النهار
الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 07:27 مـ 23 ربيع آخر 1448 هـ
جريدة النهار المصرية رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرأسامة شرشر
إسماعيل بيومي «قاهر خط بارليف» يروي لـ«النهار» ذكريات العبور: 4 سنوات من التدريب انتهت أمام الساتر الترابي «معركة النقطة 151».. عبد النعيم محمد يروي ذكريات العبور والقتال في أكتوبر عيون الجيش في قلب المعركة.. قائد سرية استطلاع يروي لـ«النهار» حكاية العبور والثغرة بعد أقل من خمسة أشهر على الحرب.. أمم أفريقيا تعيد الكرة الدولية إلى ملاعب مصر شهادات من قلب الحرب.. ”النهار” تحاور عدد من أبطال حرب أكتوبر بعد توليها رئاسة مهرجان الإسكندرية.. «علا الشافعي» مسيرة حافلة بالنجاحات إسماعيل بيومي «قاهر خط بارليف» يروي لـ«النهار» ذكريات العبور: 4 سنوات من التدريب انتهت أمام الساتر الترابي وسام حافظ يروي لـ«النهار» أسرار «39 قتال».. 99 عملية خلف خطوط العدو وحكايات إيلات إبراهيم المصري جندي المدفعية يروي لـ«النهار» ذكريات العبور: لو كنا انهزمنا في 73 لماتت أمة بأكملها لمائة عام منتخب مصر يتأهل إلى أمم إفريقيا للشباب 2027 في صدارة المجموعة بعد هدفه الأول مع الفراعنة.. حمزة عبد الكريم يعود لتدريبات برشلونة استعدادًا لمواجهة خيتافي من ملعب الزمالك إلى جبهة القتال.. فكري صالح يروي لـ«النهار» ذكريات العبور

تقارير ومتابعات

وسام حافظ يروي لـ«النهار» أسرار «39 قتال».. 99 عملية خلف خطوط العدو وحكايات إيلات

بعد أكثر من نصف قرن، لا تزال التفاصيل حاضرة في ذاكرة اللواء بحري وسام عباس حافظ، أسماء الرجال، مواقع العمليات، ساعات الانتظار، الطريق إلى الهدف، ورفاق خرجوا في مهام وعاد بعضهم، بينما لم يعد آخرون

يتحدث حافظ عن حرب الاستنزاف باعتبارها سنوات مواجهة كاملة، لا مجرد مرحلة سبقت حرب أكتوبر، ويستعيد في حواره مع «النهار» نحو 99 عملية يقول إنه شارك فيها خلف خطوط العدو، منذ انضمامه إلى المجموعة 39 قتال بقيادة الشهيد إبراهيم الرفاعي، مرورًا بـ«فسحة السبت» ولسان التمساح، وصولًا إلى عمليات إيلات التي شارك في استطلاع عدد منها، بينما كان رجال الضفادع البشرية يخوضون جانبًا من الحرب تحت سطح المياه

بدأت رحلة حافظ العسكرية قبل ذلك بسنوات، حين تخرج في الكلية البحرية في يوليو 1964، وحصل على فرقة الصاعقة البحرية، ثم شارك في حرب اليمن، قبل أن تقوده السنوات التالية إلى مرحلة مختلفة من حياته العسكرية

يقول حافظ لـ«النهار» إنه شارك مع المجموعة 39 قتال في نحو 99 عملية، تنوعت بين الإغارات والاستطلاع وجمع المعلومات والاستيلاء على أسلحة ومعدات إسرائيلية

لكن العملية، كما يتذكرها، لم تكن تبدأ لحظة الاشتباك

كان الوصول إلى المعلومة جزءًا من المهمة نفسها، معرفة الموقع وتحركات القوات ووسائل التأمين والطريق الذي يمكن أن يسلكه الرجال للوصول إلى الهدف، ثم كيفية العودة بعد التنفيذ

ومن بين ما بقي في ذاكرته تعبير يبدو بعيدًا عن أجواء الحرب: «فسحة السبت»

كان الاسم يطلقه رجال المجموعة على الإغارات التي ينفذونها مستفيدين من يوم العطلة الأسبوعية في إسرائيل

ويتذكر حافظ مشاركته في إحدى تلك العمليات مع النقيب إسلام توفيق والرقيب أول عبد المنعم غلوش، حين تحركوا خلف خطوط العدو وهاجموا عددًا من الكمائن الإسرائيلية على امتداد ساحل القناة، قبل العودة إلى الضفة الغربية ومعهم صاروخان حديثان جرى الاستفادة منهما في دراسة قدرات السلاح الإسرائيلي

لم تكن قيمة ما يعودون به مرتبطة بالسلاح وحده، فكل معلومة عن موقع أو وسيلة تأمين أو قطعة سلاح كانت تضيف شيئًا إلى ما يعرفونه عن القوات الموجودة على الضفة الأخرى

ثم جاء استشهاد الفريق عبد المنعم رياض، رئيس أركان حرب القوات المسلحة، في 9 مارس 1969 أثناء وجوده على الجبهة

وبعد أسابيع، كان رجال المجموعة 39 قتال يتحركون نحو الموقع الإسرائيلي في لسان التمساح

يتذكر حافظ أن العملية نُفذت في 19 أبريل 1969، وأن المجموعات عبرت باستخدام القوارب المطاطية، بالتزامن مع قصف مدفعي مصري لإشغال القوات الإسرائيلية

وصل الرجال إلى الموقع، وهاجموا الدشم والتحصينات واشتبكوا مع القوات الموجودة داخله

ويقول حافظ إن العملية أسفرت، وفق الرواية التي يقدمها عن المعركة، عن مقتل 44 إسرائيليًا، إلى جانب تدمير دشم ومخازن للذخيرة والاستيلاء على أسلحة ومعدات

لكن أحد المشاهد التي بقيت في ذاكرته جاء بعد انتهاء القتال

يروي أن المشاركين في العملية فوجئوا بدعوتهم إلى الإفطار مع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في حديقة منزله، وكان عدد المدعوين، بحسب روايته، 66 ضابطًا

ومع إيلات، تغيرت طبيعة المواجهة

هناك لم يكن المطلوب الوصول إلى موقع خلف خطوط العدو فقط، وإنما معرفة ما يجري داخل ميناء شديد التأمين، ودراسة حركة السفن ومداخل الميناء والعوائق الموجودة تحت سطح المياه، حتى يستطيع رجال الضفادع البشرية الوصول إلى أهدافهم

ويشدد حافظ على أن إيلات لم تكن عملية واحدة كما شاع لاحقًا، وإنما سلسلة من العمليات، ويقول إن الضفادع البشرية المصرية نفذت 8 عمليات ناجحة داخل الميناء

وكان دوره حاضرًا في أعمال الاستطلاع لعدد من تلك العمليات

المعلومة هنا لم تكن مرحلة تمهيدية يمكن تجاوزها، بل جزءًا من العملية نفسها، فقبل نزول رجال التنفيذ إلى المياه كان على الاستطلاع أن يحدد حركة السفن ووسائل التأمين والطريق الذي يمكن استخدامه للوصول إلى الهدف والخروج منه

وفي نوفمبر 1969، تحركت مجموعة من رجال الضفادع البشرية لتنفيذ إحدى أشهر تلك العمليات، وشارك فيها عدد من رجال البحرية، بينهم نبيل عبد الوهاب وفوزي البرقوقي وعمر عز الدين وحسنين جاويش

وانتهت المهمة بتلغيم السفينتين «هيدروما» و«داليا»

لكن فوزي البرقوقي لم يعد حيًا

استشهد خلال المهمة بعد تعرضه لتسمم الأكسجين، وهنا يستعيد حافظ واحدًا من المشاهد التي بقيت عالقة في ذاكرته

كان نبيل عبد الوهاب أمام رحلة عودة شاقة، وكان حمل جثمان زميله يعني مزيدًا من الجهد والخطر، لكنه رفض أن يتركه

وحمله معه في طريق العودة

ويتذكر حافظ أن عبد الوهاب، عندما سُئل عن السبب، قال إنه تدرب مع زميله طوال عامين ولم يستطع تركه

كما لم يكن يريد، بحسب رواية حافظ، أن يبقى جثمان رفيقه في أيدي الجانب الإسرائيلي ليستخدم في الإعلان عن مقتل أحد أفراد القوة المصرية

وبعد أشهر، عاد رجال الضفادع البشرية إلى إيلات

في فبراير 1970، استهدفت إحدى العمليات الناقلتين «بات يام» و«بيت شيفع»، وانتهت بإغراق الأولى وإصابة الثانية

لكن المواجهة لم تتوقف

فكل ضربة كانت تدفع الجانب الإسرائيلي إلى تعديل إجراءات التأمين، وكل تغيير كان يعيد رجال الاستطلاع إلى نقطة البداية: ماذا تغير، وأين أصبحت الثغرة الجديدة؟

وجاءت بعد ذلك عملية أخرى استهدفت منطقة الرصيف الحربي داخل إيلات، في فصل جديد من المواجهة التي دارت بين إجراءات التأمين الإسرائيلية ومحاولات الوصول المصرية

ومن التفاصيل التي لا تزال حاضرة في ذاكرة حافظ الطريقة التي كانت تصل بها إشارة التنفيذ إلى الرجال في إحدى عمليات إيلات

كان الراديو جزءًا من الخطة

يقول إن الاتفاق كان يقضي بمتابعة إذاعة «صوت العرب»، فإذا أذيعت أغنية «بين شطين ومياه» كانت الإشارة تعني تنفيذ المهمة، أما «غاب القمر» فكانت تعني إلغاءها

بالنسبة إلى آلاف المستمعين، لم تكن سوى أغنية تخرج من الراديو، أما الرجال الذين ينتظرون الإشارة فكان معناها مختلفًا تمامًا

وعندما يتحدث حافظ عن عمل الضفادع البشرية، لا يبدأ بالسفينة أو اللغم، وإنما بما يسبق الوصول إليهما

ساعات من السباحة والغوص في الظلام، ومعدات يحملها الغواص، وكمية محدودة من الأكسجين، واتجاه لا يحتمل الخطأ، مع احتمال اكتشاف القوة في أي لحظة

ويستعيد إحدى مهام الاستطلاع التي تعرض خلالها لخطر الغرق، قبل أن يتمكن من الخروج من المياه بعد وصوله إلى عمق يقارب 30 مترًا

وبقيت من تلك التجربة بوصلة وسترة نجاة، ظلتا شاهدتين على المهمة وعلى مرحلة كاملة من حياته العسكرية

ففي هذا النوع من العمليات، لم يكن الخطر يبدأ عند مواجهة العدو، إذ يمكن لخلل في جهاز التنفس أو فقدان الاتجاه أو انفجار تحت المياه أن ينهي المهمة قبل الوصول إلى الهدف

ولا تتوقف ذاكرة حافظ عند إيلات

فحين يستعيد حرب الاستنزاف، يعود أيضًا إلى عملية استهداف الحفار «كينتنج»، الذي اشترته إسرائيل لاستخدامه في أعمال التنقيب عن البترول، قبل استهدافه أثناء وجوده في أبيدجان بساحل العاج عام 1970، باعتبارها نموذجًا آخر للعمليات التي اعتمدت على السرية والخداع والوصول إلى الهدف بعيدًا عن جبهة القتال التقليدية

وبعد أكثر من نصف قرن، لا يقيس حافظ حصيلة تلك السنوات بعدد السفن أو المواقع التي جرى استهدافها فقط

فبعد يونيو 1967، كانت هناك، بحسب رؤيته، معركة لاستعادة الثقة وإثبات قدرة القوات المصرية على المبادرة والوصول إلى أهداف داخل مناطق يعتقد العدو أنها بعيدة أو مؤمنة

وهنا يفرق بين إغراق المدمرة الإسرائيلية «إيلات» في أكتوبر 1967، وبين عمليات الضفادع البشرية التي نُفذت لاحقًا داخل ميناء إيلات خلال حرب الاستنزاف

الأولى كانت معركة بحرية مستقلة، أما الثانية فكانت سلسلة من عمليات القوات الخاصة البحرية داخل الميناء

لكن حكاية الحرب في عائلة وسام حافظ بدأت قبل أن يرتدي هو الزي العسكري

فوالده العميد عباس حافظ شارك في حرب فلسطين عام 1948، ووقع في الأسر قبل أن يتمكن، بحسب رواية نجله، من الهرب والعودة إلى مصر

وبعد أكثر من أربعة عقود، عاد سؤال قديم عن الأب إلى الابن

كان ذلك عام 1992، حين ذهب وسام حافظ إلى الولايات المتحدة للمشاركة في مؤتمر يتعلق بعلوم البحار، والتقى هناك ضابطًا بحريًا إسرائيليًا سابقًا

يروي حافظ أن الرجل سأله عن العميد عباس حافظ، وعندما عرف أنه ابنه، أراد أن يعرف كيف تمكن والده من الهرب من محبسه

أخبره حافظ أن والده استخدم مفتاح الزنزانة في الفرار، وأنه ظل محتفظًا بالمفتاح بعد ذلك

ويقول إن الضابط الإسرائيلي رد عليه بعبارة بقيت في ذاكرته: «أنتم أيها المصريون مخيفون، ولا أحد يتمكن من توقع ردود أفعالكم»

بعد أكثر من نصف قرن، لا يبدأ وسام حافظ حديثه عن تلك السنوات بأسماء السفن التي غرقت أو المواقع التي دُمرت

تعود أولًا أسماء الرجال

إبراهيم الرفاعي، فوزي البرقوقي، نبيل عبد الوهاب، عمر عز الدين، ورفاق آخرون خرجوا إلى عمليات لم تكن العودة منها مضمونة

وبقيت معه أيضًا أشياء أصغر من كل عناوين الحرب: بوصلة، وسترة نجاة، وأغنية في الراديو كان يمكن أن تعني أن المهمة بدأت

ربما لهذا لا تبدو حرب الاستنزاف في ذاكرته مجرد السنوات التي سبقت أكتوبر، وإنما حياة كاملة عاشها جيل من الرجال بين عملية وأخرى

وحين جاء السادس من أكتوبر 1973، كان كثير منهم يعرف بالفعل معنى أن يتحرك نحو الضفة الأخرى

أما حافظ، فبعد كل هذه السنوات، ما زال حين يعود إلى الحرب يعود أولًا إلى رفاقه