كيف تنظر إيران لدول الخليج منذ عبق التاريخ؟
أجاب محمد فتحي الباحث بالمنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية، على التساؤل الخاص بـ «كيف تنظر إيران للعرب منذ عبق التاريخ؟»، موضحاً أن وقائع التاريخ وتقلباته تؤكد أنه لا يمكن فهم السلوك السياسي الإيراني تجاه العالم العربي بمعزل عن البنية الثقافية والتاريخية التي تشكل وعي الدولة والنخبة معًا، حيث يتناقض في كثير من الأحيان الخطاب السياسي للسلطة التنفيذية خاصة إذا كان من يتولى مقاليد الأمور أحد رموز «الإصلاح»، مع الخطاب السياسي العدائي لبعض أجهزة الدولة الإيرانية التي يسيطر عليها الحرس الثوري، إذ تبرز قضية اعتذار الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لدول الخليج بعد استهدافها خلال الحرب الأخيرة كواحدة من أبرز الوقائع التي تكشف عن حجم التباين في الرؤية الداخلية الإيرانية تجاه دول الخليج، كما يعكس حالة داخلية تستند على ميراث تاريخي كبير من الصراع الفارسي مع العرب.
وقال في تحليل له، إن الكثير من السرديات الأدبية في إيران تكشف عن حالة من الاستعلاء الفارسي تجاه العرب أو دول الخليج على وجه التحديد، خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار بكائيات أبو القاسم الفردوسي في مؤلفه الأبرز «الشاهنامة» بعد سقوط الإمبراطورية الساسانية إثر الفتح العربي، والتي تأسست عام 224م، وظلت لأكثر من أربعة قرون واحدة من أقوى الإمبراطوريات في العالم القديم، إلا أن هذا الكيان الإمبراطوري انهار سريعًا تحت ضربات الجيوش العربية الإسلامية، بدءًا من معركة القادسية (636–637م) التي هُزم فيها الجيش الفارسي بقيادة رستم فرخزاد، وصولًا إلى معركة نهاوند التي أنهت فعليًا الوجود السياسي الساساني.
وشدد الباحث في تحليله أن هذه الهزيمة لم تكن مجرد خسارة عسكرية، خاصة وأنها حفرت في الذاكرة السياسية للشعب الإيراني بشكل عام، وتسببت في صدمة حضارية لدى الفرس، إذ انتقل الفرس من موقع الإمبراطورية إلى موقع الدولة العادية، وهو ما يمكن أن يفسر حساسية الفرس تجاه العرب، والتي تظهر دائمًا إما في خطابهم السياسي تجاه العرب أو حتى إنتاجهم الأدبي والفلسفي الذي يسعى إلى وضع مقارنة بين الطرفين تبرز تفوق الفرس على حساب العرب أو الخليج على وجه التحديد في الإنتاج العلمي والأدبي والفلسفي على حد سواء، مؤكداً أن الفتح العربي الإسلامي عكس لكثير من الأمصار بروز حالتين في هذا الفتح، فأنتج دولًا قبلت الإسلام والعروبة معًا، فيما قبلت شعوب أخرى الإسلام فقط ورفضت العروبة لغة وعادات، فكان حظ إيران أن رفضت الذوبان في الهوية العربية، لتحافظ على تراثها الحضاري الذي يضرب بجذوره في أعماق التاريخ، ورفعت شعار «إسلام بلا تعريب».
وأكد أن الفرس قد حرصوا على الحفاظ على الهوية والقومية الخاصة بهم في ظل المد العربي المستجد والطارئ على بيئتهم التي تضم أعراقًا مختلفة وعادات غير متجانسة، وهو ما دعا الفرس لأن ينظروا إلى العرب بصفتهم قوة عسكرية هزمت إمبراطوريتهم لا شريكًا حضاريًا يمكن التفاعل معه، ويزيد على ذلك المناهج التعليمية في المراحل الدراسية الإيرانية التي تصور الجزيرة العربية على أنهم شعوب قبلية عاشت في عبادة الأوثان لفترة طويلة، ولم يكن لديهم حضارة، تمامًا كما تذكر كتب الفلسفة الإيرانية وأهمها كتاب “مسار الفلسفة في إيران والعالم خلال عشرين قرنًا” حيث يذكر مؤلفه محمد الخامنئي أن الجزيرة العربية خلت من الحضارة ولم يظهر فيها إلا الشعر الذي طفا على المنطقة من منبع وجود الإنسان في الطبيعة فقط.
ونوه الباحث إلى أن المآثر الفارسية وفي القلب منها «شاهنامة» الفردوسي تكشف عن نظرة الإيرانيين للعرب منذ قديم الأزل وحتى حاضرنا المعاش، إذ إن ملحمة الشاهنامة لا تكتفي بسرد تاريخ ملوك الفرس وشجاعتهم وإقدامهم في المعارك، بل تعمل على تمجيد الماضي الفارسي ما قبل الإسلام، مقابل تصوير لحظة الفتح باعتبارها انكسارًا تاريخيًا ومعارك حملت في طياتها إذلالًا تاريخيًا للفرس على يد العرب، وهو ما قد يفسر في كثير من الأحيان عداء الإيرانيين للخليفة الراشد، والصحابي الجليل، عمر بن الخطاب، صاحب ضربة النهاية في معركة نهاوند التي أسقطت الإمبراطورية الساسانية في عهده.











.jpg)
