إسماعيل بيومي «قاهر خط بارليف» يروي لـ«النهار» ذكريات العبور: 4 سنوات من التدريب انتهت أمام الساتر الترابي
بطل سلاح المهندسين: فتحنا الثغرات أمام القوات.. وأصبت مرتين ورفضت مغادرة الجبهة حتى فقدت ذراعي
أربع سنوات قضاها إسماعيل بيومي جاب الله يتدرب في سلاح المهندسين على استخدام مضخات المياه وفتح الثغرات في السواتر الترابية، من دون أن يعرف متى تأتي اللحظة التي سيستخدم فيها ما تعلمه
جاءت اللحظة ظهر السادس من أكتوبر 1973، عندما شاهد الطائرات المصرية تعبر نحو سيناء وسمع دوي المدفعية، قبل أن يتحرك مع زملائه إلى قناة السويس للمشاركة في فتح الثغرات بالساتر الترابي أمام القوات المصرية
لكن رحلة ابن الإسماعيلية في الحرب لم تنته عند العبور، ففي اليوم التالي أصيب في وجهه وجسده، ورفض مغادرة الجبهة، ثم أصيب مرة ثانية في ذراعه اليمنى خلال معارك 24 أكتوبر، قبل أن تنتهي الإصابة ببتر ذراعه
بعد 53 عامًا، يفتح إسماعيل بيومي لـ«النهار» دفتر تلك الأيام، مستعيدًا سنوات التدريب ولحظة بدء الحرب وساعات الإصابة، وصولًا إلى رحلة العلاج في يوغوسلافيا ولقائه بالرئيس الراحل أنور السادات، الذي أطلق عليه، بحسب روايته، لقب «قاهر خط بارليف»
يقول بيومي: «التحقت بالقوات المسلحة عام 1969 في سلاح المهندسين، وبدأنا التدريب على استخدام مضخات ومواتير المياه لإزالة الساتر الترابي، واستمر التدريب أربع سنوات»
كان استخدام المياه في فتح الثغرات واحدًا من أهم الحلول الهندسية التي اعتمدت عليها خطة العبور، بعد سلسلة طويلة من التجارب التي أجرتها إدارة المهندسين بالقوات المسلحة، لاختبار قدرة المضخات على إزالة كميات كبيرة من الرمال خلال وقت يسمح بمرور القوات والمعدات
وارتبطت الفكرة باسم المقدم مهندس باقي زكي يوسف، الذي استدعى خبرته السابقة في مشروع السد العالي، حيث استخدمت المياه في تجريف الرمال، قبل أن تتولى إدارة المهندسين اختبار الفكرة وتطويرها وتدريب الأطقم عليها
أما بيومي، فكان واحدًا من هؤلاء الذين استعدوا لتنفيذ المهمة
يقول: «كنا نتدرب على السواتر الترابية ونستخدم المعدات والمواتير، ونكرر التدريب استعدادًا للحظة التي ننتظرها»
حتى جاء السادس من أكتوبر
يتذكر: «كنا في معسكر الشلوفة نجهز المعدات والمواتير التي تدربنا عليها، وفي الثانية ظهرًا شاهدنا الطيران والمدفعية يقصفان مواقع العدو، وكانت فرحة لا يمكن وصفها، ورددنا صيحات الله أكبر»
وبدأت المهمة التي تدرب عليها لسنوات
«توجهنا إلى القناة، وبدأنا العمل في الساتر الترابي وفتح الثغرات التي تسمح بمرور قواتنا، ثم عبرنا قناة السويس تحت القصف ووصلنا إلى شرق القناة»
بالنسبة إليه، لم تكن لحظة فتح الثغرات مجرد نجاح لمهمة عسكرية، وإنما نهاية انتظار امتد منذ التحاقه بالقوات المسلحة
ويقول: «عندما فتحنا الثغرات وشاهدنا القوات تعبر، شعرنا أن السنوات التي قضيناها في التدريب لم تذهب هباء، كنا نعرف أن المهمة صعبة، لكننا تدربنا عليها كثيرًا»
بعد ساعات قليلة، بدأت مرحلة أخرى من الحرب
في ليلة السابع من أكتوبر، تعرض القارب الذي كان يستقله مع زملائه للقصف، وأصيب بحروق في جسده ووجهه وعينه اليمنى
يقول: «طلب مني زملائي وقادتي التوجه لتلقي العلاج، لكنني رفضت وأصررت على استكمال المعركة»
بقي في الميدان رغم الإصابة، واستمرت مشاركته حتى الأيام الأخيرة من القتال
ويستعيد أحداث 23 و24 أكتوبر، عندما دارت اشتباكات في منطقة الجناين عند مدخل السويس، قبل أن يتعرض موقعه للقصف عصر يوم 24 أكتوبر
يقول: «أصبت بشظايا في ذراعي اليمنى وتهشمت العظام، وربطت ذراعي في محاولة لوقف النزيف، لكنني رفضت الانسحاب»
هذه المرة كانت الإصابة أشد
استمر النزيف، بينما تعذر نقله سريعًا في ظل القتال وصعوبة الحركة على الطرق، حتى أصبح وصوله إلى نقطة طبية ضرورة لا تحتمل الانتظار
ويقول إنه تحرك إلى قناة السويس وسبح رغم إصابته في محاولة للوصول إلى كتيبة طبية على الضفة الشرقية
«كنت أنزف، لكنني كنت أريد الوصول إلى مكان أتلقى فيه العلاج، ولم أكن أفكر وقتها إلا في أن أظل قادرًا على استكمال مهمتي»
وصل في النهاية إلى كتيبة طبية، ثم نُقل إلى عيون موسى، ومنها بدأت رحلة علاجه، قبل أن يخضع لجراحة انتهت ببتر ذراعه اليمنى
انتهت مشاركة بيومي في القتال، لكن آثار الحرب بقيت معه
خلال فترة العلاج، التقى السيدة جيهان السادات في إحدى زياراتها للمصابين، ويتذكر أنها سألته عما يريده بعد إصابته
كان رده، كما يرويه بعد أكثر من نصف قرن: «طلبت النصر، والحمد لله انتصرت مصر، ولم أكن أريد شيئًا آخر»
وفي عام 1974، سافر إلى يوغوسلافيا لاستكمال العلاج، وهناك التقى الرئيس الراحل أنور السادات
يقول: «زارنا الرئيس السادات، وكان معي عدد من زملائي، وتحدث معي عن الحرب ومهمتي، وأطلق عليّ لقب قاهر خط بارليف»
وحصل بيومي بعد الحرب على عدد من الأوسمة والتكريمات، من بينها نوط الواجب من الدرجة الثانية، ونوط الشجاعة من الدرجة الثانية، وميدالية السادس من أكتوبر، إلى جانب تكريمات لاحقة من القوات المسلحة والجيشين الثاني والثالث الميدانيين
ورغم أن لقب «قاهر خط بارليف» ظل ملازمًا لاسمه، فإنه يعيد الفضل إلى رفاقه الذين شاركوه المهمة
يقول: «أعتز باللقب لأنه يذكرني بالمهمة التي شاركت فيها مع زملائي، لكن كل واحد منا كان له دور، وكل مجموعة كانت تنفذ مهمتها حتى يكتمل العبور»
بعد 53 عامًا، لا تختصر ذاكرة إسماعيل بيومي الحرب في الذراع التي فقدها، ولا في الأوسمة التي حصل عليها، بل في أربع سنوات من التدريب انتهت بساعات حاسمة أمام الساتر الترابي، وفي رفاق قاتلوا إلى جواره، ومهمة لم يكن نجاح أي فرد فيها منفصلًا عن نجاح الآخرين
وحين يعود بذاكرته إلى أكتوبر، يختصر ما بقي من تلك الأيام في كلمات قليلة
«أكتوبر بالنسبة لي ليس مجرد ذكرى، وإنما حياة كاملة، فقدنا زملاء لنا وأصيب آخرون، لكننا كنا نرى مصر أمامنا، وكان النصر هو الهدف الذي لم يكن أمامنا بديل عنه»







.jpg)

.png)
.jpg)


.jpg)






