سباق الهيمنة البحرية يشعل أخطر مواجهة آسيوية في المحيط الهندي
قال الباحث في شؤون الشرق الأوسط الدكتور بكير أتاجان، إن منطقة المحيط الهندي تشهد تصاعدًا متسارعًا في التنافس الاستراتيجي بين الهند والصين، محذرًا من أن ما يجري يتجاوز مجرد تحركات عسكرية متبادلة، ليعكس بداية مرحلة جديدة من الصراع على النفوذ البحري وإعادة تشكيل موازين القوى في آسيا خلال العقود المقبلة.
وأوضح أتاجان، في تصريحات لـ"النهار"، أن الاهتمام الدولي ينصب حاليًا على ملفات الاتفاق مع إيران، وأزمة مضيق هرمز، والتطورات الإقليمية الأخرى، في حين تتشكل في المحيط الهندي أزمة جيوسياسية لا تقل خطورة، مع استمرار الهند والصين في تعزيز حضورهما العسكري والبحري داخل واحدة من أهم المناطق الحيوية للاقتصاد العالمي.
وأشار إلى أن التقارير الأخيرة الصادرة عن صحيفتي "التليجراف" و"تايمز أوف إنديا" كشفت عن نشر البحرية الهندية مجموعة من السفن الحربية المتطورة المصنعة محليًا في قلب المحيط الهندي، بهدف مراقبة التحركات الصينية وتعزيز قدرات الردع، في خطوة تعكس انتقال نيودلهي إلى مرحلة أكثر نشاطًا في حماية مجالها البحري الاستراتيجي.
هواجس هندية
ويرى أتاجان أن التحركات الهندية لا يمكن فهمها بمعزل عن التوسع البحري الصيني الذي شهدته المنطقة خلال السنوات الماضية، موضحًا أن بكين عملت بصورة منهجية على بناء شبكة واسعة من الموانئ والمنشآت اللوجستية الممتدة من باكستان وحتى شرق أفريقيا، ضمن ما يعرف في الأدبيات الاستراتيجية بـ"سلسلة اللؤلؤ".
وأضاف أن هذه الشبكة لا تقتصر على الاستثمارات الاقتصادية أو التجارية، وإنما توفر للصين نقاط ارتكاز بحرية تمنحها قدرة أكبر على حماية طرق التجارة والطاقة، وتوسيع حضورها العسكري والاستخباراتي بعيدًا عن سواحلها، وهو ما تنظر إليه المؤسسات الأمنية الهندية باعتباره تحولًا يمس بصورة مباشرة توازنات القوة في المحيط الهندي.
وأوضح أن ميناء جوادر الباكستاني يمثل إحدى أهم ركائز المشروع الصيني، باعتباره منفذًا مباشرًا على بحر العرب، فيما يوفر مشروع كياوكفيو في ميانمار منفذًا استراتيجيًا إلى خليج البنغال، يقلل اعتماد بكين على مضيق ملقا، إلى جانب ميناء هامبانتوتا في سريلانكا، الذي يمنح الصين موطئ قدم قريبًا من السواحل الهندية، فضلًا عن القاعدة العسكرية الصينية في جيبوتي التي تشكل أول حضور عسكري دائم لبكين خارج أراضيها.
صراع النفوذ
وأشار الباحث إلى أن نيودلهي تنظر إلى هذه التحركات باعتبارها أجزاء مترابطة من استراتيجية صينية بعيدة المدى تهدف إلى تطويق المجال الحيوي للهند وتقليص هامشها الاستراتيجي في المنطقة، وليس مجرد مشروعات تنموية أو اقتصادية منفصلة.
وأضاف أن الأجهزة الأمنية الهندية تعتقد أن النشاط البحري الصيني يتجاوز حماية خطوط التجارة، ليشمل جمع المعلومات الاستخباراتية حول القدرات العسكرية الهندية، ودعم انتشار الغواصات الصينية بعيدة المدى، وتعزيز النفوذ السياسي لبكين لدى دول المحيط الهندي، إلى جانب مراقبة الممرات البحرية التي تعتمد عليها الهند في استيراد الطاقة وتسيير تجارتها الخارجية.
وأكد أن استمرار التوسع الصيني دون رد هندي سيؤدي تدريجيًا إلى فرض واقع استراتيجي جديد يمنح بكين قدرة أكبر على التأثير في أمن الهند الاقتصادي والطاقة، وهو ما يفسر تسارع برامج التسلح البحري الهندية خلال المرحلة الحالية.
حرب مؤجلة
واستبعد أتاجان أن يقود التصعيد الحالي إلى اندلاع حرب شاملة بين البلدين في المدى القريب، مشيرًا إلى أن الهند والصين تدركان حجم التداعيات الاقتصادية والعسكرية والسياسية لأي مواجهة مباشرة، خاصة أنهما دولتان نوويتان وتمثلان معًا نحو ثلث سكان العالم، كما يشكل اقتصاداهما ركيزة أساسية في الاقتصاد العالمي.
ورأى أن المرحلة الحالية أقرب إلى ما يمكن وصفه بـ"حرب نفوذ استراتيجية"، يسعى خلالها كل طرف إلى تعزيز حضوره العسكري وإظهار قدراته الردعية، دون تجاوز الخطوط التي قد تؤدي إلى مواجهة عسكرية مفتوحة، في ظل إدراك الطرفين لحجم الكلفة التي قد تترتب على أي صدام مباشر.
محاور متنافسة
وتناول الباحث أبعاد الاصطفافات الدولية المرتبطة بهذا التنافس، موضحًا أن الولايات المتحدة تنظر إلى الهند باعتبارها أحد أهم شركائها في موازنة النفوذ الصيني داخل آسيا، وهو ما انعكس في توسع التعاون العسكري والاستخباراتي والتكنولوجي بين الجانبين خلال السنوات الأخيرة.
وفي المقابل، أشار إلى أن العلاقات الوثيقة التي تربط الصين بباكستان، سواء عبر التعاون العسكري أو المشروعات الاقتصادية الكبرى، وعلى رأسها الممر الاقتصادي الصيني ـ الباكستاني، تعزز من تعقيد المشهد الإقليمي، دون أن يعني ذلك وجود اصطفاف ثنائي جامد، إذ تدرك جميع الأطراف أن أي مواجهة مفتوحة ستنعكس بصورة مباشرة على الاستقرار العالمي.
موازين جديدة
واختتم أتاجان تحليله بالتأكيد على أن ما يجري في المحيط الهندي يمثل جزءًا من صراع أوسع على قيادة آسيا والسيطرة على أهم الممرات البحرية التي تشكل شرايين الاقتصاد العالمي، مشددًا على أن جوهر الأزمة لا يتعلق بالسفن أو الموانئ بقدر ما يرتبط بإعادة رسم موازين القوى الدولية.
وأضاف أن الصين تسعى إلى تأمين طرق تجارتها ومصادر طاقتها وتوسيع مجالها البحري، بينما تعتبر الهند المحيط الهندي امتدادًا طبيعيًا لأمنها القومي ومجالها الحيوي، الأمر الذي يجعل التنافس بين الجانبين مرشحًا لأن يصبح أحد أكثر الملفات تأثيرًا في تشكيل النظام الدولي خلال العقد المقبل، وربما أحد أبرز العوامل التي ستعيد صياغة توازنات القوة العالمية في القرن الحادي والعشرين.

















.jpg)






