وفاة غامضة بمعهد روسي للطاعون.. 5500 فحص دون تشخيص وتحفظ أوروبي على تقييم المخاطر

الصحة العالمية لا تستبعد التعرض المهني.. ومركز أوروبي: المعلومات غير كافية لحسم المخاطر
انتهاء متابعة نحو 200 مخالط دون إصابات إضافية.. وروسيا تنفي وقوع حادث داخل المختبر
إسلام عنان لـ«النهار»: العلاج المبكر يقلل مخاطر الطاعون.. وعوض تاج الدين يؤكد غياب الأدلة على الإصابة به
أكثر من 5500 فحص معملي، وتحقيقان بشأن إجراءات السلامة داخل المختبر، ومتابعة طبية لنحو 200 شخص، ومع ذلك لا تزال وفاة شابة روسية تعمل في معهد متخصص بأبحاث الطاعون دون تفسير طبي حاسم، بعدما عجزت الفحوص المعلنة عن تحديد مسبب الالتهاب الرئوي الحاد الذي أودى بحياتها، بينما أبقت جهات صحية دولية الواقعة تحت المتابعة رغم إعلان السلطات الروسية انتهاء الإجراءات الاحترازية
وجاء أحدث تقييم دولي للواقعة في تقرير أصدره المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض ومكافحتها يوم 16 أكتوبر، أكد فيه أن المعلومات المتاحة لا تسمح بالتوصل إلى استنتاج حاسم بشأن المخاطر المحتملة على سكان الاتحاد الأوروبي، في ظل غياب التشخيص النهائي وعدم معرفة مصدر الإصابة أو طريقة التعرض لها
وتعود الواقعة إلى وفاة داريا شيبيلوفا، البالغة من العمر 28 عامًا، والتي كانت تعمل في معهد إيركوتسك لأبحاث مكافحة الطاعون في سيبيريا، بعد دخولها المستشفى في 29 سبتمبر إثر إصابتها بأعراض تنفسية تطورت سريعًا إلى التهاب رئوي حاد، قبل وفاتها في الثاني من أكتوبر
وأثارت الوفاة مخاوف صحية عقب تداول تقارير صحفية روسية عن احتمال تحطم أنبوب اختبار يحتوي على بكتيريا الطاعون أثناء العمل، وهو ما دفع السلطات إلى اتخاذ إجراءات وقائية واسعة شملت عزل مخالطين وفحصهم، وسط تساؤلات بشأن احتمال تعرض الباحثة لعدوى مرتبطة بطبيعة عملها
وفي تقرير أصدرته منظمة الصحة العالمية يوم 10 أكتوبر، أوضحت أن السلطات الروسية أجرت أكثر من 5500 فحص معملي شملت البحث عن مسببات الأمراض شديدة الخطورة، من بينها بكتيريا الطاعون، دون اكتشاف أي من المسببات الخطيرة التي شملتها الاختبارات
وأكدت المنظمة أن متابعة جميع المخالطين انتهت بحلول 9 أكتوبر، بعد مراقبة طبية استمرت سبعة أيام، دون ظهور أعراض عليهم أو تسجيل حالات إضافية من الالتهاب الرئوي الحاد مرتبطة بالوفاة، رغم اكتشاف إصابتين بكوفيد-19 وثلاث إصابات بالفيروس الأنفي وإصابة ببكتيريا من جنس المستدمية بين بعض المخالطين، دون ثبوت صلتها بالحالة المتوفاة
لكن انتهاء إجراءات المراقبة لم يحسم جميع التساؤلات، إذ أقرت منظمة الصحة العالمية بعدم قدرتها على التقييم المستقل لمدى كفاية فترة متابعة المخالطين لاستبعاد جميع الأسباب المحتملة للمرض، في ظل عدم تحديد العامل المسبب للالتهاب الرئوي الذي أنهى حياة الباحثة
وفي المقابل، نفت هيئة الرقابة الصحية الروسية «روسبوتريبنادزور» وقوع أي حادث متعلق بالسلامة البيولوجية داخل المعهد، مؤكدة أن لجنتين أجرتا مراجعتين مستقلتين لإجراءات التعامل مع مسببات الأمراض الخطيرة، ولم ترصدا أي واقعة تسرب أو حادث أثناء العمل
وأبلغت السلطات الروسية منظمة الصحة العالمية بأن الوفاة لم تنتج عن الإصابة بالطاعون، وأن الباحثة كانت قد تلقت التطعيمات المتعلقة بالمسببات المرضية الخطيرة التي تتعامل معها مهنيًا، كما لم تغادر منطقة إيركوتسك خلال الأسبوعين السابقين لظهور الأعراض
ورغم هذه التأكيدات، أوضحت منظمة الصحة العالمية أن البيانات المتاحة لا تسمح باستبعاد التعرض المهني لمادة معدية بصورة قاطعة، مشددة على الحاجة إلى معلومات سريرية ومعملية ووبائية إضافية لتحديد سبب الوفاة وتقييم المخاطر بدرجة أكبر من اليقين
ولم تجد المنظمة، وفق المعلومات التي تلقتها من السلطات الروسية، دليلًا على استمرار انتقال عدوى مرتبطة بالواقعة، ولذلك لم توص بفرض قيود على السفر أو التجارة، فيما أكد المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض ومكافحتها استمرار التنسيق مع المنظمة والجهات الصحية الدولية لمتابعة أي معلومات جديدة
وفي تصريحات خاصة لـ«النهار»، قال الدكتور إسلام عنان، مستشار السياسة الصحية والاقتصاد الدوائي، إن الطاعون لم يعد ينتشر بالصورة التي عرفها العالم خلال العصور السابقة، رغم استمرار تسجيل إصابات بشرية في بعض المناطق، موضحًا أن توافر المضادات الحيوية وتطور وسائل التشخيص ساهما في تقليل مخاطره، خاصة مع بدء العلاج مبكرًا
وتختلف خطورة الطاعون بحسب نوع الإصابة، فالشكل الدبلي ينتقل غالبًا عبر لدغات البراغيث المصابة، بينما يحدث طاعون إنتان الدم عندما تصل البكتيريا إلى مجرى الدم، أما الطاعون الرئوي فيصيب الرئتين ويمكن أن ينتقل بين الأشخاص عبر الرذاذ التنفسي خلال المخالطة القريبة
ومن جانبه، أكد الدكتور محمد عوض تاج الدين، مستشار رئيس الجمهورية لشؤون الصحة والوقاية، خلال مداخلة هاتفية ببرنامج «يحدث في مصر» يوم 7 أكتوبر، عدم وجود أدلة علمية مؤكدة تثبت أن الطاعون تسبب في وفاة الباحثة الروسية، محذرًا من خطورة النوع الرئوي بسبب سرعة تطور الإصابة وإمكانية انتقالها بين الأشخاص
وأوضح تاج الدين أن المرض يختلف عن فيروس كورونا، وأن التشخيص المبكر وتوافر المضادات الحيوية أسهما في تحسين فرص علاجه مقارنة بالماضي
وبين نفي السلطات الروسية وقوع حادث معملي، وتحفظ الجهات الصحية الدولية على استبعاد التعرض المهني، تبقى وفاة شيبيلوفا بلا تشخيص نهائي معلن، فرغم انتهاء متابعة المخالطين وعدم تسجيل إصابات إضافية مرتبطة بالواقعة، فإن السؤال الطبي الأساسي لم يُحسم بعد، وهو تحديد المسبب الذي أدى إلى إصابتها بالالتهاب الرئوي القاتل

