النهار
جريدة النهار المصرية

عربي ودولي

زلزال الكونجرس يضرب تل أبيب.. إسرائيل أمام مرآة التحولات الأمريكية الكبرى

مها علي
كريم عزيز -

كشفت مها علي، الباحثة في الشئون الإسرائيلية، عن حالة من الصدمة العميقة والهلع السياسي تسود أروقة صنع القرار في تل أبيب؛ فالجميع هناك يتفقون على أن ما جرى مؤخراً في الكونجرس الأمريكي يمثل مصيبة كبرى غير مسبوقة على مستقبل إسرائيل الاستراتيجي. لكن حالة الإجماع هذه تتلاشى تماماً عندما يتعلق الأمر بتشخيص الأسباب، وتتصدع أكثر فأكثر عند محاولة طرح الحلول.

وذكرت في تصريحات خاصة لـ «النهار»، أن الواقع أن النقاش الدائر في إسرائيل يكشف عن تحول جذري ومذهل في الخريطة السياسية الأمريكية، وهو تحول يصفه المراقبون بأنه مخيف. فمن وجهة نظر البحث السياسي، يمكننا القول بكل بساطة إن "إيران هي التي غيّرت النظام في أمريكا وليس العكس".

أين تكمن الأزمة الحقيقية؟

يرفض المحلل الإسرائيلي "عيران عتسيون" دفن الرؤوس في الرمال وارتداء ثوب المظلومية التقليدي عبر ترديد النغمة السهلة بأن السبب الرئيسي هو "ارتفاع موجات الكراهية ومعاداة السامية لإسرائيل". مؤكداً أن هذا التفسير السطحي لن يحل المشكلة.

ويشير "عتسيون" إلى أن الحرب الفاشلة ضد إيران – التي افتقرت لأي تأييد شعبي منذ اليوم الأول وتعارضت صراحة مع تعهدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الانتخابية بعدم خوض حروب كبرى (No more big wars) – كانت المحرك الأساسي لهذا التزلزل. وعادةً ما لا تؤثر السياسات الخارجية بعمق على المزاج الانتخابي الداخلي للناخب الأمريكي، لكن المرة كانت استثنائية؛ إذ انعكست السياسة الخارجية سلباً وبشكل مباشر على تصويت الناخبين ضد الجمهوريين.

كما يلفت "عتسيون" الانتباه إلى مؤشر بالغ الدلالة في انتخابات التجديد النصفي، وهو النسبة المرتفعة من أصوات اليهود الأمريكيين لصالح "عبد الرحمن السيد"، وتكرار المشهد ذاته مع "ممداني" في عمودية نيويورك. هذا التحول يثبت أن قطاعاً من اليهود خارج إسرائيل بات مهتماً حصرياً بمصالحه المعيشية والاجتماعية في موطنه، وغير مبالٍ بالدولة اليهودية ومصالحها. وبالنسبة لتل أبيب، فإن هذا التآكل في "عنصر الهوية" داخل الخيارات الانتخابية لليهود الأمريكيين يمثل تطوراً محبطاً ومرعباً للغاية، بغض النظر عن حجمه النسبي.

تبادل الاتهمات: من أسقط إسرائيل في واشنطن؟

من جهة أخرى، يرى المحلل "عميت سيجال" أن الأزمة تجاوزت مرحلة إلقاء الديمقراطيين مسؤولية أزمات أمريكا على إسرائيل؛ لتصل إلى مرحلة أسوأ بكثير، حيث بات الجمهوريون أنفسهم يعلقون "شماعة فشلهم" على إسرائيل بعد الانتخابات.

وقد تجلى ذلك بوضوح في خطاب "جيه دي فانس"، الذي رتب أسباب هزيمتهم ضامناً "الحرب مع إيران" في المرتبة الأولى محملاً إسرائيل المسؤولية عنها، وجاءت علاقة أمريكا بإسرائيل في المرتبة الرابعة. وهو النهج ذاته الذي أعمل "ترامب جونيور" على إعادة نشره وترويجه.

يحذر "سيجال" من أن هذا الوضع ينذر بالعودة إلى سيناريو قاتم يشبه عام 1975، حين فرض الرئيس الأمريكي جيرالد فورد ووزير خارجيته هنري كيسنجر ما عُرف بـ "إعادة تقييم العلاقات" وجمدا صفقات السلاح للضغط على تل أبيب.

حلول سطحية أم مواجهة جذرية؟

في مواجهة هذا التهديد السياسي الخطير، تباينات وصفات العلاج داخل معسكر الاحتلال:

وصفة عميت سيجال ويائير لابيد 

يقلل يائير لابيد من حجم الأزمة برمتها متسائلاً عن سبب الهلع لمجرد دخول 25 صوتاً متطرفاً فقط إلى الكونجرس من أصل 435 (نسبة أقل من 10%). ويجادل لابيد بأن المشكلة الحقيقية ليست في هؤلاء المتطرفين، بل في "من كانوا معنا وانقلبوا علينا"؛ مشيراً إلى تصاعد عدد أعضاء مجلس الشيوخ المطالبين بتقييد شحنات الأسلحة لإسرائيل من 11 عضواً قبل عامين، إلى 27 العام الماضي، ثم إلى 40 في أبريل الماضي. ويرجع لابيد هذا التراجع إلى تصريحات الحكومة الإسرائيلية المتطرفة وسياسات نتنياهو غير المفهومة.

وعليه، يرى "سيجال" و"لابيد" أن الحل يكمن في "ترتيب البيت داخلياً"، عبر تشكيل حكومة وحدة تضبط الخطاب، تليها جولة دبلوماسية مكثفة لعزل "النواة المتشددة" واستعادة الأصدقاء التقلديين. لكن الواقع يؤكد أن هذه الحلول لا تعدو كونها "علاقات عامة" وتسويقاً سياسياً سطحياً لا يلامس جذور الأزمة، بل إن طرح "سيجال" يبدو موظفاً لخدمة بقاء نتنياهو في السلطة.

وصفة داني سينتروفيتش وعيران عتسيون (المقاربة الجذرية):

في المقابل، قدم المحلل "داني سينتروفيتش" رداً حاسماً على لابيد ومفاده: حتى لو سافرت إلى أمريكا عددًا لا نهائيًا من المرات وقابلت الجميع، فلن يتغير شيء جوهري ما لم يحدث تغيير حقيقي في سياسة إسرائيل تجاه الأراضي المحتلة والفلسطينيين.

فالسياسات الاستيطانية ودعوات الضم مثل منطقة E1 التي يروج لها الشركاء في اليمين المتطرف، تجعل من المستحيل تحسين مكانة إسرائيل الدولية بمجرد الزيارات الدبلوماسية؛ فالأزمة ليست أزمة "علاقات عامة" بل أزمة سياسات.

ويتقاطع مع هذا الطرح عيران عتسيون، الذي دعا إلى تشكيل فريق رفيع المستوى يمثل كافة الوزارات، لإعادة بناء الجسور مع الإدارة الأمريكية والكونجرس والجمهور اليهودي، بشرط أساسي وهو الانطلاق بخلفية سياسية مغايرة تماماً وتوجه جديد كلياً تجاه كافة القضايا الجوهرية.

أين بنيامين نتنياهو من هذا العصف الذهني كله؟

يبقى السؤال الأهم الذي يتردد بقوة في كواليس النقاش الإسرائيلي: أين نتنياهو من كل هذه الأزمة ومحاولات إيجاد الحلول؟

التقديرات تؤكد أن نتنياهو كان مدركاً تماماً لما يحصل، وملمّاً بتبعاته وتداعياته، ومع ذلك استمر في نهجه. لقد كان الكارت الأقوى لنتنياهو طوال مسيرته هو علاقته الوثيقة بالبيت الأبيض وترامب ومهارته الخطابية بالإنجليزية؛ وهو ذات الكارت الذي ظل يلعب به حتى "انقطع تماماً".

كان نتنياهو يعلم أن وقته السياسي لم يعد طويلاً؛ سواء بفعل الاحتقان الداخلي المتصاعد ضده، أو بسبب وضعه الصحي وتقدمه في العمر (77 عاماً ويعاني من السرطان). ولهذا السبب تحديداً، يبدو أنه بات يبحث عن "مجد شخصي" ومباراة اعتزال يحقق فيها نصراً تاريخياً وهمياً، حتى لو كان ثمن ذلك هو إهدار أهم أصل استراتيجي لدولته: العلاقة الوجودية مع الولايات المتحدة.

أما الإجابة الحرفية عن سؤال "أين هو الآن؟"، فهو تساؤل مشروع يطرحه صحفيون بارزون مثل "مسجاف"، لاسيما بعد اختفاء نتنياهو التام وعدم ظهوره في أي زيارة ميدانية أو تسجيل مصور منذ ليلة الانتخابات وحتى اللحظة.. غياب يفتح باب التكهنات واسعاً حول مستقبل رجل يقود معركة بقائه الشخصي على أنقاض الدولة.