كيف اتخذت إسرائيل من أحداث سوريا سبباً لتدخلاتها غير المُبررة؟

حدد محمد فوزي، باحث بوحدة الدراسات العربية والإقليمي بالمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، طبيعة وحيثيات التصعيد الإسرائيلي الأخير في سوريا، موضحة أنه خلال الأيام الماضية برزت العديد من المؤشرات المهمة، التي عبرت إجمالًا عن نمط من التصعيد الكبير وغير المسبوق ربما من قبل إسرائيل تجاه الجبهة السورية، منذ الإطاحة بنظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد، ويُلاحظ في هذا السياق أن إسرائيل تمرر العديد من السرديات التي تحاول من خلالها إضفاء مسببات ومسوغات لاستهدافها الأراضي السورية، على غرار الحيلولة دون انتقال «الأسلحة» إلى أيدي «المتشددين»، و«حماية حدودها»، و«حماية الطائفة الدرزية ورعايتها»، فضلًا عن التخوفات من النفوذ التركي.
وفق تحليل لـ «فوزي»، فإن أبرز مؤشرات التصعيد الإسرائيلي الأخير في سوريا أتت بهدف تفكيك الدولة السورية، إذ صرح وزير المالية الإسرائيلي ورئيس حزب الصهيونية الدينية بتسلئيل سموتريتش في كلمة له منذ أيام بأن إسرائيل لن تنهي الحرب إلا بعد تحقيق بعض الأهداف الاستراتيجية، وخصوصًا التخلص من حماس، وتهجير مئات مئات الآلاف من الفلسطينيين، وإنهاء التهديد النووي الإيراني، وإعادة المختطفين لدى حماس، وتفكيك سوريا، مضيفًا أن إسرائيل يجب أن تخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر ازدهارًا وفق تعبيره.
بحسب تحليل «فوزي»، فإن طرح «تقسيم سوريا» هو فكرة قديمة متجددة في الفكر الإسرائيلي ويُلاحظ في هذا السياق أن كافة أطروحات التقسيم الإسرائيلية تجاه سوريا جمعت مسألة الحدود الجغرافية بمسألة الأقليات الإثنية والعرقية خصوصًا الأقليات الكردية والدرزية، وهو أمر يرتبط ربما بخصوصية الحالة الإسرائيلية التي تعد أحد الأمثلة على تداخل الحدود السياسية الجغرافية والحدود الثقافية، حتى أن العديد من الدراسات التي تناولت نشأت الاحتلال الإسرائيلي تذهب إلى أن إسرائيل قامت بتحديد حدودها الإثنية قبل حدودها السياسية الجغرافية، من منطلقات ومزاعم توراتية تمحورت حول أرض إسرائيل وإسرائيل الكبرى، ولمتطلبات براجماتية فرضتها موازين القوى الدولية ومتغيرات الصراع في فلسطين وعليها. ومن هنا بدأت إسرائيل منذ عقود في تبني نهج ومفهوم «الحدود الإثنية».
ضمن حيثيات التصعيد أيضاً، وفق الباحث محمد فوزي، هي تصعيد عسكري إسرائيلي كبير، إذ بدأ الجيش الإسرائيلي منذ ليلة 2 مايو 2025، في تبني أنماط مختلفة من التصعيد العسكري في سوريا؛ حيث أعلن أنه شن غارات جوية على منطقة مجاورة للقصر الرئاسي في دمشق، وبدوره قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في اليوم ذاته إن إسرائيل هاجمت هدفًا قرب القصر الرئاسي في العاصمة السورية دمشق، مجددًا تعهده بحماية أبناء الأقلية الدرزية.
وفي سياق التصعيد العسكري الإسرائيلي أفاد «تلفزيون سوريا» في الجمعة 2 مايو 2025، بأن طائرة مُسيّرة إسرائيلية قتلت 4 أشخاص في محافظة السويداء، بعد أن حاولوا إسقاطها، وشهدت الليلة نفسها العديد من الغارات الإسرائيلية على عدد من المناطق السورية، أحصتها بعض التقارير بأنها 18 غارة، كان ثمانٍ منها في العاصمة السورية دمشق. ليُعلن الجيش الإسرائيلي بعدها في 3 مايو 2025، أنه منتشر في الجنوب السوري، وعلى استعداد لمنع ما وصفها بـ «القوات المعادية» من الدخول أو الانتشار في مناطق الجنوب.
وبالنسبة لـ «الدروز»، ذكر الباحث، أن أقلية «الدروز» حضرت بشكل كبير في الخطاب الإسرائيلي خلال الأيام الماضية، وتجسد ذلك بشكل فج في عدد من المؤشرات؛ ومنها التظاهرات التي خرجت في إسرائيل للمطالبة بحماية الطائفة الدرزية في سوريا، كذلك عقد الشيخ موفق طريف، الزعيم الروحي للدروز في إسرائيل، سلسلة من الاجتماعات والاتصالات مع المسئولين الإسرائيليين، بما في ذلك اجتماع أمني طارئ مع قائد المنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي، طالب فيه بضمان «حقوق وكرامة» الدروز في سوريا.
بالإضافة لذلك أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في رسالة مشتركة مع وزير دفاعه يسرائيل كاتس أن إسرائيل لن تسمح للقوات «السورية» بالانتشار جنوب دمشق أو بتشكيل أي تهديد للدروز، معتبرًا أن الهجمات الإسرائيلية الأخيرة جاءت لحماية الطائفة الدرزية.
في جلسة تقييم أمني للوضع في سوريا بمشاركة نتنياهو وكاتس ووزيري الخارجية جدعون ساعر والشئون الاستراتيجية رون ديرمر إلى جانب رئيس جهاز الشاباك رونين بار وكبار قادة الأجهزة الأمنية، قررت إسرائيل إبقاء الجبهة السورية ضمن أولوية أجندتها الأمنية في المنطقة، ونوقشت خطط عدة لمواجهة ما سمتها إسرائيل نشاطات التنظيمات المعادية لها، والتي تهدد وحداتها العسكرية المنتشرة في سوريا ومنطقة الحدود إلى جانب سبل التعامل مع حماية دروز سوريا.
وإلى جانب ذلك كان المجلس الوزاري الأمني المصغر في إسرائيل قد قرر فتح الحدود أمام المصابين الدروز للعلاج في المستشفيات الإسرائيلية ونقل في أقل من 24 ساعة 11 درزيًا مصابًا إلى مستشفى «زيف» في صفد لتلقي العلاج. وهي كلها مؤشرات تكشف تصاعد وتيرة التوظيف الإسرائيلي لملف الدروز كأحد الاعتبارات الرئيسية التي تستند إليها تل أبيب في تبرير عملياته وتحركاتها في سوريا.