اللواء حمدي بخيت لـ«النهار»: «هنحارب النهارده».. الخداع الاستراتيجي حسم مفاجأة العبور.. واجهنا بارليف بالعلم والابتكار.. والوفاق والوعي والإرادة صنعت النصر.. والردع اليوم منظومة قوة متكاملة
بعد أكثر من نصف قرن على حرب أكتوبر، لا تزال تفاصيل صباح السادس من أكتوبر 1973 حاضرة في ذاكرة اللواء أركان حرب حمدي بخيت، حين كان ضابط استطلاع شابًا في الفرقة الرابعة المدرعة، ورفعت درجة استعداد وحدته دون أن يعرف أن الحرب ستبدأ بعد ساعات
لم يعرف بخيت ورفاقه أنهم ذاهبون إلى الحرب إلا عندما وصل قائد اللواء وأبلغهم: «يا ولاد، إحنا هنحارب النهارده.. النهارده هتبدأ الحرب»، لتبدأ واحدة من اللحظات التي لم تفارقه، قبل أن ينتقل من الاستعداد إلى القتال ويشاهد رفاقًا يواصلون المعركة حتى اللحظات الأخيرة
وفي حواره مع «النهار»، يعود بخيت، المحلل الاستراتيجي والعسكري وعضو مجلس النواب السابق وأحد أبطال حرب أكتوبر، إلى سنوات الإعداد التي سبقت العبور، وخطة الخداع الاستراتيجي، وكيف تعامل الجيش المصري مع تحصينات خط بارليف والساتر الترابي، ودور التدريب والابتكار في تنفيذ عملية العبور
ومن حرب أكتوبر إلى ساحات القتال الحديثة، يتحدث بخيت عن تغير مفهوم الردع العسكري مع دخول الطائرات المسيرة والصواريخ بعيدة المدى والحرب السيبرانية والذكاء الاصطناعي إلى المعادلة، وما يعتبره أهم الدروس التي يمكن أن تستفيد منها الأجيال الجديدة
«هنحارب النهارده».. الساعات الأولى من 6 أكتوبر
■ بعد أكثر من نصف قرن على الحرب، ما أول مشهد يعود إلى ذاكرتك من يوم السادس من أكتوبر؟
هناك أكثر من مشهد، لكن أولها كان صباح يوم الحرب
كنا في سرية استطلاع تابعة للفرقة الرابعة المدرعة، وكنت أعمل مع اللواء الثالث المدرع، وكان قائده العقيد أركان حرب نور الدين عبد العزيز، الذي استشهد خلال الحرب
رفعت درجة استعداد السرية وبدأنا تجهيز أنفسنا دون أن نعرف السبب، وكنا في العاشر من رمضان، ولم نكن نعرف أن الحرب ستبدأ بعد ساعات
كانت هناك سيارة مياه تملأ الجراكن التي نستخدمها، وفي أثناء وجودها وصل قائد اللواء وجمعنا بسرعة، ثم قال: «يا ولاد، إحنا هنحارب النهارده.. النهارده هتبدأ الحرب»
فوجئنا جميعًا، وكنا صائمين، فقال لنا إن لدينا رخصة للإفطار، ثم أمسك خرطوم المياه، وقبل أن يشرب قال: «اللهم بحمدك صمنا، وعلى جهادك أفطرنا»
من هذه اللحظة تغير كل شيء
ارتفعت الروح المعنوية بصورة كبيرة، ولم يكن هناك صراخ أو زعيق كما تصور بعض الأفلام، وإنما بدأ الجنود يتحركون بسرعة أكبر لتجهيز المركبات والأسلحة والمعدات والذخائر
قبلها كنا ننفذ أمرًا برفع درجة الاستعداد، وبعدها أصبح كل واحد منا يعرف أنه ذاهب إلى الحرب، وكأن روحًا جديدة دبت في الجميع
بطولة في قلب المعركة
■ وما المشهد الذي بقي معك من قلب القتال نفسه؟
أتذكر الشهيد النقيب عاطف عبد الباقي، أحد قادة سرايا الدبابات
أصيبت دبابته وتعطل جنزيرها، فتمكن من سحبها إلى حفرة وحولها إلى نقطة نيران ثابتة، واستمر في إطلاق النار
ومع ارتفاع حرارة ماسورة المدفع، خلع سترته وفانلته الداخلية وبللهما بالمياه ولفهما حول الماسورة للمساعدة في تبريدها حتى يتمكن من مواصلة إطلاق النار، واستمر في القتال حتى استشهد
وهناك مشهد آخر لمركبة برمائية كانت تعمل ضمن الاستطلاع، أصيبت واستشهد عدد من أفراد طاقمها، ومن بينهم السائق محمد عمر زاتون من أسوان
بعد كل هذه السنوات، عندما أستعيد هذا المشهد أرى فيه مصر، جنودًا من محافظات مختلفة، ومسلمين ومسيحيين، جمعهم مكان واحد ومهمة واحدة
الجيش كان بوتقة اجتمعت فيها مكونات المجتمع المصري، والجميع كان يقاتل من أجل هدف واحد
ضابط استطلاع بعد عام من التخرج
■ كنت وقتها ضابطًا شابًا لم يمض على تخرجك سوى عام تقريبًا، ما موقعك في المعركة؟
تخرجت في الكلية الحربية يوم 28 سبتمبر 1972، أي قبل الحرب بنحو عام
كنت ضابط استطلاع في الفرقة الرابعة المدرعة، وشاركت ضمن مجموعة الاستطلاع العاملة مع اللواء الثالث المدرع
وطبيعة الاستطلاع مرتبطة بالحصول على المعلومات عن العدو وتحركاته وتمركزاته، لأن القرار العسكري يحتاج إلى معلومات دقيقة
من 1967 إلى الاستعداد للعبور
■ بين هزيمة يونيو 1967 وعبور أكتوبر ست سنوات فقط، كيف جرى إعداد القوات للحرب؟
الإعداد بدأ بعد 1967 مباشرة
خاضت القوات المسلحة حرب استنزاف طويلة، شهدت عمليات وإغارات وكمائن ومواجهات، من بينها معركة رأس العش وإغراق المدمرة إيلات والعمليات ضد ميناء إيلات
ونفذت عمليات عبر القناة شملت الاستطلاع والكمائن وأسر أفراد من العدو والاستيلاء على معدات ووثائق، إلى جانب الاشتباكات الجوية والمدفعية وبناء حائط الصواريخ
وفي الوقت نفسه لم تتوقف عملية جمع المعلومات عن القوات الإسرائيلية ومواقعها وتحركاتها، وكانت عناصر الاستطلاع الموجودة شرق القناة توفر المعلومات عن العدو ومواقعه
لكن الإعداد لم يكن عسكريًا فقط، وإنما كان إعداد دولة كاملة
تحمل الشعب أعباء إعادة بناء القوات المسلحة، وشاركت قطاعات مدنية في المجهود الحربي، فساهمت شركات المقاولات في إنشاء قواعد الصواريخ، وشركات النقل في نقل المعدات والمواد، وشاركت قطاعات أخرى في توفير احتياجات القوات
كما كان للفن والثقافة والإعلام دور في دعم الروح المعنوية
كانت الدولة كلها تتحرك في اتجاه هدف واحد، وكانت سيمفونية بين القوات المسلحة ومؤسسات الدولة والمجتمع
كيف صنعت مصر مفاجأة 6 أكتوبر؟
■ الخداع الاستراتيجي أصبح واحدًا من أشهر فصول حرب أكتوبر، كيف تحققت المفاجأة؟
المفاجأة لم يصنعها إجراء واحد، وإنما خطة خداع استراتيجي متكاملة نفذتها القوات المسلحة والدولة على مستويات مختلفة
كانت هناك مناورات متكررة، ورفع لدرجات الاستعداد أكثر من مرة، وإجراءات هدفت إلى جعل بعض التحركات مألوفة للجانب الإسرائيلي، إلى جانب تصريحات وتحركات أخرى استهدفت إخفاء النوايا والتوقيت الحقيقي للحرب
وفيما يتعلق بأشرف مروان، فأنا أتبنى الرواية التي تعتبره جزءًا من عملية الخداع، وأن الإسرائيليين اعتقدوا أنه يعمل لصالحهم، بينما ساهمت المعلومات المرتبطة بتوقيت الحرب في استمرار حالة الالتباس لديهم حتى الساعات الأخيرة
الخداع الاستراتيجي في النهاية لا يمكن اختزاله في شخص أو واقعة واحدة، وإنما كان منظومة متكاملة
■ لكن إسرائيل كانت تراقب التحركات المصرية، كيف نجحت المفاجأة رغم ذلك؟
كانت هناك أجهزة استخبارات تراقب مصر، وداخل إسرائيل نفسها جرت مناقشات بشأن احتمال اندلاع الحرب واستدعاء الاحتياط
لكن التقديرات الإسرائيلية ظلت متأثرة بتصورات مسبقة عن قدرات مصر وإمكانية اتخاذها قرار الحرب
في المقابل، كان التخطيط المصري يقوم على أهداف عسكرية محسوبة وفق الإمكانيات المتاحة، تبدأ بعبور القناة واقتحام تحصينات خط بارليف وإنشاء الكباري وتكوين رؤوس الكباري والتحرك وفق الخطة الموضوعة
وعندما بدأت الضربة الجوية في الثانية ظهر السادس من أكتوبر، وأعقبها التمهيد المدفعي وعبور القوات، أصبحت المفاجأة حقيقة على الأرض
ولهذا أدعو الشباب إلى قراءة وثائق الحرب، وما نشر عن لجنة أجرانات وشهادات القادة الإسرائيليين، حتى يعرفوا حجم المفاجأة التي أحدثها العبور
كيف واجه الجيش المصري خط بارليف؟
■ خط بارليف كان أحد أعقد التحديات أمام العبور، كيف نجح الجيش المصري في التعامل معه؟
لم نكن أمام ساتر ترابي فقط، وإنما أمام منظومة دفاعية تضم نقاطًا حصينة وملاجئ ومواقع لإطلاق النيران وخنادق وموانع، إلى جانب قناة السويس نفسها، وضرورة فتح الثغرات وإنشاء الكباري في توقيتات دقيقة
لكن القوات المسلحة امتلكت معلومات تفصيلية عن التحصينات، وكانت هناك رسومات وكروكيات ومقاطع رأسية وأفقية للنقاط الحصينة، لمعرفة طبيعتها وكيفية التعامل معها
وكانت إحدى أعقد المشكلات هي فتح الثغرات في الساتر الترابي، وهنا جاء الابتكار باستخدام مضخات المياه، وهي الفكرة التي ارتبطت باللواء المهندس باقي زكي يوسف
كما استخدمت وسائل لمساعدة المقاتلين على اجتياز الساتر ونقل الأسلحة والمعدات
وهنا يظهر أحد أهم دروس أكتوبر، فالنجاح لم يكن بالقوة وحدها، وإنما بالعلم والتخطيط والابتكار والقدرة على إيجاد حلول غير تقليدية للمشكلات
التدريب قبل الحرب
■ وماذا عن الجندي الذي كان عليه تنفيذ كل ذلك تحت النيران؟
التدريب كان شاقًا للغاية، وشمل العبور واقتحام الموانع والتعامل مع السواتر واستخدام المركبات البرمائية والعمل في ظروف تحاكي المعركة
أتذكر أننا تدربنا على العبور في منطقة الخطاطبة، وكانت التدريبات شديدة الصعوبة، ووقعت خلالها حوادث وسقط شهداء أثناء الإعداد
هذا التدريب هو الذي صنع قدرة المقاتل على التعامل مع ظروف العبور والقتال
كما لعبت المشاة والأسلحة المضادة للدبابات دورًا مهمًا في مواجهة الدبابات الإسرائيلية خلال مراحل القتال، وظهرت بطولات فردية كثيرة، لكن وراء هذه البطولات كان هناك تدريب وإعداد وعقيدة قتالية وإيمان بالمهمة
3 دروس من حرب أكتوبر
■ بعد أكثر من نصف قرن، ما الدرس الذي ترى أن الأجيال الجديدة تحتاج إلى استيعابه من أكتوبر؟
لا أريد أن تظل حرب أكتوبر مجرد حكايات نرويها كل عام وتنتهي بانتهاء المناسبة
بالنسبة لي هناك ثلاثة عناصر رئيسية: الوفاق الوطني، والوعي الوطني، والإرادة الوطنية
في أكتوبر كان المجتمع المصري يتحرك خلف هدف واضح هو تحرير الأرض واستعادة الكرامة، وكان الجيش نفسه نموذجًا لهذا التلاحم، فلا فرق بين ابن القاهرة أو البحيرة أو سيناء أو أسوان، ولا بين مسلم ومسيحي، الجميع يقاتل تحت علم واحد
وامتد هذا الوفاق إلى المستوى العربي من خلال الدعم الذي قدمته دول عربية لمصر خلال الحرب
أما الوعي، فهو الذي يجعل المجتمع أكثر قدرة على مواجهة الشائعات والحرب النفسية والمعلومات المضللة، والتمييز بين الحقيقة وما يراد له أن يصدق
والإرادة تبدأ من وضوح الهدف، وهدفنا في أكتوبر كان استعادة الأرض والكرامة وعزة العسكرية المصرية
وكان التخطيط واقعيًا وفق الإمكانيات المتاحة، فلم نبن أهدافنا على قدرات لا نملكها، وإنما استخدمنا ما لدينا بأعلى كفاءة ممكنة
قد لا تمتلك أحدث المعدات، لكن الإنسان المدرب الذي يعرف كيف يستخدم ما لديه ويبتكر يستطيع أن يصنع فارقًا
من حرب أكتوبر إلى المسيرات والذكاء الاصطناعي
■ من حرب 1973 إلى حروب اليوم، كيف تغير مفهوم الردع مع المسيرات والصواريخ بعيدة المدى والحرب السيبرانية؟
الردع لا يرتبط بالصواريخ أو المسيرات وحدها
هناك تطور كبير في طبيعة القوة العسكرية، مع اتساع استخدام التكنولوجيا والأسلحة الدقيقة والقتال عن بُعد
الحرب التقليدية أصبحت شديدة التكلفة، وتحريك الدبابات والطائرات والمنظومات العسكرية الكبيرة يحتاج إلى تكلفة ضخمة، وفي المقابل ظهرت وسائل تستطيع إصابة أهداف مرتفعة القيمة بتكلفة أقل نسبيًا
لدينا اليوم المسيرات والحرب السيبرانية والذكاء الاصطناعي والصواريخ بعيدة المدى والتوجيه الدقيق والاستطلاع بالأقمار الصناعية ومنظومات القيادة والسيطرة المتطورة
هذه الأدوات غيرت شكل ساحة المعركة ووسائلها، لكنها لم تلغِ عناصر القوة التقليدية
الردع لا يصنعه سلاح واحد
■ إذن ما الذي يصنع الردع اليوم؟
امتلاك القوة والقدرة على استخدامها
عندما يدرك الخصم أنك تمتلك القدرة على إلحاق تكلفة كبيرة به، فإنه يعيد حساباته قبل الإقدام على عمل ضدك
ولهذا لا يمكن اختزال الردع في صاروخ أو مسيرة أو طائرة
مصر لديها عناصر متعددة للقوة العسكرية، من القيادة والسيطرة إلى القوات الجوية والبحرية والبرية ومركبات ودبابات القتال والتسليح والتكنولوجيا
تكامل هذه العناصر هو الذي يصنع القدرة العسكرية، فالردع منظومة متكاملة وليس سلاحًا واحدًا
«الشباب هم الوقود الذي يحرك الأمة»
■ في النهاية، ماذا تقول للشباب الذين يعرف معظمهم حرب أكتوبر من الكتب والصور والأفلام؟
أتمنى ألا يمر انتصار أكتوبر مرور الكرام، وألا يصبح مجرد أغنيات واحتفالات تتكرر كل عام
أكتوبر بالنسبة لي تعني أن نسأل: كيف نبدع؟ كيف نبتكر؟ كيف نتغلب على الصعوبات؟ وكيف نستفيد من الإمكانيات المتاحة؟
لا تيأس أمام الصعوبات، وفكر في كيفية التعامل معها، واعمل وابتكر
وفي الوقت نفسه يجب أن يكون لديك وعي بما تتلقاه من معلومات، وأن تسأل عن المصدر ومصداقيته، وتقرأ وتبحث وتتحقق
الشباب هم الوقود الذي يحرك الأمة، ومصر دولة شابة لديها طاقة بشرية كبيرة يجب استثمارها
وفي المقابل، تقع على المسؤولين والمؤسسات مسؤولية توفير المناخ المناسب للشباب حتى يستطيعوا العمل والإبداع وتقديم ما لديهم
لدينا شباب وعلماء ومبدعون مصريون في مجالات مختلفة، والمطلوب أن تتحول هذه الطاقات إلى عمل وإنتاج
وهذه هي الرسالة التي أراها في أكتوبر بعد كل هذه السنوات، أن الصعوبات مهما كانت كبيرة يمكن تجاوزها عندما يكون هناك هدف واضح، وعلم وتخطيط وإرادة وقدرة على الابتكار


.jpg)

.png)












.jpg)


.jpg)






