دلالات حظر لعبة «روبلوكس».. خبراء يوضحون لـ «النهار»
في خطوةٍ استشرافيةٍ لمآلاتِ الفضاءِ السيبراني المنفلت، تقرر رسمياً حظر منصة «روبلوكس» ذلك الفضاء الافتراضي الذي ما فتئ يتمددُ كالأخطبوطِ في نسيج المجتمع، ولم يأتِ هذا القرارُ وليدَ الصدفة، ولا محضَ تعنتٍ إجرائي، بل جاء استجابةً لضروراتٍ حتميةٍ تفرضها حمايةُ النشءِ من لوثاتٍ رقميةٍ باتت تنهشُ في عقولهم كالسوسِ في الخشبِ العتيق.
في البداية، وضحت إيمان علي خبير الأمن السيبراني المعضلة التقنية، مؤكدة أنه تقنياً، لا يمكن اختزال «روبلوكس» في كونها مجرد لعبة فيديو تقليدية؛ بل هي، بلغةِ أهلِ الاختصاص، هي منصةُ تطويرٍ تشاركية تعتمدُ على محركاتِ فيزياءٍ متقدمة ولغة برمجة (Lua) تتيحُ للمستخدمينَ بناءَ عوالمهم الخاصة. وهنا يكمن مقتلُ الأمر؛ فغيابُ الرقابةِ المركزية الصارمة على ملايين الأكوادِ والسيناريوهاتِ التي يتم ضخها يومياً يجعلُ من المستحيلِ فلترةَ المحتوى بآلياتِ الذكاء الاصطناعي التقليدية وحدها.
من جانبها، أكد هيثم طارق، محاضر الذكاء الاصطناعي بالجامعة الأمريكية بالقاهرة لـ «النهار»، أن المنصة تحولت إلى بيئةٍ خصبةٍ لتقنياتِ الهندسةِ الاجتماعية، حيثُ يتم استدراجُ القاصرينَ عبر غرفِ دردشةٍ مشفرةٍ يصعبُ تتبعها، ناهيك عن استغلالِ الثغراتِ في واجهاتِ برمجةِ التطبيقات (APIs) لتمريرِ محتوياتٍ بصريةٍ وصوتيةٍ تتنافى مع القيم، بل وتصلُ إلى حدِ التعدينِ الخبيثِ لبياناتِ المستخدمين. إنَّ البنيةَ اللامركزيةَ للمحتوى داخل روبلوكس تجعلُ منها «حصانَ طروادة» مثالي لاختراقِ الخصوصيةِ الرقميةِ للأسرِ المصرية، مما يجعلُ قرارَ الحجبِ إجراءً وقائياً لتحصينِ الجدارِ الناري القومي ضد اختراقاتٍ لا تُحمد عقباها.
وفي سياق متصل، كشفت ريهام متولي، باحثة في العلوم النفسية البُعد السيكولوجي للقرار، موضحة أن هذا القرار يمثل طوقَ نجاةٍ لجيلٍ كاملٍ يغرقُ في مستنقعِ الإدمانِ الرقمي، حيث أن التصميمَ السيكولوجي للمنصةِ يعتمدُ على حلقاتِ المكافأةِ الدوبامينية التي تخلقُ حالةً من الارتباطِ القهري لدى الطفل، فاصلةً إياهُ عن واقعهِ المعاش، ومقحمةً إياهُ في عوالمَ افتراضيةٍ تشوهُ إدراكَهُ لمفاهيمِ الخطأ والصواب.
وذكرت أن الأدهى من ذلك، هو تفشي ظواهرَ نفسيةٍ خطيرةٍ داخل أروقةِ اللعبة، مثل التنمرِ السيبراني والاستغلالِ الجنسي الإلكتروني، فلقد أضحت الشخصياتُ الافتراضيةُ ستاراً يتوارى خلفهُ مفترسونَ يمارسونَ ضغوطاً نفسيةً هائلةً على الأطفال، مما يورثهم اضطراباتٍ كالقلقِ والاكتئاب، بل وقد يدفعهم إلى سلوكياتٍ عدوانيةٍ أو انزواِيةٍ حادة. إنَّ حجبَ هذا المنبعِ المسمومِ ليس تضييقاً على الحريات، بل هو انتصارٌ للصحةِ النفسيةِ للطفل، وحمايةٌ لهويتهِ من التشظي في فضاءاتٍ لا تعترفُ بحدودٍ ولا قيم.
واختتم الخبراء تحليلهم، بأن قرارَ حجبِ «روبلوكس» ليس نهايةَ المطاف، بل هو جرسُ إنذارٍ يستدعي تضافرَ الجهودِ بين الأسرةِ والمؤسساتِ التعليميةِ والجهاتِ الرقابية، لملءِ الفراغِ ببدائلَ تقنيةٍ آمنة، تبني العقولَ ولا تهدمها، وتُنمي المهاراتِ ولا تستنزفها.


.jpg)

.png)





.jpg)
.jpeg)


