جرائم الآباء ضد الأبناء.. هل تخلت الفطرة البشرية عن عرشها؟
خلف الأبواب المغلقة وبيوت من المفترض أن تكون واحات للأمن والأمان، تقع فصول مأساوية من الانتهاكات النفسية والجسدية التي يمارسها بعض الآباء والأمهات ضد أطفالهم. هذه الظاهرة التي باتت تطفو على السطح بشكل مقلق عبر وقائع يومية صامتة أو معلنة، تفتح ملفا شائكا حول الجلادين الذين يحملون رتبة أولياء أمور، وتطرح السؤال الأكثر إلحاحا: متى يتوقف هذا النزيف النفسي الذي يهدد مستقبل جيل بأكمله؟
وقائع من دفتر الصمت
أعلنت الأجهزة الأمنية بوزارة الداخلية المصرية القبض على الأب المتهم بالتعدي على ابنته في محافظة الإسكندرية، ولكن التهمة الرسمية والملابسات الحقيقية للواقعة هي "الاعتداء بالضرب المبرح والتعذيب" وليس التحرش.
تأتي هذه الخطوة بعد تداول مقطع فيديو واسع الانتشار على منصات التواصل الاجتماعي يُظهر استغاثة طفلة تبكي من التعذيب وتظهر عليها آثار إصابات بالغة.
وملابسات الواقعة وفقاً للتحقيقات الرسمية كالتالي:
تبين أن الطفلة (تتراوح الروايات حول عمرها بين 9 إلى 12 عاماً) وتقيم في دائرة قسم شرطة مينا البصل (بمنطقة بشاير الخير) غرب الإسكندرية.
وتبين إصابة الطفلة بكدمات وكسور متعددة وتورمات في الوجه والجسم.
و أقرت الطفلة في التحقيقات بأن والدها اعتاد التعدي عليها بعصا خشبية بسبب رفضها الإقامة معه لسوء معاملته لها، حيث كانت ترغب في العودة للعيش مع عمها وزوجته اللذين توليا رعايتها عقب وفاة والدتها ودخول الأب السجن سابقاً.
الواقعه الثانيه
أعلنت وزارة الداخلية المصرية عن إلقاء القبض على الأب الذي اعتدى على ابنته بالضرب وصورها لإجبار طليقته على العودة من الخارج في محافظة كفر الشيخ.
وتعود تفاصيل الواقعة إلى رصد الأجهزة الأمنية لمقطع فيديو تم تداوله على منصات التواصل الاجتماعي، يظهر فيه المتهم وهو يوبخ نجلته ويهينها بالضرب والسب؛ وجاءت التحريات والتحقيقات الرسمية تبين أنه عامل يقيم بدائرة مركز شرطة البرلس بمحافظة كفر الشيخ.
وان الضحية ابنته وهي طالبة تبلغ من العمر 16 عاماً.
واعترف الأب بعد ضبطه بأنه أقدم على ضرب الفتاة وتصويرها عقب علمه بتواصلها مع والدتها المقيمة خارج البلاد. واعتبر ذلك وسيلة للضغط على طليقته وإجبارها على العودة إلى مصر لاستلام ابنتها وإعفائه من مسؤولية رعايتها.
أيدت الفتاة تفاصيل الواقعة في أقوالها، وتم اتخاذ كافة الإجراءات القانونية اللازمة حيال الأب وعرضه على النيابة العامة لمباشرة التحقيق.
النزيف النفسي
ندوب لا تراها العين
فيرى خبراء علم النفس والاجتماع أن الآثار النفسية الناتجة عن تعنيف الآباء لأبنائهم تفوق في خطورتها الآثار الجسدية؛ فالجروح الجسدية تلتئم، لكن الندوب النفسية تمتد لتشكل تشوها في بنية الشخصية.
وأن من أبرز مظاهر هذا النزيف النفسي فقدان الأمان التام فيعيش الطفل في حالة ترقب دائم وخوف مستمر من الشخص الذي من المفترض أن يحميه.
وتدني تقدير الذات حيث تولد السخرية والاهانات المستمرة شعورا عميقا لدى الطفل بأنه غير جدير بالحب أو الاحترام.
وكذالك الاضطرابات السلوكية فيميل الأطفال المعنفون إما إلى الانطواء الشديد والاكتئاب، أو إلى تبني سلوكيات عنيفة وعدوانية تجاه أقرانهم في المدرسة.
والتلعثم والتبول اللاإرادي وهي استجابات فسيولوجية مباشرة للضغط النفسي الحاد والخوف من العقاب.
ثقافة التربية بالترهيب الموروث القاتل
تستند هذه السلوكيات الجائرة في كثير من الأحيان إلى موروثات ثقافية خاطئة تخلط بين الحزم والترهيب، وبين التربية والجلد. ويعتقد الكثير من الآباء أن امتلاكهم للأبناء يعطيهم الحق المطلق في تشكيلهم بالطريقة التي يرونها، حتى وإن كان ذلك عبر سحق إنسانيتهم. وتشير الدراسات الاجتماعية إلى أن جل هؤلاء الآباء كانوا في الأصل ضحايا لتربية عنيفة في طفولتهم، ليعيدوا إنتاج الدائرة المفرغة نفسها من العنف مع أبنائهم.
متى وكيف يتوقف النزيف؟
إن كسر هذه الدائرة المفرغة يتطلب تحركا جماعيا عاجلا وعلى مستويات متعددة.
فأوضحت شيرين محفوظ المحامية أنه يجب التوعية الأسرية وتغيير المفاهيم عن طريق تفعيل برامج تأهيلية إلزامية للمقبلين على الزواج تشمل أسس التربية الإيجابية، وكيفية التعامل مع الضغوط النفسية واحتواء الأطفال دون اللجوء إلى العنف الجسدي أو اللفظي.
ثانيا: تفعيل القوانين الصارمة
لا بد من مراجعة القوانين لتشديد العقوبات على الآباء الذين يثبت ممارستهم للعنف الممنهج ضد أطفالهم، واعتبار بيئة المنزل غير الآمنة سببا موجبا لنقل حضانة الطفل مؤقتا إلى بيئة بديلة وآمنة.
ثالثا: دور المؤسسات التعليمية
ينبغي تدريب المعلمين والاخصائيين الاجتماعيين في المدارس على رصد علامات التعنيف النفسي والجسدي مبكرا، وتوفير خطوط ساخنة آمنة ومجانية للإبلاغ عن حالات إساءة معاملة الأطفال.
إن أطفالنا ليسوا حقول تجارب لعقدنا النفسية، ولا ممتلكات خاصة نفرغ فيهم ضغوط الحياة اليومية. إنهم كائنات رقيقة تبني وتتشكل بالحب والأمان، وحمايتهم من جلادي البيوت هي الخطوة الأولى لحماية مجتمعنا من التفكك والانهيار. فهل نستمع لصرخاتهم الصامتة قبل فوات الأوان؟.

