من محادثات الذكاء الاصطناعي إلى محاضر الشرطة.. من يستطيع الاطلاع على أسرار المستخدمين؟
تهديدات عبر «كلود» تنتهي ببلاغات أمنية واعتقالات في أمريكا.. و20 مليون محادثة مع «ChatGPT» تدخل نزاعًا قضائيًا بشأن حقوق النشر
استخدمت امرأة أمريكية روبوت الذكاء الاصطناعي «كلود» كدفتر يوميات، وكتبت داخله تهديدات بمهاجمة مقر للشرطة، قبل أن تشير في رسالة لاحقة إلى شراء سلاح ناري، لكن المحادثات لم تبق داخل التطبيق، بعدما رصدتها أنظمة السلامة التابعة للشركة المطورة له، وأحالتها إلى مراجعين بشريين، لتصل بعدها إلى السلطات الأمريكية وتنتهي بالقبض عليها وتوجيه اتهام جنائي إليها
المرأة تدعى كارلي ميشيل هيلر، وتبلغ من العمر 30 عامًا، وتقيم في مدينة بونيتا سبرينجز بولاية فلوريدا، وبحسب تقرير نشره موقع «Tom's Hardware» في الخامس من أكتوبر 2026، تضمنت محادثاتها يومي 26 و27 سبتمبر تهديدات تستهدف مكتب مأمور شرطة مقاطعة لي، ما دفع شركة «أنثروبيك»، المطورة لتطبيق «كلود»، إلى إبلاغ جهات إنفاذ القانون
ووجهت السلطات إلى هيلر اتهامًا يتعلق بتوجيه تهديدات مكتوبة أو إلكترونية بارتكاب أعمال عنف جماعي أو إرهابية، وحددت الثاني من نوفمبر موعدًا لمثولها أمام المحكمة، فيما تظل الاتهامات محل نظر القضاء، ولا يعني القبض عليها ثبوت ارتكابها الجريمة
ولم تكن واقعة فلوريدا الأولى من نوعها، ففي أغسطس 2026، ألقت الشرطة في مدينة سان أنطونيو بولاية تكساس القبض على ناثانيال مايكل كاراسكو، البالغ من العمر 22 عامًا، على خلفية محادثات مع أحد أنظمة «أنثروبيك»، تضمنت بحسب إفادة توقيف نقلتها وسائل إعلام محلية تهديدات بتنفيذ إطلاق نار داخل مدرسة ابتدائية، ووجهت إليه السلطات تهمة التهديد الإرهابي
غير أن المعلومات المنشورة عن قضية كاراسكو لم تحسم كيفية وصول البلاغ الأول إلى الشرطة، وهو تفصيل يميزها عن واقعة هيلر، التي تضمنت تقاريرها معلومات عن الرصد الآلي والمراجعة البشرية وإبلاغ الشركة السلطات
وفي سان فرانسيسكو، وصلت محادثة أخرى إلى الشرطة بعدما تضمنت تهديدات تستهدف الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك»، داريو أمودي، وموظفين بالشركة، إلى جانب إشارات إلى شراء بندقية نصف آلية
وكشفت صحيفة «سان فرانسيسكو ستاندرد»، في الرابع من سبتمبر 2026، أن الرسائل كُتبت في الرابع عشر من أغسطس، وأن الشركة أبلغت الشرطة بها بعد أربعة أيام، بينما قال صاحب المحادثة، الذي تواصلت معه الصحيفة، إنه كان يمزح ولم يقصد تنفيذ ما كتبه
ولم تتضمن المعلومات المنشورة وقتها ما يفيد القبض عليه أو توجيه اتهام جنائي إليه، على خلاف ما حدث في فلوريدا وتكساس، وهو اختلاف يبرز أهمية التمييز بين الإبلاغ عن تهديد محتمل وبين ثبوت المسؤولية الجنائية عن محتواه
وتسمح سياسات السلامة لدى بعض شركات الذكاء الاصطناعي برصد محتوى يُعتقد أنه ينطوي على مخاطر جدية، وقد يصل الأمر إلى مراجعته بشريًا أو إبلاغ السلطات المختصة، لكن الوقائع الثلاث لا تعني أن جميع محادثات المستخدمين يقرأها موظفو الشركات، أو أن كل رسالة تتضمن ألفاظًا عنيفة تتحول تلقائيًا إلى بلاغ
وتبقى كيفية تقدير جدية التهديد مسألة بالغة الحساسية، خصوصًا في الحالات التي ينفي فيها صاحب المحادثة وجود نية لتنفيذ ما كتب، فبين مسؤولية الشركة عن التعامل مع المخاطر المحتملة وحقوق المستخدمين في الخصوصية، تظل مسؤولية الفصل في الاتهامات الجنائية من اختصاص القضاء
ولم تقتصر القضايا المتعلقة بمحادثات الذكاء الاصطناعي على البلاغات الأمنية، إذ شهدت الولايات المتحدة نزاعًا قضائيًا حول إتاحة ملايين المحادثات الخاصة بمستخدمي «ChatGPT»، دون أن يكون أصحابها متهمين بارتكاب أي مخالفة
ففي ديسمبر 2025، أيدت محكمة اتحادية أمريكية أمرًا يلزم شركة «OpenAI» بإتاحة 20 مليون سجل محادثة ضمن إجراءات جمع الأدلة في دعاوى حقوق نشر أقامتها صحيفة «نيويورك تايمز» ومؤسسات إعلامية أخرى، على خلفية اتهامات تتعلق باستخدام مواد صحفية محمية بحقوق النشر في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي
واعترضت الشركة على نطاق الطلب، معتبرة أنه يمس خصوصية مستخدمين لا علاقة لهم بالنزاع، لكنها أعلنت امتثالها للأمر القضائي، مع اتخاذ إجراءات لإزالة المعلومات التي تكشف هوية أصحاب المحادثات، وتقييد الوصول إلى السجلات وفق ضوابط قانونية تمنع التعامل معها باعتبارها بيانات متاحة للجمهور
وشملت السجلات عينة من محادثات مستخدمي الخدمة خلال الفترة من ديسمبر 2022 إلى نوفمبر 2024، بحسب توضيحات الشركة، ولم يشمل الطلب حسابات المؤسسات والأعمال والتعليم أو مستخدمي واجهة البرمجة، وهي تفاصيل مهمة لفهم نطاق القرار القضائي وعدم تعميمه على جميع مستخدمي خدمات الشركة
وكانت «OpenAI» قد واجهت في مايو 2025 أمرًا قضائيًا بالاحتفاظ بسجلات محادثات كان من المفترض حذفها، بما في ذلك محادثات أزالها أصحابها من حساباتهم، قبل أن تعلن لاحقًا انتهاء الالتزام العام بالاحتفاظ غير المحدد بالبيانات، مع استمرار حفظ مجموعة محدودة من السجلات التاريخية لأسباب قانونية
وتوضح هذه الإجراءات أن حذف المحادثة من واجهة التطبيق لا يعني بالضرورة اختفاء جميع نسخها فورًا، خاصة إذا كانت هناك التزامات قانونية تفرض الاحتفاظ ببيانات معينة، دون أن يعني ذلك أن جميع المحادثات المحذوفة تظل محفوظة إلى أجل غير محدد
ولم تكن الأوامر القضائية الطريق الوحيد الذي ظهرت من خلاله معلومات تخص مستخدمي روبوتات المحادثة، ففي مارس 2023، أقرت «OpenAI» بوقوع خلل تقني سمح لبعض المستخدمين برؤية عناوين محادثات تخص أشخاصًا آخرين، وربما الرسالة الأولى لبعض المحادثات الجديدة، إلى جانب احتمال كشف معلومات محدودة مرتبطة بالدفع تخص نسبة من المشتركين
وفي يوليو 2025، ظهرت محادثات مشتركة من «ChatGPT» في نتائج محركات البحث، بعدما أتاحت خاصية تجريبية فهرسة بعض روابط المشاركة، قبل أن توقف الشركة التجربة، ولم تكن الواقعة تسريبًا عامًا للمحادثات الخاصة، وإنما ارتبطت بروابط مشاركة وإعدادات أتاحت ظهور محتواها خارج نطاق التطبيق
أما داخل المؤسسات، فقد كشفت تقارير صحفية في عام 2023 عن إدخال موظفين بشركة «سامسونج» معلومات عمل حساسة إلى «ChatGPT»، بينها شفرات برمجية ومحتوى اجتماعات داخلية، ما دفع الشركة إلى تقييد استخدام بعض أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في بيئات العمل
ولا تتعلق هذه المخاطر بالمستخدم الذي يكتب معلوماته الشخصية فقط، فهناك من يستخدم تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تلخيص مستندات قانونية، أو تحرير شهادات صحفية، أو مراجعة ملفات تتضمن أسماء وبيانات أشخاص آخرين، دون أن يكون هؤلاء على علم بإدخال معلوماتهم إلى خدمات تديرها شركات تقنية
وتصبح المسألة أكثر حساسية بالنسبة إلى الصحفيين والمحامين والعاملين في المؤسسات الحقوقية، الذين قد تتضمن أعمالهم أسماء مصادر سرية، أو شهادات ضحايا، أو مستندات قضايا، أو بيانات شخصية وصحية ومالية، بما يفرض عليهم مسؤوليات مهنية وقانونية تتجاوز مجرد اختيار إعدادات الخصوصية المناسبة لحساباتهم
وفي مصر، تثير هذه الاستخدامات أسئلة تتعلق بحماية البيانات الشخصية وسرية المعلومات المهنية عند إدخالها إلى تطبيقات تديرها شركات أجنبية، لكن تحديد الالتزامات القانونية في كل حالة يتوقف على طبيعة البيانات والجهة التي تعالجها ونطاق تطبيق التشريعات ذات الصلة
وتختلف سياسات الشركات بشأن الاحتفاظ بالمحادثات واستخدامها في تحسين النماذج والمراجعة البشرية، كما تتباين الضوابط بحسب نوع الحساب والإعدادات المتاحة، ولذلك لا يصح افتراض أن جميع تطبيقات الذكاء الاصطناعي تتعامل مع بيانات المستخدمين بالطريقة نفسها
وبين محادثة انتهت باتهام جنائي في فلوريدا، وأخرى وصلت إلى شرطة سان فرانسيسكو دون إعلان توجيه اتهام لصاحبها، وملايين السجلات التي أصبحت جزءًا من نزاع قضائي بشأن حقوق النشر، تظهر طرق مختلفة قد تنتقل من خلالها المعلومات خارج نطاق المحادثة الأصلية
فالتطبيق الذي يرد على المستخدم بلغة شخصية، ويتيح له الحديث عن تفاصيل حياته أو عمله، يظل خدمة رقمية تديرها شركة، وتخضع البيانات المتبادلة من خلالها لسياسات تشغيل وضوابط تقنية والتزامات قانونية، قد تسمح في ظروف محددة بوصول أطراف أخرى إليها
وإذا كانت وقائع التهديدات قد أظهرت قدرة الشركات على التدخل عندما ترصد مخاطر محتملة، فإن القضايا القضائية والأخطاء التقنية كشفت جانبًا آخر من المسألة، وهو أن خصوصية المحادثة لا تتوقف على قرار المستخدم بمشاركتها أو الاحتفاظ بها، وأن إغلاق نافذة الدردشة لا يضمن وحده بقاء ما كُتب داخلها بعيدًا عن الآخرين


.jpg)

.png)












.jpg)


.jpg)






