النهار
جريدة النهار المصرية

عربي ودولي

عبد الرحمن السيد.. مصري الجذور يقتحم تاريخ السياسة الأمريكية ويصبح أول مسلم في مجلس الشيوخ

عبد الرحمن السيد
هالة عبد الهادي -

في انتصار تاريخي تجاوز حدود السياسة الأمريكية، نجح الديمقراطي عبد الرحمن السيد، المعروف باسم "عبدول السيد" ذو الأصول المصرية، في حسم المنافسة على مقعد ولاية ميشيغان بمجلس الشيوخ، بعد تفوقه على منافسه الجمهوري مايك روجرز، ليكتب اسمه في تاريخ السياسة الأمريكية، باعتباره أول مسلم يفوز بعضوية المجلس، ليكتب صفحة جديدة في تاريخ التمثيل السياسي للمسلمين داخل الولايات المتحدة.

ولم يكن فوزه مجرد مكسب انتخابي، بل جاء تتويجًا لمسيرة حافلة بالتحديات والمواقف الجريئة، خاصة في دفاعه عن العدالة والمساواة وحقوق الشعب الفلسطيني، ليصبح أحد أبرز الوجوه السياسية التي فرضت حضورها في المشهد الأمريكي.

جذور مصرية وحياة صنعتها التجارب

وُلد عبد الرحمن محمد السيد في 31 أكتوبر عام 1984 بمدينة روتشستر هيلز بولاية ميشيغان الأمريكية، ونشأ في منطقة جنوب شرق الولاية، داخل أسرة ذات جذور مصرية، إذ ينحدر والده محمد السيد من مصر، وهاجر إلى الولايات المتحدة لاستكمال دراسته الجامعية والعلمية.

ومنذ سنواته الأولى، تشكلت شخصية عبد الرحمن بين ثقافتين، فهو أمريكي المولد والنشأة، مصري الجذور والانتماء العائلي، وهي تجربة انعكست لاحقًا على نظرته لقضايا الهوية والتنوع والمساواة، وأصبحت جزءًا من حضوره في الحياة العامة.

لكن الطريق لم يكن مفروشًا بالنجاحات منذ البداية، فقد خاض تجربة تعليمية ورياضية استثنائية، أظهرت قدرته على الجمع بين التفوق الدراسي والانضباط والعمل الجماعي، وهي سمات رافقته في مختلف مراحل حياته.

من قائد ثلاثة فرق رياضية إلى طالب متفوق

لم يكن عبد الرحمن مجرد طالب مهتم بالرياضة، في مدرسة بلومفيلد هيلز الثانوية، بل استطاع أن يتولى قيادة ثلاثة فرق رياضية في الوقت نفسه، وهي كرة القدم الأمريكية والمصارعة واللاكروس، ليجمع بين ثلاث رياضات تتطلب مستويات مختلفة من القوة واللياقة والتركيز والقدرة على اتخاذ القرار.

وكانت علاقته بالرياضة قد بدأت في سن مبكرة، إذ مارس هوكي الجليد في طفولته كحارس مرمى، قبل أن يتجه في المرحلة الثانوية إلى كرة القدم الأمريكية، ثم يخوض تجربة اللاكروس، التي سرعان ما تحولت من مجرد نشاط إضافي إلى واحدة من أهم محطات حياته.

وفي عام 2003، أنهى دراسته الثانوية، متجهًا إلى جامعة ميشيغان، حيث واصل ممارسة اللاكروس ضمن الفريق الجامعي، بالتوازي مع دراسته الأكاديمية، التي جمع فيها بين علم الأحياء والعلوم السياسية.

ولم يقتصر تفوقه على الجانب الرياضي، فقد تخرج عام 2007 بمرتبة الشرف العليا، واختير لإلقاء كلمة التخرج أمام دفعته، في تقدير يعكس تميزه العلمي وقدرته على الجمع بين الدراسة والأنشطة المختلفة.

ولم تتوقف علاقته بالرياضة عند حدود الجامعة الأمريكية، إذ واصل ممارسة اللاكروس خلال دراسته بجامعة أكسفورد البريطانية، وأصبح قائدًا لفريقها، وحصل علي العديد من الجوائز.

تجربة العنصرية التي تركت أثرًا في حياته

 كانت هناك تجارب صعبة ساهمت في تشكيل وعي عبد الرحمن السيد، خاصة ما تعرض له بسبب أصوله المصرية وهويته الإسلامية، فخلال مشاركته في إحدى المباريات بولاية كاليفورنيا، تعرض لإساءات عنصرية ومعادية للإسلام من بعض الجماهير، في موقف جعله يدرك مبكرًا أن الاختلاف في الاسم أو الخلفية الدينية قد يتحول إلى سبب للاستهداف، حتى داخل المؤسسات الرياضية التي يفترض أن تجمع الجميع.

وكان السيد قد تحدث عن تجربته باعتباره المصري الأمريكي الوحيد في فريقه، وكيف جعلته تلك المواقف أكثر إدراكًا لمعاناة الأقليات، وأكثر اهتمامًا بقضايا العدالة والمساواة وحق الجميع في المشاركة دون تمييز.

ومن هنا، لم تعد الرياضة بالنسبة إليه مجرد منافسة على أرض الملعب، بل تجربة إنسانية ساعدته على فهم المجتمع والتعامل مع الاختلاف، وهي قيم ظهرت لاحقًا بوضوح في خطابه السياسي، خاصة خلال المواقف التي دافع فيها عن حقه في ممارسة معتقده الديني دون أن يكون ذلك سببًا للتشكيك في انتمائه أو ولائه للولايات المتحدة.

فخلال نقاش حول هويته الإسلامية، استحضر السيد تجربة الرئيس الأمريكي الأسبق جون إف كينيدي، أول رئيس كاثوليكي للولايات المتحدة، الذي واجه تساؤلات بشأن مدى ولائه الديني، وكان رده الشهير أنه لا يترشح ليكون رئيسًا كاثوليكيًا، بل يترشح للرئاسة وكان كاثوليكياً. ومن هذا المنطلق، شدد السيد على أن الدستور الأمريكي يكفل للجميع حرية اعتناق أي دين أو عدم اعتناق أي دين من الأساس.

وقال عبد الرحمن بعبارة حملت رسالة واضحة: «أنا لا أترشح لأكون سيناتورًا مسلمًا، أنا أترشح لمجلس الشيوخ الأمريكي، وأنا مسلم»، في تأكيد على أن هويته الدينية لا تتعارض مع انتمائه الوطني، وأن المواطنة لا ينبغي أن تخضع لاختبار الدين أو المعتقد.

من أكسفورد إلى كولومبيا.. رحلة علمية استثنائية

بعد تخرجه من جامعة ميشيغان، واصل عبد الرحمن السيد مسيرته الأكاديمية، وحصل على منحة رودس الدراسية المرموقة عام 2009، التي أتاحت له الدراسة في جامعة أكسفورد البريطانية، حيث تخصص في الصحة العامة، وحصل على درجة الدكتوراه عام 2011.

وبعد ذلك، اتجه إلى دراسة الطب في كلية الأطباء والجراحين بجامعة كولومبيا، ليحصل على شهادته الطبية عام 2014، جامعًا بذلك بين المعرفة الطبية والبحث العلمي والخبرة في مجال الصحة العامة.

ولم يكن اختياره لهذا المسار بعيدًا عن اهتمامه بقضايا المجتمع، فقد اتجه إلى دراسة العلاقة بين الظروف الاجتماعية والاقتصادية وصحة المواطنين، مؤمنًا بأن الرعاية الصحية لا ينبغي أن تكون امتيازًا مرتبطًا بالقدرة المادية، وإنما حقًا يجب أن يصل إلى الجميع.

من الطب إلى إدارة المؤسسات الصحية.. بداية الحضور العام

بدأت ملامح مسيرته المهنية تتخذ اتجاهًا أكثر ارتباطًا بالشأن العام، بعدما تولى عام 2015 مسؤولية إدارة إدارة الصحة بمدينة ديترويت، في مرحلة كانت المدينة تواجه خلالها تحديات اقتصادية وإدارية وصحية كبيرة.

ومن خلال هذا المنصب، دخل السيد إلى عالم الإدارة العامة وصناعة السياسات الصحية، مستفيدًا من خلفيته الطبية والأكاديمية في التعامل مع الملفات المرتبطة بصحة السكان وتطوير الخدمات.

وكانت هذه التجارب بمثابة نقطة تحول في حياته، إذ انتقل من التعامل مع المرضى والملفات الطبية إلى مواجهة القضايا التي تمس حياة ملايين المواطنين، من تكاليف العلاج إلى جودة الخدمات الصحية ومدى قدرة المؤسسات على تلبية احتياجات السكان.

أول اختبار سياسي كبير.. الترشح لمنصب حاكم ميشيغان

في عام 2018، قرر عبد الرحمن السيد خوض أولى تجاربه الانتخابية الكبرى، عندما أعلن ترشحه عن الحزب الديمقراطي لمنصب حاكم ولاية ميشيغان.

ورغم عدم نجاحه في الوصول إلى المنصب، فإن التجربة منحته حضورًا سياسيًا واسعًا، ووضعت اسمه ضمن الشخصيات التي تتبنى خطابًا تقدميًا يركز على العدالة الاجتماعية وتوسيع مظلة الرعاية الصحية وتقليل نفوذ أصحاب المصالح الاقتصادية في صناعة القرار.

ولم يختفِ من المشهد بعد هذه التجربة، بل واصل نشاطه العام، وشارك في النقاشات السياسية والإعلامية المتعلقة بالسياسات الصحية والاقتصادية والاجتماعية، كما عمل على طرح رؤيته بشأن مستقبل الحزب الديمقراطي واحتياجات الطبقة العاملة.

معركة مجلس الشيوخ.. من منافسة داخل الحزب إلى مواجهة سياسية كبرى

مع اقتراب انتخابات عام 2026، دخل عبد الرحمن السيد سباقًا جديدًا أكثر أهمية، معلنًا ترشحه للفوز بمقعد ولاية ميشيغان في مجلس الشيوخ الأمريكي، بعد قرار السيناتور الديمقراطي جاري بيترز عدم الترشح مجددًا.

وخاض السيد منافسة شرسة داخل الحزب الديمقراطي أمام النائبة هيلي ستيفنز، التي حظيت بدعم شخصيات ومؤسسات بارزة داخل الحزب، لكنه تمكن من تجاوزها والفوز بترشيح الحزب في الانتخابات التمهيدية خلال أغسطس 2026.

وبعدها انتقل إلى المواجهة الرئيسية أمام الجمهوري مايك روجرز، عضو الكونغرس السابق والمرشح الذي حظي بدعم الرئيس دونالد ترامب وعدد من القوى الجمهورية.

ولم تكن المعركة مجرد منافسة بين مرشحين على مقعد سياسي، بل تحولت إلى مواجهة حول مستقبل السياسات الأمريكية، وحدود نفوذ المؤسسات الاقتصادية، وملف الرعاية الصحية، وقضايا الهجرة والهوية والدور الأمريكي في الصراعات الدولية.

وركز برنامج السيد الانتخابي على الشعبية  من خلال تخفيف الأعباء المعيشية عن المواطنين، ومواجهة نفوذ الشركات الكبرى وأصحاب الثروات في السياسة، إلى جانب تقليل تأثير الأموال الخارجية على الانتخابات.

وفي المقابل، واجه حملته خطاب سياسي حاد تناول خلفيته الدينية وهويته الإسلامية، ووصلت الانتقادات إلى التشكيك في ولائه وانتمائه، وهي اتهامات رفضها السيد، معتبرًا أن الاختلاف الديني لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لإقصاء المواطنين من الحياة السياسية.

فلسطين وغزة.. موقف وضعه في قلب الجدل الأمريكي

كان موقف عبد الرحمن السيد من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة من أبرز الملفات التي أثارت الجدل حوله خلال حملته الانتخابية.

وتبنى موقفًا ناقدًا للدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل، ورفض استخدام أموال دافعي الضرائب الأمريكيين في تمويل الحروب والانتهاكات، مطالبًا بإعطاء الأولوية لاحتياجات المواطنين داخل الولايات المتحدة، من التعليم والصحة والبنية التحتية إلى تحسين مستوى المعيشة.

ودافع عن حق الفلسطينيين في الحياة والكرامة وتقرير المصير، وهو موقف جعله في مواجهة انتقادات سياسية حادة، خاصة من خصومه الذين حاولوا تصوير انتقاداته للسياسات الإسرائيلية باعتبارها تعبيرًا عن العداء، وهو ما رفضه بشكل واضح.

وفي خطاب الانتصار، عاد السيد إلى هذه القضية برسالة مباشرة، مؤكدًا أن المطالبة بحق الأطفال الفلسطينيين في الحياة والنشأة بأمان على أرض أجدادهم، ورفض تمويل الحروب من أموال الضرائب، لا تعني الكراهية، بل تعبر عن الإيمان بالمساواة والكرامة الإنسانية.

وشدد على أن أموال المواطنين يجب أن توجه إلى المدارس والمستشفيات والرعاية الصحية والبنية التحتية داخل الولايات المتحدة، بدلًا من إنفاقها على تمويل الحروب وسياسات الفصل العنصري والإبادة الجماعية، وفق تعبيره.

وكانت هذه الرسالة واحدة من أبرز ملامح خطابه السياسي، الذي حاول من خلالها الربط بين العدالة داخل المجتمع الأمريكي والعدالة في التعامل مع القضايا الإنسانية خارج حدوده.

انتصار تاريخي ورسالة تتجاوز حدود ميشيغان

واليوم 4 نوفمبر 2026، حسم عبد الرحمن السيد السباق الانتخابي أمام مايك روجرز، ليحقق انتصارًا وصفته وسائل الإعلام الأمريكية بالتاريخي، بعدما أصبح أول مسلم يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ الأمريكي.

وجاء الفوز بعد حملة انتخابية شديدة التنافس، استطاع خلالها تجاوز الانقسامات داخل حزبه، والهجمات السياسية المرتبطة بهويته الدينية، فضلًا عن المواجهة مع مرشح جمهوري مدعوم من الرئيس ترامب.

ولم يكن معنى الانتصار بالنسبة إليه مرتبطًا بالمقعد وحده، بل حمل رسالة تتعلق بقدرة المواطنين من خلفيات عرقية ودينية مختلفة على الوصول إلى أعلى مستويات التمثيل السياسي في الولايات المتحدة.

وعكس الفوز صعود تيار تقدمي داخل الحزب الديمقراطي، يطالب بإعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية والاجتماعية، وتوسيع خدمات الرعاية الصحية، والحد من تأثير المال والنفوذ على القرار السياسي.

تبدو رحلة عبد الرحمن السيد مختلفة في تفاصيلها ومحطاتها، والآن، ومع دخوله التاريخ باعتباره أول مسلم يفوز بعضوية مجلس الشيوخ الأمريكي، تبدأ أمامه مرحلة جديدة أكثر صعوبة، فالفوز بالانتخابات يختلف عن القدرة على تحويل الوعود إلى تشريعات وسياسات ملموسة.