هل تعاني إيران حالياً من حالة انقسام داخلي؟
قدم الدكتور محمد محسن أبو النور، الخبير في الشئون الإيرانية، تحليلاً مهماً حول ما يشاع مؤخرا أن هناك انقساما داخل بنية السلطة في إيران، مؤكداً أن ذلك أمر صحيح من حيث المبدأ، لكنه يحتاج إلى قدر من الدقة في توصيف طبيعته، لأن المسألة لم تعد كما كانت في السابق صراعا واضحا بين إصلاحيين برجماتيين ومحافظين مبدئيين، بقدر ما تحولت إلى اختلافات داخل المعسكر نفسه حول كيفية إدارة العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية إثر الحربين الأخيرتين يونيو 2025 وفبراير 2026م.
وقال «أبو النور» في تحليل له، إن ما يظهر على السطح لأي مراقب هو أن الجميع تقريبا داخل النظام يتفق على الخطوط الاستراتيجية الكبرى، وهي رفض الضغوط الأمريكية المدفوعة برغبات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وعدم التفاوض تحت الحصار البحري الأمريكي، والحفاظ على عناصر القوة الإقليمية والنووية، وعدم تقديم تنازلات تمس جوهر النظام، لكن الخلاف يظهر عند مستوى التكتيك، ويثور السؤال الأهم هل تستفيد طهران من مسار إسلام آباد كأداة لتخفيف الضغط وإعادة ترتيب الأوراق، أم يتم النظر إلى تلك الآلية كخطر قد يفسر على أنه ضعفا ويغري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمزيد من الضغوط.
وأوضح الدكتور محمد محسن أبو النور، أن هذا التباين التكتيكي يخلق حالة من التردد في صنع القرار، تظهر في شكل بطء الاستجابة، أو تعدد في الرسائل الصادرة عن طهران، أو حتى تعطيل بعض المسارات التفاوضية في لحظات معينة، خاصة مع الظروف الصحية التي يعاني منها المرشد مجتبى خامنئي في ظل تقارير عن تعرضه لعملية بتر في الساق، وخاصة ما نشرته الصحفية الأمريكية من أصول إيرانية فرناز فسيحي في نيويورك تايمز.
وأكد أنه في الوقت ذاته، لا يمكن فهم هذا التعدد دائما باعتباره عامل ضعف، ففي بعض الأحيان يستخدم هذا التناقض كأداة تفاوضية تمنح إيران مساحة للمناورة، إذ يمكنها الإيحاء بأن هناك قيودا داخلية تمنعها من تقديم تنازلات أكبر، غير أن هذه الأداة قد تنقلب إلى عبء عندما تزداد الفجوة بين الرؤى المختلفة، فتتحول من تنوع محسوب إلى حالة من الإرباك تؤثر على استمرارية التفاوض وثقة الطرف الآخر في جدواه.
أما من حيث التأثير على مسار المفاوضات، أكد الخبير في الشئون الإيرانية، أن النتيجة الأبرز لهذا الوضع هي إطالة أمد العملية التفاوضية وجعلها أكثر هشاشة، فبدلا من التوجه نحو اتفاقات شاملة وسريعة، تميل الأمور إلى صيغ مرحلية أو تفاهمات محدودة يمكن التراجع عنها أو تعديلها بسهولة.
وشدد على أن هذا النمط يعكس رغبة ضمنية في كسب الوقت وإدارة الضغوط بدلا من حسمها، لكنه في المقابل يزيد من احتمالات التعثر المفاجئ؛ لأن أي تغير في ميزان القوى داخل النخبة الحاكمة قد ينعكس فورا على موقف التفاوض.
وفيما يتعلق بطبيعة الأجنحة الحالية بعد رحيل عدد من قادة الصف الأول، ذكر أن المشهد يشهد إعادة تشكيل داخلية تميل لصالح المؤسسات الأكثر صلابة، وعلى رأسها الأجهزة الأمنية والعسكرية، بحيث لم يعد هناك ذلك التوازن النسبي الذي كان يسمح بظهور أصوات مدنية أو براجماتية قادرة على التأثير المستقل، بل أصبحت هذه الأصوات تعمل ضمن سقف تفرضه اعتبارات أمنية وإستراتيجية أكثر تشددا.
وأوضح أنه مع ذلك، لا يعني هذا أن القرار أصبح أحاديا بالكامل؛ بل إن ما نشهده هو شبكة قيادة أكثر تماسكا من الخارج، لكنها تحتوي في داخلها على اختلافات في التقدير والتوقيت، لا في الأهداف النهائية.
ونوه إلى أنه في المحصلة، يمكن القول إن إيران لا تعيش انقساما يهدد وحدة النظام، ولكنها إزاء حالة من التعدد داخل إطار إستراتيجي واحد من شأنه أن يمنحها قدرة على الصمود والتكيف، لكنه في الوقت نفسه يجعل قراراتها أكثر حذرا وأبطأ في الحسم، لذلك، فإن أي مسار تفاوضي معها سيظل محكوما بهذه المعادلة القائمة على المرونة التكتيكية المحدودة داخل الصلابة الإستراتيجية العالية، وهو ما يفسر لماذا تبدو المفاوضات معها دائما طويلة ومعقدة وقابلة للتقلب وتحتاج إلى أصحاب النفس الطويل.









.jpg)

