النهار
جريدة النهار المصرية

منوعات

بين الدراسة والبحث عن وقت فراغ.. هل انتقل الاحتراق النفسي إلى أطفالنا؟

الإجهاد النفسي
فاتن الوكيل -

"عيالنا مش ماكينات".. أولياء أمور يوضحون كيف تحول التحصيل الدراسي لضغط نفسي على الأطفال.. واستشارية نفسية تضع روشتة لتجنب الإجهاد الدراسي

"أنا ظهري بيوجعني يا ماما"، تتذكر "أسماء" جملة طفلتها الطالبة بالصف الثالث الابتدائي، بتأثر كبير، ورغم أن ابنتها كانت من المتفوقين خلال الصفين الأول والثاني الابتدائي، إلا أنها تعاني من ضغوط شديدة مع مناهج الصف الثالث التي تطالبها باستيعاب حجم كبير من المعلومات خلال أيام محدودة.

الاحتراق النفسي وفقًا لتعريف منظمة الصحة العالمية هو ظاهرة مهنية، ولا يُصنَّف كحالة طبية، ويُعتبر متلازمة ناتجة عن ضغوط لم تتم إدارتها، قائمة على ثلاثة أبعاد، وهي الشعور بالإنهاك واستنزاف الطاقة، وتراجع معدلات الإنجاز، والتشتت وصعوبة التركيز.

"النهار" تحدثت مع أولياء أمور، يشكون من تعرض أطفالهم لضغوط كبيرة جراء تغير الأنظمة الدراسية، والتي جعلت يوم الطفل مشحون بالكثير من الأنشطة أغلبها دراسية، ولم يعد لديهم الوقت لعيش طفولتهم بشكل صحي، وهو ما أثر ليس على الأطفال فقط بل على نظام الأسرة ككل.

تؤكد أسماء التي ألحقت ابنتها بمدرسة خاصة عربي، أن الضغط الذي تعيشه ابنتها ينتقل إليها، "بحس إني في حلقة مفرغة هي بتضغطني وأنا بضغطها والمذاكرة بقت بالنسبة لها عقاب والمنهج مش محطوط بترتيب كويس بحيث إنها تستوعبه"، ولا تعترض أسماء على اتباع ناظم التعليم الياباني أو تطوير المناهج، لكنها ترى أن الأمر طُبّق بشكل مفاجئ من الصف الثالث الابتدائي.

تخلت والدة "رضا" عن إلحاق ابنتها بتدريبات رياضية لضيق الوقت، واكتفت بالمذاكرة استعدادًا للامتحانات الشهرية التي تحتاج في أحيان كثيرة لأخذ إجازة من شغلها لمتابعتها، "وإحنا بنراجع قبل الامتحان لقيت بنتي حطت رأسها على رجلي ونامت من التعب".

لا ترى ولية الأمر، وفقًا لما تسمعه من صديقاتها، أن الأمر يختلف للأفضل في مدارس اللغات أو الانترناشونال "عندي صحابي أولادهم في مدارس لغات بيعانوا من المسائل الكلامية بسبب صعوبة فهم تصريف الأفعال داخل المسائل الحسابية".

في حين قررت أسماء التخلي عن التدريبات الرياضية لابنتها، مازالت "مارينا" تواظب على إرسال ابنها الذي يدرس بالصف الخامس الابتدائي في مدرسة تجريبية، إلى تمارين كرة القدم "ده حلمه وأنا مش هقدر أحرمه منه عشان ضغوط الدراسة خصوصا إنه موهوب وفي فريق كرة قدم وبينافس في دوري القاهرة".

ترى مارينا أن الضغوط على الأطفال لم تعد دراسية فقط، فالنظام الرياضي أيضًا لا يُراعي دراستهم، ويفرض إقامة هذه الدوريات خلال شهور الدراسة وليس بإجازة نهاية العام، كما يفرض على الأطفال تدريبات بالساعات لثلاث أيام في الأسبوع.

وبين أم أوقفت الرياضة وأخرى تحاول الحفاظ عليها، تتفق الشهادات على صعوبة التوفيق بين الدراسة وبقية احتياجات الطفل، فالمشكلة بالنسبة إلى هؤلاء الأمهات ليست في الواجبات وحدها، وإنما في امتداد يوم الدراسة إلى ساعات كان يفترض أن يجد فيها الأبناء وقتًا للراحة وممارسة أنشطتهم.

ومن علامات الإجهاد الدراسي حسب ما أوضحت دكتور هند عبد الغفار استشاري الصحة النفسية والإرشاد النفسي والتربوي لـ"النهار"، العصبية الزائدة ونوبات البكاء وسرعة لإحباط، إضافة إلى فقدان الحماس للمذاكرة وتراجع الأداء.

جسديا ربما يشعر الطفل بالإرهاق والصداع وآلام البطن واضطراب النوم، ونفسيًا يشعر بالعجز وفقدان الثقة بالنفس، موضحة أن الأعراض تختلف درجتها باختلاف شدة الإجهاد والظروف النفسية للتلميذ والبيئة المحيطة به.

ولتجنب الإجهاد الدراسي، أشارت إلى أهمية عمل جدول يومي يشمل الواجبات والمذاكرة وغيره، ومذاكرة المواد التي تطلب مجهودا ذهنيا مثل الرياضيات والعلوم والمواد العلمية الثقيلة، ثم التطرق إلى المواد الأدبية، ومراعاة أوقات الراحة بين المواد حيث يذاكر الطالب ٤٥ دقيقة ثم يأخذ راحة من 10 إلى 15 دقيقة.

شددت "عبد الغفار" على أهمية البعد في أوقات الراحة عن الشاشات واستبدالها بشرب المياه أو الحديث مع أفراد الأسرة أو القيام بنشاط بدني، ونبهت لأهمية عدم الحديث بشكل سلبي من قبل الأهل أمام الطلاب عن المحتوى الدراسي أو المذاكرة، مع الالتزام بيوم في نهاية الأسبوع كيوم إجازة لإعادة شحن طاقة الطلاب والأهل.

لا تُقلل الأمهات من أهمية التحصيل الدراسي، أو تطبيق أنظمة تعليمية جديدة، بل يطالبن على اختلاف السنوات الدراسية لأولادهن، بالوضع في الاعتبار أن حياة الطفل لا يمكن أن تتمحور حول الدراسة فقط، بل يجب مراعاة الجواب الرياضية والترفيهية والمتطلبات النفسية والجسدية للطفل.