«الكلو بامية» و«سرب النسايب».. حكايات من سماء أكتوبر يرويها البطل محسن فرح لـ«النهار»
«الكلو بامية» و«سرب النسايب».. حكايات من سماء أكتوبر يرويها البطل محسن فرح لـ«النهار»
من تجهيز أطقم الطائرات إلى مواجهة «الفانتوم».. المقدم محسن فرح يستعيد ذكريات الحرب ورجالها
جندي يرفض البقاء في الاحتياط ويصر على المشاركة في القتال.. ومواقف إنسانية من حياة الضباط والمجندين
كتب: جمال عبد المنعم
لم يكن الجندي سيفين فخري عازر يريد الابتعاد عن المعركة، بل كان غاضبًا لأنه لن يشارك فيها بعدما اختير ضمن القوة الاحتياطية، وحين أصر على اللحاق بزملائه، انتهى الموقف إلى الاستعانة بلعبة شعبية يعرفها المصريون باسم «الكلو بامية» لاختيار عدد من الجنود الذين سيصعدون إلى الطائرات، في مشهد ظل حاضرًا في ذاكرة المقدم محسن محمد فرح، أحد المشاركين في حرب أكتوبر 1973، إلى جانب حكايات أخرى عن طائرات واجهت الموت في السماء، وجنود جمعتهم علاقات المصاهرة حتى اشتهر أحد أسرابهم باسم «سرب النسايب»
هذه التفاصيل التي قد تبدو بعيدة عن ميادين القتال لم تكن في نظر محسن فرح أقل أهمية من مشاهد المعارك، فالرجل الذي تولى تجهيز أطقم الطائرات بالمعدات اللازمة لتنفيذ مهامهم، عاش قريبًا من لحظات الاستعداد للإقلاع، وعرف أسماء رجال كانوا ينتظرون أوامر التحرك، دون أن يضمن أحد منهم العودة
داخل منزله بمحافظة بني سويف، استقبل فرح، الحاصل على نوط الواجب العسكري من الطبقة الأولى، «النهار» ليروي جانبًا من ذكرياته مع القوات الجوية، مستعيدًا أسماء زملائه وأرقام الطائرات التي ارتبط بها خلال خدمته، ومواقف إنسانية بقيت في ذاكرته رغم مرور أكثر من نصف قرن على الحرب
ولأن تلك الحكايات لم تبدأ يوم السادس من أكتوبر، يعود فرح إلى هزيمة يونيو 1967، التي تركت أثرًا عميقًا في نفوس العسكريين والمصريين، قبل أن تتحول السنوات التالية إلى مرحلة من التدريب الشاق وإعادة بناء القوات المسلحة وتنويع مصادر التسليح، استعدادًا لمعركة استرداد الأرض
ويقول إن التدريب لم يعد يحتمل التهاون أو إهدار الوقت، حتى إن المهمة التي كانت تستغرق خمس دقائق أصبح مطلوبًا إنجازها خلال أربع دقائق، في إطار رفع كفاءة الأفراد وقدرتهم على تنفيذ الأوامر بدقة وسرعة، موضحًا أن استعادة الثقة لم تتحقق بالكلمات، وإنما بالعمل والتدريب المتواصل
وكانت آثار الهزيمة حاضرة خارج المعسكرات أيضًا، مع الغارات الإسرائيلية على العمق المصري، ومنها الهجوم على مصنع أبو زعبل ومدرسة بحر البقر، فضلًا عن تهجير أعداد كبيرة من سكان مدن القناة، وهي مشاهد يقول فرح إنها زادت إصرار الجنود والضباط على استعادة سيناء وإنهاء الاحتلال
ورغم الاستعدادات التي استمرت سنوات، ظل موعد الحرب محاطًا بسرية شديدة، حتى إن كثيرًا من أفراد القوات المسلحة لم يكونوا يعرفون متى ستبدأ العمليات، ومن بينهم فرح نفسه، الذي يتذكر ما جرى تداوله قبل المعركة عن سفر مجموعة من الضباط لأداء العمرة وتسريح دفعة من المجندين، باعتبارها من إجراءات الخداع والتمويه التي سبقت ساعة الصفر
ومع بدء الحرب، انتقلت سنوات التدريب إلى اختبار حقيقي، وأصبح على كل فرد تنفيذ مهمته وسط ظروف لم يعد فيها مجال للخطأ، وكان نصيب فرح أن يعمل على تجهيز أطقم الطائرات ومعداتها، قبل انطلاقها لتنفيذ العمليات المكلفة بها
ومن بين الطائرات التي لم تغب عن ذاكرته، الطائرة رقم 1009، التي يقول إنه كان مسؤولًا عن تجهيزها، ولا يزال يتذكر أسماء من ارتبطوا بها، ومنهم الملازم أول مهندس حمزة محمد علي النجار، والنقيب طيار محمود عبد المنعم خاطر، والنقيب طيار السيد عبد العزيز علي
ولم تكن الأسماء مجرد أرقام في تشكيل عسكري، كما يوضح فرح، بل زملاء عرفهم واقترب منهم في أوقات الاستعداد والانتظار، حين كان الجميع يدرك أن المهمة قد تنتهي بالنصر أو الشهادة
وفي أجواء الاستعداد لإحدى المهام الجوية، وقعت حكاية الجندي سيفين فخري عازر، الذي لم يتقبل قرار وضعه ضمن الاحتياطي، وطلب من قائده السماح له بالمشاركة مع زملائه الذين يستعدون للصعود إلى الطائرات
ويحكي فرح أن القائد حاول توضيح أهمية وجود قوة احتياطية، لكن الجندي ظل متمسكًا بطلبه، حتى تقرر اختيار المشاركين من بين الجنود باستخدام لعبة «الكلو بامية»، وهي من ألعاب العد الشعبي التي يعرفها المصريون
وجرى الاختيار، بحسب روايته، من مجموعات تضم كل منها ثلاثة جنود، ليقع الاختيار على واحد منهم بعد انتهاء العد، ويُسجل اسمه ضمن القوة المشاركة، حتى يكتمل العدد المطلوب لكل طائرة، والذي بلغ نحو 24 جنديًا
كان المشهد بالنسبة إلى فرح تعبيرًا عن طبيعة الروح التي سادت بين الجنود، فلم يكن الخلاف على من سيبقى بعيدًا عن الخطر، وإنما على من سيحصل على فرصة المشاركة في المهمة، رغم ما تحمله من احتمالات الإصابة أو الموت
ولم تكن عمليات نقل الجنود وإنزالهم خلف خطوط العدو مهمة سهلة، خصوصًا مع دخول المعارك مراحلها الليلية، إذ يوضح فرح أن بعض الطائرات كانت تحمل تجهيزات لإلقاء مشاعل ضوئية تساعد على كشف مناطق الهبوط وتحديد مواقعها لأطقم الطيران، قبل أن تنطفئ بعد فترة محددة
ومن عمليات الإبرار الجوي إلى المواجهات مع المقاتلات الإسرائيلية، ينتقل فرح إلى واحدة من الوقائع التي ظلت عالقة في ذاكرته، حين واجهت مروحية مصرية مقاتلة من طراز «فانتوم»، في اشتباك غير متكافئ بين طائرة مخصصة أساسًا لنقل القوات وتنفيذ مهام الإبرار، ومقاتلة نفاثة تمتلك سرعة وقدرات قتالية أكبر
ويربط فرح هذه الواقعة في ذاكرته بالطائرة رقم 1025، مستعيدًا مشهد الاشتباك الذي انتهى بسقوط المقاتلة الإسرائيلية، وهي الحكاية التي وردت أيضًا في شهادات منشورة لطيارين شاركوا في حرب أكتوبر، ونسبت إسقاط «الفانتوم» إلى الطيار أحمد لطفي هلال، قائد إحدى المروحيات المصرية من طراز «مي-8»
وبحسب شهادة منشورة للواء طيار محمد صلاح عارف، وقعت المواجهة عندما اقتربت المقاتلة الإسرائيلية من المروحية المصرية، فأطلق أحمد لطفي هلال صواريخ طائرته في اتجاهها، ما أدى إلى إصابتها وسقوطها، رغم أن هذه الصواريخ كانت مخصصة في الأساس لمهاجمة الأهداف الأرضية
وتتضمن الشهادة إطلاق 64 صاروخًا خلال المواجهة، وهي التفاصيل التي يستحضرها فرح بوصفها أحد المشاهد الاستثنائية في معارك القوات الجوية، خصوصًا أن طائرات الهليكوبتر كانت تواجه تحديات كبيرة أثناء نقل القوات وإنزالها خلف خطوط العدو، في ظل محاولات الطيران الإسرائيلي اعتراضها
ولم تكن هذه الواقعة وحدها ما بقي في ذاكرته، إذ يتذكر طائرة أخرى كانت كثيرة الأعطال قبل الحرب، حتى إن بعض أفراد الوحدة فقدوا الثقة في قدرتها على تنفيذ المهام، لكنه يؤكد أنها شاركت في العمليات القتالية، ويروي أنها تمكنت من إسقاط طائرتين إسرائيليتين، في واقعة يقول إنه تابعها من موقع خدمته
وبين أسماء الطيارين وأرقام الطائرات ومشاهد الاشتباكات، لا ينسى فرح الجانب الآخر من حياة القوات الجوية، حين كان الضباط والجنود يتشاركون تفاصيل الحياة اليومية، وتتجاوز علاقتهم حدود العمل العسكري إلى روابط اجتماعية وعائلية استمرت لسنوات
ومن بين تلك الحكايات ما يرويه عن أحد الأسراب الجوية الذي اشتهر بين أفراده باسم «سرب النسايب»، بعدما جمعت علاقات المصاهرة عددًا من الضباط والعاملين فيه، حتى أصبح الاسم متداولًا بينهم
ويوضح أن أحد العاملين في تخصص اللاسلكي، على سبيل المثال، كان متزوجًا من شقيقة زميل له يعمل في تخصص الكهرباء، وأن مثل هذه العلاقات تكررت بين أفراد السرب، لتتحول الزمالة العسكرية إلى صلات عائلية جعلت الاسم الطريف جزءًا من تاريخهم الشخصي
ومن العلاقات التي جمعت أفراد الأسراب ينتقل فرح إلى مواقف إنسانية يتذكرها للفريق أحمد شفيق، رئيس الوزراء الأسبق وأحد قادة أسراب القوات الجوية خلال حرب أكتوبر، مؤكدًا أنه كان يهتم بالمناسبات الاجتماعية للعاملين معه، ويحرص على مشاركة الضباط والجنود أفراحهم وأحزانهم
ويستعيد موقفًا لأحد المجندين الذي غاب عن وحدته بعد انهيار منزله، ثم حضر ليشرح لقائده أن ملابسه ومتعلقات أسرته أصبحت في الشارع، وأنه لم يتمكن حتى من العثور على زيه العسكري للحضور في الموعد المحدد
ولم يكن المجند يطلب سوى الحصول على إذن للعودة إلى بلدته ومحاولة تدبير مكان تقيم فيه أسرته، لكن شفيق، بحسب رواية فرح، قرر مرافقته إلى المحافظة والتواصل مع المحافظ لتوفير مسكن بديل له من الوحدات المخصصة لحالات الإخلاء العاجل
ويقول إن المجند حصل على شقة في اليوم نفسه، قبل أن يطلب منه شفيق ترتيب أوضاع أسرته والعودة إلى وحدته بعدما يطمئن عليهم، مستعيدًا عبارته له «اضبط حالك ومنتظرك تيجي بالسلامة»
ولم يكن ذلك الموقف منفصلًا عما يرويه فرح عن اهتمام شفيق بالتكافل بين أفراد القوات الجوية، إذ يشير إلى إنشاء صندوق للزمالة بهدف مساعدة المحتاجين من الضباط والجنود، مؤكدًا أن الصندوق استمر لأكثر من 15 عامًا
ويرى فرح أن مثل هذه المواقف تكشف جانبًا لا يظهر كثيرًا في الروايات العسكرية، فخلف كل طائرة تستعد للإقلاع كانت هناك أسر تنتظر عودة أبنائها، وضباط وجنود تجمعهم علاقات إنسانية، لا تنتهي بانتهاء المهمة أو مغادرة الوحدة
ومع اقتراب الحديث من نهايته، يعود إلى الدور الذي أدته القوات الجوية في الضربة الأولى يوم السادس من أكتوبر، بقيادة اللواء طيار محمد حسني مبارك آنذاك، مشيدًا بما قدمته مختلف تشكيلات القوات المسلحة، وبالدور الذي لعبه أهالي سيناء في مساندة الجيش المصري خلال سنوات الحرب
ولا يفصل فرح بين انتصار أكتوبر واستكمال استعادة الأرض، إذ يستعيد يوم 19 مارس 1989، حين رُفع العلم المصري فوق طابا بعد معركة التحكيم الدولي التي انتهت بصدور الحكم لصالح مصر في سبتمبر 1988، باعتباره محطة أخيرة في رحلة استعادة سيناء
وبينما يستحضر كلمات أغنية «عبرنا الهزيمة يا مصر يا عظيمة»، يعود إلى يونيو 1967 مرة أخرى، مؤكدًا أن الهزيمة كانت نقطة تحول دفعت القوات المسلحة إلى إعادة البناء والتدريب والإعداد، حتى تمكنت من عبور قناة السويس وتحطيم التحصينات الإسرائيلية على الضفة الشرقية خلال حرب أكتوبر
وبعد أكثر من نصف قرن، لا تزال الحرب حاضرة في ذاكرة محسن فرح بأسماء رجالها قبل تفاصيل معاركها، يتذكر الطائرة التي كان يجهزها، والجندي الذي أصر على القتال، والمجند الذي وجد قائده إلى جواره عندما انهار منزله، وحكايات «سرب النسايب» التي جمعت العسكريين خارج الميدان، وكأن السنوات الطويلة لم تفصل بينه وبين زملائه الذين شاركوه تلك الأيام، فبقيت ذكرياتهم حاضرة لديه، حتى بعدما انتهت الحرب وعاد كل منهم إلى حياته





.jpg)

.png)












.jpg)
.jpeg)

.jpg)






