النهار
جريدة النهار المصرية

عربي ودولي

بولندا تفضح الوجه الآخر لأوروبا.. الديمقراطية حلال للحلفاء وحرام على الخصوم

بولندا
أمل الصنافيري -

تعيش بولندا واحدة من أخطر أزماتها الدستورية، بعدما تحول القضاء إلى ساحة مفتوحة للصراع بين الحكومة والرئاسة والمعارضة، في مواجهة تكشف تناقضات الخطاب الأوروبي بشأن الديمقراطية وسيادة القانون، وتفتح الباب أمام سؤال أكثر إحراجًا لبروكسل: هل تتمسك أوروبا بالديمقراطية باعتبارها مبدأ ثابتًا، أم تدافع عنها فقط عندما تتوافق مع توجهاتها السياسية ومصالحها؟

وتفجرت المواجهة في 30 أكتوبر الماضي، بعدما قطع الرئيس البولندي كارول نافروتسكي رحلته إلى السنغال وعاد إلى وارسو، إثر إعلان القاضية آنا كورفين-بيوترُوفسكا تعليق رئيس المحكمة الدستورية بوجدان شفيتشكوفسكي عن مهامه، وتوليها إدارة المحكمة.

واعتبرت المعارضة وحزب القانون والعدالة المحافظ ما حدث استيلاءً على مؤسسة دستورية، بينما دافعت حكومة رئيس الوزراء دونالد توسك عن تحركاتها باعتبارها محاولة لإنهاء سنوات من تسييس القضاء واستعادة استقلال المؤسسات.

ولا تنفصل الأزمة الحالية عن صراع بدأ عام 2015، عندما تولى حزب القانون والعدالة السلطة وأجرى تغييرات واسعة في النظام القضائي، دفعت الاتحاد الأوروبي إلى اتهام وارسو بتقويض استقلال القضاء، وفرض إجراءات عقابية وتجميد أموال أوروبية.

لكن وصول حكومة توسك المؤيدة للاتحاد الأوروبي عام 2023 لم ينهِ الأزمة، بل فتح فصلًا جديدًا من الصراع حول شرعية التعيينات القضائية وحدود تدخل السلطة التنفيذية.

وقالت المحللة في الشأن الأوروبي هنادي محمد إن ما يحدث في بولندا يمثل تحويلًا للقضاء إلى ساحة للصراع بين السلطة الحاكمة والمعارضة، موضحة أن من حق أي حكومة إصلاح المؤسسات ومعالجة المشكلات التي خلفتها الإدارة السابقة، لكن محاولات حكومة توسك واجهت عراقيل من الرئيس المنتمي إلى التيار اليميني المحافظ.

وأضافت أن الأزمة الأخيرة نجحت في جمع أحزاب اليمين خلف موقف معارض للحكومة، رغم اختلاف توجهاتها، مشيرة إلى أن الصراع على شرعية المحكمة الدستورية مرشح لأن يتحول إلى قضية رئيسية في الانتخابات البرلمانية المقبلة، باعتبار أن كل طرف يحاول تقديم نفسه باعتباره المدافع عن الدستور والقانون.

وهنا تظهر المفارقة الأوروبية؛ فالاتحاد الذي استخدم العقوبات والضغوط المالية ضد حكومة اليمين السابقة دفاعًا عن استقلال القضاء، يواجه اليوم اختبارًا جديدًا أمام إجراءات حكومة توسك، التي ترفع شعار استعادة سيادة القانون، وسط اعتراضات على مدى توافق بعض خطواتها مع الأطر الدستورية.

وحذرت هنادي محمد من أن استمرار الانقسام قد ينعكس على قدرة بولندا على تنسيق مواقفها بشأن أوكرانيا، خاصة أن وارسو تمثل مركزًا أساسيًا للدعم العسكري والسياسي واللوجستي لكييف، مؤكدة أن أمن أوكرانيا يرتبط مباشرة بالأمن القومي البولندي.