محمد صوفان: التفاعل المرتفع على «إكس» لا يعني تأييدًا أوسع
أثار الباحث الحاسوبي محمد صوفان تساؤلات حول مدى قدرة منصات التواصل الاجتماعي على عكس اتجاهات الرأي العام، بعد تحليل أظهر أن النقاشات السياسية الرقمية قد تمنح عددًا محدودًا من الحسابات حضورًا وحصة من التفاعل تفوق بكثير وزنها العددي داخل النقاش.
وجاء تحليل صوفان المنشور على «غلوبال فويسز» استنادًا إلى دراسة بحثية أجراها حول النقاش العربي المرتبط بحزب الله على منصة «إكس»، لقياس كيفية توزيع التفاعل بين آلاف المستخدمين، ثم مناقشة ما تعنيه هذه البنية عند التعامل مع منصات التواصل كمؤشر على الرأي العام.
ولاقى التحليل انتشارًا خارج نسخته الأصلية بالإنجليزية، إذ تُرجم عبر شبكة «غلوبال فويسز» إلى الإسبانية والكرواتية والروسية والعربية، كما تناولت «الميادين الإنجليزية» نتائجه في تغطية إعلامية منفصلة.
وتطرح النتائج إشكالية تتجاوز الحالة اللبنانية نفسها: فحين تتكرر الرسائل ذاتها وتحتل حسابات محدودة مساحة واسعة من النقاش، قد يصبح من السهل الخلط بين الصوت الأكثر ظهورًا والرأي الأكثر انتشارًا. وهو ما يفتح سؤالًا أوسع حول الطريقة التي يقرأ بها الجمهور والصحفيون والباحثون ما يحدث على منصات التواصل، ومدى صلاحية هذا المحتوى كمؤشر على اتجاهات المجتمع.
ماذا كشفت دراسة محمد صوفان عن تركّز التفاعل على «إكس»؟
اعتمدت الدراسة على عينة ضمت 15,767 منشورًا عربيًا على منصة «إكس»، كتبها 8,148 مستخدمًا ضمن نقاشات مرتبطة بحزب الله في لبنان. وعند قياس توزيع التفاعل، ظهرت درجة مرتفعة من التركّز بين عدد محدود من الحسابات.
فقد استحوذ أعلى 1% من المستخدمين على 61.5% من إجمالي التفاعل الذي شملته الدراسة، بينما وصلت حصة أعلى 5% من الحسابات إلى 90.6%. ويعني ذلك أن الجزء الأكبر من الإعجابات وإعادة النشر والردود لم يكن موزعًا بالتساوي بين آلاف المشاركين، بل تركز بدرجة كبيرة حول مجموعة صغيرة نسبيًا منهم.
هذه النتيجة لا تحدد وحدها ما إذا كانت الآراء التي نشرتها تلك الحسابات تحظى بتأييد واسع داخل المجتمع اللبناني، لكنها تكشف قيدًا أساسيًا عند استخدام التفاعل الرقمي كمؤشر على الرأي العام: الحضور الكبير على المنصة قد يعكس تركّزًا في النشاط والتفاعل أكثر مما يعكس اتساعًا مماثلًا في عدد الأشخاص الذين يتبنون الموقف نفسه.
ومن هنا يصبح عدد المنشورات أو حجم التفاعل أقل وضوحًا مما يبدو للوهلة الأولى. فقد يظهر موقف معين بكثافة على الشاشة، رغم أن الجزء الأكبر من هذا الظهور مرتبط بعدد محدود من الحسابات، وهو ما يمهد للسؤال الأهم: كيف يتحول هذا التركّز إلى انطباع بأن موقفًا ما يمثل إجماعًا أوسع؟
عندما يبدو التكرار وكأنه إجماع شعبي
لا يحتاج الرأي إلى أن يكون ممثلًا للأغلبية حتى يبدو واسع الانتشار على منصات التواصل. ففي البيئات الرقمية، يمكن لتكرار الرسالة نفسها وارتفاع معدلات التفاعل معها أن يمنحها حضورًا يتجاوز حجم المجموعة التي تدفع بها أصلًا.
وفي مقاله المنشور على «غلوبال فويسز»، كتب صوفان: «فعندما تحتكر مجموعةٌ صغيرة المشهد المرئي، قد يُولد ذلك انطباعًا زائفًا بوجود إجماع عام في حين أنه لا وجود له في الواقع».
وقد تتفاقم هذه المفارقة عندما تعيد الحسابات النشطة نشر المواقف نفسها، أو تتفاعل معها بصورة متكررة، فتظهر للمستخدم مرارًا خلال تصفحه. ومع الوقت، قد يتحول هذا الحضور المتكرر إلى انطباع بأن الرأي أصبح سائدًا أو أن هناك إجماعًا أوسع حوله، حتى عندما لا تتوافر بيانات حقيقية تثبت ذلك.
ويمكن تصور الأمر ببساطة: إذا دفعت مجموعة محدودة من الحسابات بفكرة واحدة إلى الواجهة عبر النشر وإعادة النشر والتفاعل المكثف، فقد يواجه المستخدم هذه الفكرة عدة مرات في يوم واحد. ما يراه هنا ليس بالضرورة عددًا كبيرًا من الأشخاص المستقلين الذين توصلوا إلى الموقف نفسه، بل قد يكون انعكاسًا لقوة التكرار وكثافة النشاط داخل الشبكة.
وتصبح المشكلة أكثر تعقيدًا لأن المستخدم لا يرى عادة عينة عشوائية من آراء المجتمع، بل محتوى جرى اختياره وترتيبه وفق أنماط التفاعل والانتشار. لذلك قد يكون ما يظهر أكثر حضورًا على الشاشة مختلفًا عن ما هو أكثر انتشارًا فعلًا بين الناس.
ولهذا فإن كثافة الرسالة الرقمية لا ينبغي أن تُقرأ تلقائيًا باعتبارها دليلًا على اتساع التأييد لها. فبين الانتشار داخل المنصة والتمثيل الحقيقي للرأي العام مسافة قد تكون أكبر بكثير مما توحي به أرقام المشاهدات والتفاعل.
لماذا قد تضلل منصات التواصل الصحفيين والباحثين؟
تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لدى الصحفيين والباحثين الذين يلجأون إلى منصات التواصل لرصد المزاج العام أو متابعة النقاشات السياسية والاجتماعية. فالمحتوى الأكثر ظهورًا قد يبدو للوهلة الأولى وكأنه يعكس الاتجاه السائد، بينما تكشف البيانات أن الانتشار قد يكون شديد التركّز حول عدد محدود من الحسابات.
فالمنصات لا تقدم للمستخدم أو للصحفي عينة ممثلة من المجتمع، بل تعرض محتوى يتأثر بعوامل متعددة، من بينها حجم التفاعل وسرعة الانتشار وشبكات المتابعين وطريقة ترتيب المنشورات. ولهذا فإن تصدر موقف معين للنقاش لا يعني بالضرورة أن نسبة مماثلة من الناس تتبناه خارج المنصة.
ويصبح الخلط بين الأمرين أكثر خطورة حين تتحول منشورات رائجة أو وسوم متصدرة إلى دليل سريع على «ما يفكر فيه الناس». ففي بعض الحالات، قد يكون ما يظهر على الشاشة انعكاسًا لنشاط مكثف أو شديد التركّز أكثر من كونه تعبيرًا عن قاعدة اجتماعية واسعة.
ولا يعني ذلك أن بيانات منصات التواصل عديمة القيمة. فهي تظل مفيدة في فهم الروايات التي تنتشر، والموضوعات التي تحفز التفاعل، والحسابات التي تملك قدرة أكبر على تشكيل النقاش الرقمي. لكن استخدامها لقياس الرأي العام يتطلب حذرًا أكبر، لأن ما يمكن أن تخبرنا به المنصة عن انتشار الرسالة ليس هو بالضرورة ما يمكن أن تخبرنا به عن حجم التأييد لها داخل المجتمع.
ومن هنا يصبح السؤال المنهجي أكثر أهمية من مجرد عدّ المنشورات أو التفاعلات: هل نقيس ما يعتقده الناس فعلًا، أم نقيس فقط ما نجح في أن يصبح أكثر ظهورًا داخل المنصة؟
كيف نقرأ الرأي العام على منصات التواصل بصورة أكثر دقة؟
إذا كانت المنصات قادرة على تضخيم حضور مجموعات صغيرة شديدة النشاط، فإن قراءة الرأي العام من خلالها تحتاج إلى أكثر من مجرد متابعة الوسوم الرائجة أو المنشورات الأعلى تفاعلًا. بالأرقام الكبيرة قد تكون لافتة، لكنها لا تكشف وحدها مدى اتساع القاعدة الاجتماعية التي تقف خلفها.
ولهذا يصبح من المهم النظر إلى مؤشرات أخرى، مثل عدد الحسابات الفريدة المشاركة، ومدى تركّز التفاعل، وتنوع المستخدمين الذين يدفعون النقاش إلى الواجهة. فهناك فرق واضح بين رأي تتبناه أعداد كبيرة من المستخدمين بصورة مستقلة، ورأي يحقق انتشارًا واسعًا لأن مجموعة محدودة من الحسابات تكرره وتضخمه باستمرار.
وتظل استطلاعات الرأي والعينات الممثلة أدوات مختلفة في وظيفتها عن بيانات منصات التواصل. فالأولى تحاول قياس اتجاهات المجتمع وفق منهجية مصممة للتمثيل، بينما تكشف الثانية بدرجة أكبر ما الذي ينتشر داخل البيئة الرقمية، ومن يملك القدرة على رفع ظهوره، وكيف تتحرك الروايات بين الحسابات والمستخدمين.
وبهذا المعنى، لا تكمن المشكلة في استخدام بيانات «إكس» أو غيرها، بل في تحميلها ما لا تستطيع قياسه. فهي قد تكون أداة قوية لفهم النقاش العام الرقمي، لكنها لا تتحول تلقائيًا إلى مرآة دقيقة للرأي العام خارج المنصة.
وفي النهاية، قد يكون السؤال الأهم عند قراءة أي موجة رقمية ليس فقط: كم بلغ حجم التفاعل؟ بل أيضًا: كم عدد الأصوات المستقلة التي تقف خلف هذا التفاعل، وهل يمثل الصوت الأعلى فعلًا الرأي الأوسع؟
وفي المحصلة، تشير نتائج الدراسة إلى أن الانتشار الرقمي لا يساوي بالضرورة التمثيل الشعبي، وأن ارتفاع التفاعل حول موقف معين قد يعكس تركّزًا شديدًا في النشاط أكثر مما يعكس اتساع التأييد داخل المجتمع. وهو فارق يصبح مهمًا كلما جرى التعامل مع منصات التواصل باعتبارها نافذة مباشرة على الرأي العام.
ولا تقتصر هذه الإشكالية على النقاش اللبناني أو على قضية بعينها، بل تمتد إلى أي سياق سياسي أو اجتماعي تُستخدم فيه الوسوم والمنشورات الرائجة والتفاعل المرتفع كمؤشرات سريعة على «ما يعتقده الناس». لذلك تبقى قراءة الرأي العام الرقمي بحاجة إلى قدر أكبر من الحذر، وإلى التمييز دائمًا بين ما ينجح في الظهور بقوة على المنصة وما يحظى فعلًا بانتشار أوسع بين الجمهور.




.png)
.jpg)
.jpeg)

.jpg)
.jpg)






