمى الذي يعمل له ويفني فيه”.

وطريق الحرية محفوف بالمكاره والعقبات فمن تخطي ذلك كان حريا أن يكون حرا، والحرية كما يراها الإمام جابر الجازولي هي “التحرر من أسر الشهوات ومطالب العادات والصوفي الحر هو الذي كملت فيه أخلاقه وسلوكه غير معاتب علي شئ ولا مجادل في شئ لا يملك ولا يملك”. والحرية لها رشحات في إناء البشرية من العلم والحلم والأخلاق، فإذا ظهر ذلك علي إنسان فهذا هو الصوفي الذي صدق في تصوفه وانصرف بكليته إلي مولاه فلا فظاظة في اللسان ولا غلظة في القلب”.

هكذا شق الجازولي طريقه في خضم الحياة وأرسي قواعد تصوفه علي أنه فلسفة حياة يثريها وينميها ووضع تعاريف جديدة للتصوف وللصوفي فقال: “إن التصوف هو التحرر من أسر الشهوات ومطالب العادات” وعرف الصوفي بأنه “هو الذي لا تؤثر فيه عادة ولا تستهويه سيادة، محبا ومحبوبا، طالبا ومطلوبا”.

وفاته، عاش من العمر 79 عاما قضاها داعيا إلي الله حتى اختاره الله إلي جواره ٨ أكتوبر 1992 ـ 11 ربيع الآخر 1413هـ، وترك كنوزا من المعارف الربانية، وآدابا صوفية في صورة أحباب الطريقة الجازولية.


ويأتي الاحتفال باليوبيل الماسي لإنشاء الطريقة الجازولية، حيث يقوم شيخ الطريقة الحالي د. سالم جابر الجزولي، في مثل هذه الاحتفالات بتكريم حفظة القرآن الكريم من الشباب، كما يقوم بتكريم أسماء المتوفين من أبناء الطريقة حتي يتذكر الجميع من سبقوهم علي الإيمان. ولا يقتصر الاحتفال علي ذلك فحسب ولكن يقوم شيخ الطريقة بإجراء مسابقات في حفظ القرآن والشعر والإنشاد بين أبناء الطريقة.