الفاتورة الخفية للحرب.. تصاعد مقلق لحالات الانتحار واضطراب ما بعد الصدمة بين جنود الاحتلال
بينما تواصل إسرائيل حربها وعملياتها العسكرية الواسعة، تتكشف في الداخل تداعيات نفسية عميقة داخل المؤسسة العسكرية، حيث أشارت بيانات صحية نقلتها صحيفة «ذا تليجراف» البريطانية إلى ارتفاع لافت في معدلات اضطراب ما بعد الصدمة وحالات الانتحار بين الجنود.
وخلال شهر واحد فقط، أُبلغ عن وفاة ثلاثة جنود بالانتحار، بينهم امرأتان شابتان، ليرتفع العدد الإجمالي منذ بداية العام إلى 17 حالة، في ظل استمرار الاستدعاء المتكرر لقوات الاحتياط. ولا تعكس هذه الأرقام ضغوط الخدمة الممتدة فحسب، بل تكشف حجم الثمن النفسي الباهظ نتيجة تكرار التعرض لمشاهد العنف والموت في الميدان.
لا يقتصر النزيف النفسي على صفوف الجيش، إذ تُظهر بيانات صندوق المرضى «كلاليت» اتساعاً غير مسبوق في نطاق الاضطرابات النفسية بين عامة الإسرائيليين؛ حيث ارتفعت تشخيصات اضطراب ما بعد الصدمة بنحو 70% منذ هجمات السابع من أكتوبر، ليصبح المعدل أعلى من مستواه السابق بثلاثة إلى أربعة أضعاف. وتشير التقديرات الصحية إلى أن نحو 60 ألف حالة إضافية يمكن إرجاعها مباشرة لتداعيات الصراع، بمعزل عن أمراض الاكتئاب والقلق والذهان. ويحذر الخبراء من أن استمرار حالة الحرب يمنع عملية التعافي الطبيعية، مما يجعل هذه الأرقام مجرد بداية لأزمة أعمق.
تتجاوز التداعيات حدود الجبهة العسكرية لتطال المجتمع بأسره في ظل التجنيد الإلزامي وصغر مساحة البلاد، حيث تحولت الأزمة إلى شعور عام بالعجز وفقدان الثقة في المؤسسة الأمنية. ويبرز التأثير الأقسى على الأطفال والمراهقين دون سن الثامنة عشرة، إذ صُنّف أكثر من 30 ألف طفل كـ«ضحايا إرهاب»، يعاني بعضهم من اضطرابات حادة وأفكار انتحارية.
ويؤكد الأطباء أن هذه الصدمات المبكرة تنذر بامتداد آثارها لسنوات طويلة، لتلقي بظلالها الثقيلة على جيل كامل نشأ وسط الخوف وعدم الاستقرار.
في مواجهة هذا الاحتياج الهائل، تقف المنظومة الصحية الإسرائيلية عاجزة بسبب نقص الأطباء وعلماء النفس المؤهلين، مما دفع المؤسسات للاستعانة بأخصائيين اجتماعيين وتدريب المئات من مدربي المرونة كحلول بديلة. ومع ذلك، لا تلغي هذه التدابير حجم المشكلة في ظل استمرار القتال، حيث يحذر المتخصصون من لجوء المتضررين إلى وسائل بديلة للتكيف، يتقدمها الانتشار الواسع للقنب الطبي الذي وصل عدد المسجلين للحصول عليه إلى 140 ألف شخص، وسط مخاوف جدية من تفاقم الأعراض الذهانية وزيادة معدلات إدمان المخدرات والكحول.
يحذر الخبراء وخبراء الصحة النفسية من أن توقف العمليات العسكرية لن يعني نهاية الأزمة، بل قد يمثل بدايتها الفعلية؛ فتجارب الحروب السابقة تؤكد أن معدلات الانتحار والاضطرابات النفسية تميل للارتفاع بعد انتهاء المعارك، حين يتوقف نمط الحياة القائم على الخطر الجماعي ليواجه الأفراد صدماتهم بصورة فردية ومباشرة. ومع لجوء المؤسسات الطبية لتجارب علاجية حديثة ومحدودة مثل استخدام مادة MDMA، يظل الداخل الإسرائيلي محاصراً بهاجس ثقيل مفاده أن فاتورة الحرب النفسية ستظل تُدفع لأجيال قادمة.




.png)
.jpg)


.jpg)
.jpg)






