النهار
جريدة النهار المصرية

عربي ودولي

باحث شؤون إسرائيلية: عملية الخليل تعقد حسابات نتنياهو.. والانتخابات تحدد مستقبل الحكم

مشهد من لحظة تنفيذ عملية الخليل التي أسفرت عن مقتل جنديين إسرائيليين واستشهاد المنفذين
عبدالرحمن كمال -

حذّر الخبير الاستراتيجي والباحث في الشؤون الإسرائيلية الدكتور محمد خليل مصلح، من تعقيدات المشهد الإسرائيلي عشية الانتخابات المقررة في 27 أكتوبر الجاري، في ظل تداخل التطورات الأمنية مع الاستقطاب السياسي والصراع على تشكيل الحكومة المقبلة، إلى جانب تداعيات السياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة.

وفي قراءة تحليلية قدمها لـ"النهار"، قبل ثلاثة أيام من الانتخابات، تناول مصلح الهجوم الذي وقع عند مفترق يهودا في 23 أكتوبر، وأسفر عن مقتل جنديين إسرائيليين، معتبراً أن الحادثة تطرح تساؤلات بشأن كفاءة المنظومة الأمنية، وقدرة الحكومة على احتواء التصعيد، وانعكاساته المحتملة على المنافسة الانتخابية ومستقبل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

هجوم الخليل والحسابات الانتخابية

وأوضح مصلح أن الهجوم لا يمكن قراءته باعتباره حادثاً أمنياً منفصلاً عن السياق السياسي، مشيراً إلى أن نجاح مسلحين في تنفيذ كمين استمر نحو 20 دقيقة، مع امتلاكهما كمية كبيرة من الذخيرة، يثير تساؤلات بشأن الرصد الاستخباري والجاهزية العملياتية في منطقة يُفترض أنها تخضع لرقابة أمنية مشددة.

وأضاف أن توقيت الهجوم يمنح الحكومة الإسرائيلية فرصة لتقديم نفسها باعتبارها قادرة على فرض الأمن، من خلال تشديد الإجراءات في الخليل وإطلاق عملية عسكرية واسعة، لافتاً إلى أن توظيف الأحداث الأمنية في الخطاب السياسي قد يحول الإخفاقات الميدانية إلى أدوات للتعبئة الانتخابية. لكنه أشار إلى أن الأثر السياسي للهجوم لا يزال غير محسوم، خصوصاً في ظل الصمت الانتخابي الذي يحد من توافر استطلاعات جديدة.

وبحسب مصلح، قد تسهم الهجمات الأمنية في تعزيز خطاب اليمين القائم على المخاوف الأمنية، لكنها قد تتحول في المقابل إلى عامل ضغط على الحكومة إذا نجحت المعارضة في ربطها بإخفاقات السياسات الأمنية. ويتوقف اتجاه التأثير، وفق تقديره، على قدرة الأطراف المتنافسة على تفسير الحدث وتقديم رواية مقنعة للناخبين بشأن المسؤولية عن تدهور الوضع الأمني.

خريطة المقاعد ومأزق الائتلاف

وفي ما يتعلق بالتوازنات الانتخابية، أشار مصلح إلى أن استطلاعات الرأي الأخيرة قبل بدء الصمت الانتخابي أظهرت، وفق قراءته، حصول معسكر نتنياهو، الذي يضم حزب الليكود والأحزاب الحريدية والصهيونية الدينية وحزب «عوتسما يهوديت»، على نحو 48 إلى 50 مقعداً، مقابل 52 إلى 56 مقعداً لمعسكر التغيير بقيادة غادي آيزنكوت، فيما قد تحصل الأحزاب العربية على ما بين 14 و16 مقعداً.

واعتبر أن هذه التقديرات تضع الأحزاب العربية في موقع مؤثر في حسابات تشكيل الحكومة، في حال عجز المعسكرات المتنافسة عن تأمين أغلبية مستقرة. غير أن تجاوز عقبة جمع المقاعد لا يضمن تشكيل حكومة بديلة، في ظل رفض بعض القوى داخل معسكر التغيير التعاون مع الأحزاب العربية، وهو ما قد يعرقل تحويل التقدم الانتخابي المحتمل إلى أغلبية قادرة على الحكم.

وطرح مصلح ثلاثة مسارات محتملة للمرحلة التالية للانتخابات: تشكيل حكومة برئاسة آيزنكوت، أو نجاح نتنياهو في إقامة ائتلاف يميني محدود، أو تقارب النتائج بما يفضي إلى مفاوضات مطولة وأزمة سياسية قد تنتهي بالدعوة إلى انتخابات جديدة. وشدد على أن حسم المشهد لن يرتبط بعدد المقاعد وحده، بل بقدرة الأطراف على تجاوز خلافاتها وتوفير دعم برلماني مستقر للحكومة المقبلة.

الضفة ودورة العنف

وربط مصلح بين تصاعد التوتر في الضفة الغربية والسياسات التي اتبعتها الحكومة الإسرائيلية الحالية، مشيراً إلى التوسع الاستيطاني وشرعنة البؤر الاستيطانية، والتساهل مع إرهاب المستوطنين، إلى جانب ضعف الملاحقة الرسمية، وفق تقديره. كما أشار إلى أن الخطاب الصادر عن بعض المسؤولين، والذي يبرر هذا العنف أو يقلل من شأنه، يسهم في تعقيد الأوضاع الميدانية.

وأوضح أن هذه السياسات لا تثبت، في حد ذاتها، أنها السبب المباشر للهجوم عند مفترق يهودا، لكنها قد تسهم في إيجاد بيئة متوترة تغذي دورة متواصلة من العنف والمواجهات. ووفق تحليله، تتداخل اعتداءات المستوطنين مع ردود الفعل الفلسطينية والعمليات العسكرية الإسرائيلية، بما يؤدي إلى تصعيد إضافي يصعب احتواؤه من خلال الإجراءات الأمنية وحدها.

وأضاف أن ملف الضفة يمثل نقطة ضعف سياسية للحكومة الحالية، إذ يمكن للمعارضة استخدامه في انتقاد طريقة إدارة الأمن وتقديم نفسها باعتبارها بديلاً قادراً على التعامل مع التصعيد. إلا أن تغيير الحكومة لا يضمن، في المقابل، تغيير السياسات الميدانية، خصوصاً إذا ظلت الخلافات بشأن الاستيطان والحقوق الفلسطينية قائمة داخل الائتلاف الجديد.

مخاطر المرحلة التالية

وفي تقييمه للمخاطر التي قد تعقب الانتخابات، استبعد مصلح أن يكون اندلاع حرب أهلية داخل إسرائيل سيناريو مرجحاً، رغم حدة الانقسام السياسي والاجتماعي. وأشار إلى أن استمرار عمل المؤسسات، ودور الجيش، ووجود خطوط حمراء تحول دون الاقتتال الداخلي المسلح، عوامل تحد من احتمالات الانزلاق إلى مواجهة داخلية واسعة.

لكنه حذّر من مخاطر أخرى، تشمل احتمال نشوب أزمة مؤسسية إذا رفض أحد الأطراف نتائج الانتخابات أو سعى إلى تعطيل تشكيل الحكومة، فضلاً عن إمكانية تصاعد المواجهات في الضفة الغربية، سواء بقيت الحكومة الحالية أو تولت السلطة قيادة جديدة تحاول تعديل النهج المتبع. كما رأى أن الاستقطاب المستمر قد يضعف قدرة إسرائيل على اتخاذ قرارات استراتيجية طويلة الأمد.

ولفت إلى أن المشهد الداخلي يتأثر أيضاً بالتوتر مع إيران، الذي يستخدمه نتنياهو لتعزيز صورته بوصفه قائداً قادراً على التعامل مع التهديدات الأمنية، إلى جانب تباين الإشارات الصادرة عن الولايات المتحدة وما تفرضه من قيود على هامش المناورة الإسرائيلي.

وفي المقابل، أشار إلى أن الساحة الفلسطينية، رغم الانقسام والضعف السياسي، لا تزال قادرة على إنتاج عمليات تنعكس على المزاج العام داخل إسرائيل وتؤثر في النقاشات الأمنية والانتخابية.

مستقبل نتنياهو السياسي

وتناول مصلح احتمال انسحاب نتنياهو من الحياة السياسية، مشدداً على ضرورة التمييز بين خسارته رئاسة الحكومة واعتزاله العمل السياسي بصورة نهائية. فالمعطيات الانتخابية التي عرضها قد تفتح الباب أمام خروجه من منصبه، لكنها لا تكفي، وفق تحليله، للقول إنه سيتخلى طوعاً عن قيادة حزب الليكود أو ينسحب من المشهد السياسي.

ورأى أن نتنياهو قد يواصل محاولة تشكيل حكومة حتى تتضح النتائج النهائية ومواقف الأحزاب، مستفيداً من علاقاته داخل معسكر اليمين ومن أي فارق محدود في عدد المقاعد. كما أن خروجه المبكر من المنافسة قد يحول الصراع من معركة على رئاسة الحكومة إلى منافسة داخل الليكود على خلافته، وهو ما قد يدفعه إلى التمسك بموقعه حتى بعد ظهور نتائج غير مواتية له.

وأضاف أن انتقال نتنياهو إلى صفوف المعارضة، في حال فشله في تشكيل الحكومة، يظل أحد الخيارات المطروحة، إذ يمكن أن يتيح له الاحتفاظ بنفوذه داخل الحزب والتأثير في أداء الحكومة الجديدة، مع انتظار أي أزمة سياسية أو أمنية قد تعيد خلط الأوراق. وبذلك، فإن خسارة المنصب لا تعني بالضرورة نهاية دوره في السياسة الإسرائيلية أو انعدام فرص عودته مستقبلاً.

وأشار مصلح إلى أن الملفات القضائية والسياسية التي يواجهها نتنياهو قد تزيد تعقيد حساباته بشأن ترك السلطة، من دون أن يعني ذلك أنها ستمنعه حتماً من التنحي. ووفق تقديره، قد يسعى إلى الحفاظ على موقع مؤثر أو التوصل إلى تسوية داخلية بدلاً من التخلي عن القيادة من دون ضمانات سياسية.

وحدد ثلاثة مؤشرات لمتابعة مستقبل نتنياهو بعد الانتخابات: طبيعة مواقف قادة الليكود من القيادة، واتجاه مواقف الأحزاب الحريدية بشأن استمرار دعمه، وقدرة آيزنكوت على بناء ائتلاف مستقر لا يعتمد على تفاهم هش مع الأحزاب العربية. واعتبر أن تزايد النقاش داخل الليكود بشأن بديل قيادي، وتراجع دعم الحلفاء، وتعذر تشكيل حكومة مستقرة، قد تفتح المجال أمام انتقال نتنياهو من قيادة الحزب، بينما سيظل تمسكه بموقعه احتمالاً قائماً ما دامت هذه العوامل لم تتبلور.

اختبار الحكم والاستقرار

وخلص مصلح إلى أن الانتخابات الإسرائيلية تمثل اختباراً مترابطاً لقدرة نتنياهو على الاحتفاظ بالسلطة، ومدى استعداد المجتمع الإسرائيلي لتحمل تبعات السياسات المتبعة في الضفة الغربية، وإمكانية انتقال الحكم في ظل الاستقطاب الحاد. وأكد أن نتيجة الانتخابات، أياً كانت، لن تنهي تلقائياً الأزمات الأمنية والسياسية التي تواجه إسرائيل، كما أن تغيير القيادة لا يعني بالضرورة تغيير النهج.

وشدد على أن مستقبل نتنياهو سيتحدد من خلال تفاعل النتائج الانتخابية مع موازين القوى داخل الليكود ومواقف حلفائه وقدرة المعارضة على تشكيل حكومة متماسكة. فإذا بقيت المعارضة منقسمة واعتمدت على ائتلاف هش، فقد لا تؤدي خسارته المحتملة إلى إبعاده نهائياً عن المنافسة السياسية، بينما قد يزداد احتمال تراجعه التدريجي إذا ظهرت قيادة بديلة داخل حزبه وتراجعت فرص عودته إلى الحكم.

وأكد أن استمرار دورة العنف في الضفة الغربية يظل أحد أبرز التحديات التي ستواجه أي حكومة إسرائيلية مقبلة، ما لم تُعالج العوامل السياسية والأمنية التي تسهم في استمرارها. وبذلك، فإن السؤال لا يقتصر على هوية رئيس الحكومة المقبل، بل يمتد إلى قدرة النظام السياسي الإسرائيلي على إنتاج حكومة مستقرة، ومدى استعدادها لتغيير السياسات التي تغذي التوتر على الأرض.