النهار
جريدة النهار المصرية

عربي ودولي

باحث شؤون إسرائيلية لـ «النهار»: نتائج الانتخابات تعمّق مأزق المعارضة وتفتح باب المناورات البرلمانية

جانب من الانتخابات الإسرائيلية
عبدالرحمن كمال -

رأى الخبير الاستراتيجي والباحث في الشؤون الإسرائيلية، الدكتور محمد خليل مصلح أن نتائج الانتخابات الإسرائيلية كشفت عن تعقيدات جديدة في المشهد السياسي، بعدما جاءت نتائج الفرز الفعلية مغايرة للرسائل التي حملتها العينات الأولية ليلة الانتخابات، وأضعفت التوقعات بشأن حسم المنافسة لمصلحة معسكر التغيير وإنهاء حكم بنيامين نتنياهو.

وفي قراءة قدمها لـ«النهار»، أوضح مصلح أن العينات الانتخابية الأولية أوحت بسقوط نتنياهو، لكن نتائج الفرز الفعلية أظهرت صورة مختلفة، رغم الحملة التنظيمية الواسعة التي خاضها معسكر التغيير، وشملت اتفاقيات لتوزيع فائض الأصوات وتعبئة الناخبين في الخارج.

واعتبر أن هذه الجهود اصطدمت بحدود ديمغرافية وسياسية أعادت توزيع المقاعد إلى معادلات قريبة من الوضع السابق، من دون منح أي طرف أغلبية حاسمة.

وأضاف أن المجتمع الإسرائيلي، بعد حرب السابع من أكتوبر، لم يتبنَّ بصورة كاملة خطاب «النصر المطلق» الذي روّج له اليمين، لكنه لم يمنح المعارضة في المقابل تفويضاً واضحاً لتوصيف المرحلة باعتبارها فشلاً شاملاً.

وأشار إلى أن هذا التوازن أبقى المشهد السياسي مفتوحًا على احتمالات متعددة، وفرض على الأحزاب إعادة تقييم خياراتها في ظل غياب أغلبية مستقرة.

المعارضة أمام خيارات صعبة

وأشار مصلح إلى أن تراجع فرص تشكيل حكومة بديلة سريعة وضع قادة المعارضة، ومن بينهم غادي آيزنكوت ونفتالي بينيت وأفيددور ليبرمان، أمام خيارات سياسية معقدة، لكل منها كلفته الانتخابية والتنظيمية.

وأشار إلى أن الخيار الأول يتمثل  في التوجه إلى انتخابات جديدة، وهو مسار يستنزف الأحزاب والناخبين، في ظل صعوبة تكرار مستويات التعبئة التي شهدتها الحملة الأخيرة.

ويرى أن الخيار الثاني، يتمثل في الانضمام إلى حكومة بقيادة نتنياهو، وهو ما يفرض على بعض قادة المعارضة التراجع عن تعهداتهم الانتخابية وتبرير المشاركة باعتبارها استجابة لمقتضيات المصلحة العامة.

واعتبر مصلح أن مثل هذا السيناريو يضع مصداقية هذه القيادات أمام اختبار سياسي، في ظل التناقض بين خطابها خلال الانتخابات ومتطلبات المشاركة في ائتلاف يقوده خصمها السياسي.

ويتمثل الخيار الثالث في الاعتماد على دعم الأحزاب العربية أو الشراكة معها لتجاوز الانسداد البرلماني، وهو مسار قال مصلح إنه يواجه حساسيات داخل قطاعات من الجمهور الإسرائيلي، ولا سيما في ظل استمرار تداعيات الحرب.

وأكد أنه بذلك، لا تقتصر أزمة المعارضة على جمع المقاعد اللازمة لتشكيل حكومة، بل تشمل أيضاً قدرتها على التوصل إلى صيغة تعاون لا تؤدي إلى تفكك معسكرها أو تعميق خلافاته الداخلية.

المناورات داخل الكنيست

وفي مواجهة تعثر تشكيل حكومة بديلة، طرح مصلح إمكانية لجوء المعارضة إلى تحركات برلمانية تستهدف الحد من قدرة الائتلاف الحاكم على التحكم في عمل الكنيست، مشددًا على ضرورة التمييز بين تشكيل حكومة جديدة وبين تنفيذ خطوات تصويتية محددة داخل المؤسسة التشريعية.

وأوضح أن المعارضة، بالتنسيق مع النواب العرب من القائمة العربية الموحدة والقائمة المشتركة، يمكن أن تسعى إلى تغيير رئيس الكنيست أو التأثير في توزيع رئاسة اللجان البرلمانية المهمة، ومن بينها لجنة الكنيست ولجنة الشؤون الخارجية والأمن.

ووفق طرحه، يمكن لمثل هذه التحركات أن تعيد ترتيب موازين القوى في بعض الملفات البرلمانية، إذا توافرت الأصوات اللازمة والتفاهمات السياسية بين الأطراف المعنية.

وأضاف أن هذه الخطوات لا تستلزم بالضرورة اتفاقًا شاملًا على تشكيل ائتلاف حكومي، لأنها قد تقتصر على تصويتات محددة تتعلق بإدارة البرلمان وتوزيع صلاحياته.

واعتبر أن اللجوء إلى هذا المسار يمكن أن يمنح المعارضة مجالًا لتقييد حركة الائتلاف الحاكم وممارسة ضغط سياسي عليه، مع تجنب الدخول فوراً في تسوية حكومية تتطلب توافقاً واسعاً بشأن السياسات والتحالفات.

وفي سياق متصل، تناول مصلح توجهات القائمة العربية الموحدة، المعروفة باسم «راعم»، معتبرًا أنها تتبنى نهجًا براغماتيً يركز على القضايا اليومية للمواطنين العرب داخل إسرائيل، وفي مقدمتها مكافحة الجريمة المنظمة وتحسين الظروف المعيشية والخدمات العامة.

وأشار إلى أن إدراج شخصية يهودية ذات خلفية أمنية ومهنية، هي يوآف سيجالوفيتش، نائب وزير الأمن الداخلي السابق، يعكس توجهًا نحو توسيع قاعدة التمثيل السياسي للقائمة وتعزيز حضور القضايا المدنية والأمنية في خطابها.

ويرى مصلح أن هذه الخطوة يمكن أن تسهم في تخفيف بعض الاعتراضات على التعاون مع القائمة العربية، كما تفتح المجال أمام صيغ أوسع للشراكة السياسية والمدنية.

وأضاف أن هذا التوجه يتجاوز، وفق تحليله، الاقتصار على الخطاب القومي التقليدي، ويسعى إلى بناء مساحة مشتركة حول قضايا الجريمة والتنمية والخدمات، بما قد يؤثر في شكل التحالفات السياسية مستقبلاً.

واعتبر أن توسيع التمثيل ليشمل شخصيات من خلفيات مختلفة يساهم في إعادة تعريف دور الأحزاب العربية داخل النظام السياسي الإسرائيلي، وإن ظل تأثير هذا التوجه مرتبطاً بموازين القوى ومواقف بقية الأحزاب.

وخلص مصلح إلى أن الأزمة السياسية في إسرائيل تتجاوز التنافس على مستقبل نتنياهو أو قيادة حزب بعينه، لتشمل طبيعة التوازنات المجتمعية والديمغرافية وحدود قدرة الأحزاب على بناء ائتلافات مستقرة.

وأشار إلى أن نتائج الانتخابات أظهرت صعوبة حسم الصراع السياسي عبر الاستقطاب التقليدي بين معسكري اليمين والتغيير، في ظل الوزن البرلماني للأحزاب العربية وتعقيدات التعاون معها.

وأكد أن التحركات البرلمانية المشتركة، إلى جانب توجه القائمة العربية الموحدة نحو توسيع أجندتها المدنية، قد تفتح مسارات جديدة للتأثير في عمل الكنيست، لكنها لا تعني تلقائياً تجاوز الخلافات السياسية أو ضمان تغيير الحكومة، فنجاح هذه الخيارات يتوقف على قدرة المعارضة والأحزاب العربية على بناء تفاهمات عملية، وعلى استعدادها لتحمل الكلفة السياسية المترتبة على التعاون.

وبحسب قراءة مصلح، فإن المرحلة المقبلة ستختبر قدرة القوى السياسية الإسرائيلية على تجاوز الانسداد الحالي من خلال صيغ غير تقليدية لإدارة الخلافات وتوزيع النفوذ داخل البرلمان.