باحث فلسطيني لـ ”النهار”: اختناق أسواق غزة وتقليص الإغاثة يدفعان السكان نحو الجوع والانهيار الاقتصادي

حذّر الباحث الاقتصادي الفلسطيني أحمد أبو قمر من تفاقم الأزمة الاقتصادية والإنسانية في قطاع غزة، في ظل استمرار القيود على دخول البضائع ونقص السلع الأساسية وتقليص المساعدات المقدمة للسكان، مؤكداً أن تراجع الإمدادات بالتزامن مع انهيار القدرة الشرائية للأسر يفاقم اختلالات الأسواق ويهدد بتوسيع دائرة انعدام الأمن الغذائي، في وقت تتراجع فيه الأنشطة الاقتصادية وتتقلص فرص التعافي.
وأوضح أبو قمر، في تصريحات لـ"النهار"، أن أزمة الأسواق تتجاوز مجرد نقص البضائع، لتشمل التحكم في نوعية السلع المتاحة وكمياتها، بما يحد من قدرة السوق المحلية على تلبية الاحتياجات الأساسية. وجاء ذلك بعد إغلاق معبر كرم أبو سالم لمدة ستة أيام وإعادة فتحه جزئياً، إذ لم يؤد استئناف دخول الشاحنات إلى إنهاء النقص الحاد في السلع الأكثر إلحاحاً، مثل الخضروات والفواكه والطحين، فيما وصلت الأزمة إلى حد إغلاق بعض المخابز، بالتزامن مع دخول شحنات من الفحم وسلع أخرى أقل أولوية غذائية.
فجوة الإمدادات تتسع
وأشار الباحث الاقتصادي إلى أن حجم الواردات لا يتناسب مع احتياجات القطاع، موضحاً أن غزة تحتاج إلى أكثر من 800 شاحنة يومياً، بينما يبلغ متوسط ما يدخل الأسواق نحو 200 شاحنة فقط، مقارنة بـ600 شاحنة ينص عليها البروتوكول الإغاثي. وتعني هذه الأرقام، بحسب المعطيات التي أوردها، أن الواردات المتاحة تقل بنحو 75% عن الاحتياجات المقدرة، ولا تتجاوز ثلث العدد المنصوص عليه في البروتوكول، الأمر الذي يبقي الأسواق عاجزة عن توفير السلع بالكميات المطلوبة.
ولفت أبو قمر إلى أن النقص لا يقتصر على المواد الغذائية، بل يمتد إلى مستلزمات ضرورية لاستمرار النشاط الاقتصادي، من بينها الزيوت المعدنية والوقود الذي يدخل بكميات مقيدة. ويؤدي غياب هذه المدخلات إلى ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج والتشغيل، وتعطيل المنشآت، وإضعاف قدرة الأنشطة الاقتصادية المتبقية على الاستمرار، بما يعرقل أي محاولة للتعافي في ظل الدمار الواسع الذي أصاب البنية الاقتصادية.
وتكشف هذه المؤشرات، وفقاً لتحليله، عن أزمة مركبة تجمع بين نقص المعروض وتراجع الإنتاج وانكماش الطلب، نتيجة اتساع رقعة الفقر والبطالة وانهيار مصادر الدخل. ولا يقتصر أثر القيود على حرمان السكان من السلع الأساسية، بل يمتد إلى تعطيل حركة السوق وإضعاف النشاط التجاري، بما يعمق الأزمة الاقتصادية ويحد من قدرة الأسر والتجار على مواجهة الضغوط المتزايدة.
تقليص الإغاثة يفاقم الأزمة
وفي سياق متصل، حذّر أبو قمر من تداعيات قرار برنامج الأغذية العالمي تقليص المساعدات المقدمة لنحو 500 ألف فلسطيني في قطاع غزة، معتبراً أنه يمثل ضربة إضافية للاقتصاد المنهك، إذ لا تتوقف آثاره عند تراجع الدعم الغذائي، وإنما تمتد إلى انخفاض القدرة الشرائية للأسر ومستويات الاستهلاك والطلب في الأسواق المحلية.
وأوضح أن خروج قرابة ربع سكان القطاع من مظلة المساعدات يوسع الفجوة بين الاحتياجات الأساسية والموارد المتاحة، خصوصاً أن الحرب دمّرت الأنشطة الاقتصادية وحرمت أعداداً كبيرة من السكان من مصادر دخلهم. ومع اعتماد نحو 95% من الأسر في غزة على المساعدات، وفق الأرقام التي أوردها، فإن تقليص الدعم يهدد بتعميق انعدام الأمن الغذائي، ويدفع مزيداً من العائلات إلى خفض استهلاكها أو الاستدانة لتأمين الحد الأدنى من احتياجاتها.
وأضاف أن تداعيات تقليص الإغاثة تتجاوز الجانب الإنساني لتطال حركة الأسواق نفسها؛ فتراجع المساعدات يضعف قدرة الأسر على شراء السلع الأساسية، بينما يؤدي انخفاض الطلب إلى زيادة الضغوط على التجار والأنشطة التجارية المتبقية. وبهذا، تدخل الأسواق في حلقة متفاقمة من الفقر وتراجع الاستهلاك وضعف النشاط الاقتصادي، في ظل انهيار فرص العمل ومحدودية مصادر الدخل.
وبحسب أبو قمر، يأتي ذلك وسط تجاوز البطالة 80% وارتفاع الفقر إلى أكثر من 90%، وفق التقارير الأممية التي استند إليها، فيما أشار إلى أن نسبة انعدام الأمن الغذائي وصلت إلى 67%. وتعكس هذه المؤشرات حجم التداخل بين الأزمة الإنسانية والانكماش الاقتصادي؛ فكلما تراجعت المساعدات والقدرة الشرائية، تقلص الطلب في الأسواق، وتزايدت الضغوط على الأنشطة التجارية، بما يعمق هشاشة الاقتصاد المحلي.
خلل في توزيع السلع
وأكد الباحث الاقتصادي أن الأزمة لا ترتبط بحجم المساعدات والإمدادات وحده، بل تشمل أيضاً نوعية السلع التي تصل إلى الأسواق ومدى توافقها مع الاحتياجات الفعلية للسكان. فالإغراق المتكرر للسوق بأصناف محدودة، مثل الطحين والمعلبات، لا يعوض النقص في الأغذية المتنوعة والمتوازنة، كما أن دخول بعض السلع الأقل أولوية في وقت تعاني فيه الأسواق نقصاً في الخضروات والفواكه والمواد الضرورية لإنتاج الخبز يكشف، وفق طرحه، عن فجوة بين طبيعة الإمدادات والاحتياجات اليومية للسكان.
وحذّر أبو قمر من أن استمرار تقليص برامج الإغاثة بذريعة نقص التمويل يثير تساؤلات بشأن استدامة الاستجابة الإنسانية في قطاع يعتمد معظم سكانه على الدعم الخارجي. كما أن استمرار القيود على الواردات بالتزامن مع تراجع المساعدات يرفع مخاطر تفاقم انعدام الأمن الغذائي وتجدد الجوع الحاد، خصوصاً في ظل ضعف القدرة الشرائية وغياب مصادر الدخل لدى شرائح واسعة من السكان.
وشدد على ضرورة ضمان تدفق الغذاء والوقود ومستلزمات الإنتاج بكميات تتناسب مع احتياجات القطاع، إلى جانب استدامة المساعدات وتحسين إدارتها وتنوعها بما يضمن وصولها إلى مستحقيها. كما دعا إلى إعادة تفعيل دور وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا»، باعتبارها جزءاً من الاستجابة المطلوبة للتخفيف من الضغوط الإنسانية المتفاقمة.
وخلص أبو قمر إلى أن معالجة الأزمة تتطلب التعامل مع اختناق الأسواق وتقليص الإغاثة باعتبارهما مشكلتين مترابطتين؛ فزيادة تدفق السلع الأساسية لا تحقق أثرها المطلوب من دون تحسين نوعية الإمدادات، كما أن استمرار المساعدات يظل ضرورياً لحماية الحد الأدنى من الاستهلاك لدى الأسر التي فقدت مصادر دخلها. وفي ظل هذه الظروف، يصبح ضمان وصول الغذاء والوقود ومستلزمات الإنتاج واستدامة الإغاثة ضرورة للحد من تفاقم الكارثة الإنسانية والاقتصادية في قطاع غزة.

