النهار
جريدة النهار المصرية

سياسة

عالمة الفيزياء النووية هبة سعودي بعد إدراجها في المركز الـ31 عالميًا: نعاني من أزمة هجرة العلماء.. وأبحاثي لتطوير مواد للتدريع الإشعاعي

الدكتورة هبة سعودي
حوار: صابر أبو الفضل -

أستاذة الفيزياء النووية بجامعة الأزهر في حوار خاص مع النهار:

مصر تمتلك خبرات علمية مهمة.. والمطلوب ربط البحث العلمي بالاحتياجات الفعلية للمشروعات الوطنية

لا ينقص الباحث المصري الذكاء أو القدرة على الابتكار.. لكنه يحتاج إلى معامل مجهزة وتمويل مستقر وشريك صناعي

حوار: صابر أبو الفضل

لم تعد إنجازات العلماء المصريين حبيسة المعامل والمجلات العلمية المتخصصة، فبعضها أصبح محل اهتمام واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما لفت الأنظار إلى أسماء مصرية تعمل في مجالات علمية دقيقة، وتسعى إلى تقديم أبحاث قادرة على المنافسة عالميًا وخدمة المجتمع.

ومن بين هذه الأسماء الدكتورة هبة سعودي، التي أُدرجت في المركز الـ31 عالميًا في تخصص المواد النووية والآثار الإشعاعية وفق تصنيف Top1000 Scholar لعام 2026، إلى جانب إدراجها ضمن قائمة أفضل 2% من العلماء الأكثر تأثيرًا عالميًا وفق قائمة ستانفورد وإلسيفير، بحسب ما أوضحته.

وفي حوارها مع النهار، تتحدث الدكتورة هبة سعودي عن مشاعرها بعد احتفاء المصريين بها، ومحطات مهمة في رحلتها العلمية، وأبحاثها في تطوير مواد للحماية من الإشعاع، كما تشرح أهمية تخصصها في الحياة اليومية، وتكشف رؤيتها لمستقبل البحث العلمي في مصر، وما يحتاج إليه العلماء لتحويل نتائج أبحاثهم إلى تطبيقات عملية، وصولًا إلى إمكانية أن تصبح مصر مركزًا إقليميًا مؤثرًا في أبحاث المواد النووية والحماية الإشعاعية.. فإلى نص الحوار

بداية، ما شعوركِ عندما رأيتِ احتفاء المصريين بكِ عبر مواقع التواصل الاجتماعي؟ وهل توقعتِ هذا التفاعل مع إنجاز علمي في تخصص دقيق؟

بصراحة، ما كنتش أتوقع إن خبر في تخصص دقيق زي الفيزياء النووية يحظى بكل التفاعل ده، لكن فرحت جدًا؛ لأنه أكد لي إن الناس بتقدر العلم والعلماء، وإن المصريين بيفرحوا بابن أو بنت من أبناء وطنهم لما يحققوا إنجاز يرفع اسم مصر والأزهر الشريف.

الإنجاز ده مش مجهود فرد واحد، لكنه ثمرة فضل ربنا، ودعم أساتذتي ووالدي، رحمهم الله، وشركائي في البحث العلمي، وثقة جامعتي، وسند أسرتي. وأتمنى إن فرحة الناس دي تكون دافعًا لشبابنا وبناتنا إنهم يحلموا ويجتهدوا، ويؤمنوا إن العلم طريق حقيقي لخدمة الوطن، فنفسي أسيب أثرًا نافعًا، مش مجرد اسم، وأكون سببًا في إن حد بعدي يقدر يوصل لمكان أبعد مما وصلت إليه.

 بعيدًا عن المعمل والجامعة والأبحاث، من هبة سعودي؟ وإيه الحكاية اللي ما يعرفهاش الناس عنك؟

هبة سعودي إنسانة بسيطة جدًا، بتحب أسرتها وشغلها وطلابها وجامعتها وبلدها، أنا اجتماعية جدًا، بحب الناس والتواصل معاهم، واللي يمكن ناس كتير ما يعرفوهوش إن رحلتي للفيزياء النووية ما كانتش مستقيمة من البداية، أنا حبيت المجال أثناء دراستي الجامعية، لكن لما اتعينت معيدة، اتوزعت على تخصص فيزياء الجوامد وفق احتياجات القسم. 

وبدأت دراساتي العليا في التخصص ده، لكن أثناء الماجستير أخدت إجازة لرعاية أطفالي وهم صغيرين، وبعد رجوعي، أُتيحت لي فرصة الاختيار بين الاستمرار في التخصص أو البدء من جديد في المجال اللي كان قلبي متعلقًا بيه، فاخترت الفيزياء النووية، وقتها ما كنتش أعرف إن القرار ده هيكون بداية رحلة مختلفة، لكن النهارده بقول إن ترتيبات ربنا أفضل من كل خططنا، وإن التأخير أحيانًا بيكون خيرًا كبيرًا إحنا لسه مش شايفينه.
وأنا كمان زوجة وأم لثلاثة أبناء، وبؤمن إن الأسرة مش عائق أمام النجاح، بالعكس، هي السند اللي بيدينا القوة نكمل، حتى لو الطريق طويل.

ما أصعب مرحلة واجهتك في رحلتك العلمية، وهل فكرتِ في وقت ما إنك تتراجعي؟
من أصعب المراحل بالنسبة لي إني كنت بدرس تخصصًا ما كنتش حاسة تجاهه بالشغف اللي عندي للفيزياء النووية، أثناء الماجستير في فيزياء الجوامد، فكرت أكتر من مرة إني أتوقف وأترك المجال؛ لأن الإنسان بيكون صعب عليه يكمل في طريق مش حاسس إنه مكانه.


لكن من المواقف اللي أثرت في حياتي إني قابلت أستاذي ومعلمي الراحل الدكتور سمير الخميسي، أستاذ الفيزياء النووية بجامعة عين شمس، صدفة في مطار الرياض، وشجعني على الاستمرار، الموقف ده كان له أثر كبير في نفسي، وبفتكره دائمًا بكل تقدير وامتنان، وبعتبره واحدًا من المواقف اللي بتأكد لنا قد إيه كلمة تشجيع من أستاذ ممكن تغيّر حياة إنسان.
وكان فيه تحدٍ آخر، وهو محاولة التوازن بين مسؤولياتي كأم وزوجة، وواجبي تجاه جامعتي وطلابي وبحثي العلمي، خاصة في المراحل اللي بيكون فيها البحث محتاج وقتًا وتركيزًا كبيرين.

ماذا يعني علميًا حصولكِ على المركز الـ31 عالميًا في تخصص المواد النووية والآثار الإشعاعية بتصنيف Top1000 Scholar لعام 2026؟ ومتى علمتِ بالتصنيف؟
هو تقدير أعتز به جدًا، لكن بالنسبة لي، قيمة الإنجاز مش في رقم المركز وحده، وإنما في إن البحث العلمي المصري والأزهري قادر على الحضور والمنافسة عالميًا، وأنا أعتز أيضًا بإدراجي ضمن قائمة ستانفورد وإلسيفير منذ عام 2021 وحتى الآن، لأفضل 2% من العلماء الأكثر تأثيرًا عالميًا، وهو تقدير أعتبره مسؤولية قبل ما يكون مصدر فخر.

لحظة معرفتي بالتصنيف كانت بالنسبة لي لحظة فرح وامتنان، وأول إحساس كان الحمد لله على فضله وكرمه، ثم تذكرت كل من كان له فضل في الرحلة دي؛ أساتذتي اللي علموني، وشركائي في الأبحاث، وأسرتي اللي كانت سندًا لي، وجامعة الأزهر اللي أنتمي إليها وأعتز بها.

ما أهم بحث أو اكتشاف في مسيرتك تتمنين أن يعرف الجمهور أثره العملي، وليس فقط عنوانه العلمي؟
من الصعب أختزل مسيرة بحثية امتدت لسنوات في بحث واحد، لكن من المجالات اللي أعتز بها أبحاث تدريع أشعة جاما والنيوترونات، ودراسة المواد اللي ممكن نستخدمها في الحماية من الإشعاع.

على سبيل المثال، بندرس تركيبات زجاجية ومواد مختلفة لمعرفة مدى قدرتها على إضعاف الإشعاع وتقليل نفاذه، مع الحفاظ على الخصائص المناسبة للاستخدام، واهتممنا كمان بدراسة الاستفادة من مخلفات صناعية، مثل مخلفات البورسلين وقش الأرز وقشر الموز، في تطوير مواد ذات خصائص محسّنة.

أهمية الأبحاث دي إنها مش بتتوقف عند معرفة الخصائص العلمية للمادة، لكنها بتدرس كفاءتها ومدى صلاحيتها للتطبيق، وفق الاختبارات والمعايير المطلوبة، وأتمنى إن نتائج الأبحاث دي تساهم في تطوير مواد يمكن الاستفادة منها في المنشآت الطبية والصناعية والنووية، بعد استكمال اختبارات الأمان والتقييم الفني اللازمة.

أجمل شيء إن نتيجة علمية منشورة تتحول إلى حل عملي يفيد الإنسان، ويحافظ على البيئة، ويساعد على الاستفادة من الموارد المتاحة بصورة أفضل.

كيف تشرحين للمواطن العادي أهمية تخصصك، وأين يمكن أن يلمس تطبيقاته في حياته اليومية؟
ببساطة شديدة، تخصصي بيدرس تأثير الإشعاع على المواد، وإزاي نطوّر مواد تقدر تتحمل ظروف التعرض للإشعاع أو تقلل نفاذه، بما يساعد على استخدام الإشعاع بصورة آمنة ونافعة.

الإشعاع مش كله خطر، ومش معناه إنه آمن بصورة مطلقة؛ التأثير بيتوقف على نوع الإشعاع وطاقته والجرعة ومدة التعرض وطريقته، وعشان كده، المطلوب مش إننا نخاف من الإشعاع، لكن إننا نفهمه ونتعامل معاه بالعلم والضوابط الصحيحة.

تطبيقات المجال موجودة في المستشفيات، في الحماية الإشعاعية المرتبطة بأقسام الأشعة والعلاج الإشعاعي والطب النووي، وفي المنشآت الصناعية اللي بتستخدم مصادر إشعاعية، وفي التطبيقات النووية السلمية، وكمان في تطوير مواد تتحمل ظروف التشغيل القاسية.
يعني المواطن ممكن ما يشوفش البحث العلمي بنفسه، لكنه يستفيد من نتائجه في تحسين وسائل الحماية، ودعم سلامة العاملين والمرضى، وتطوير تطبيقات صناعية أكثر أمانًا وكفاءة، رسالتي ببساطة: نفهم الإشعاع بدل ما نخاف منه، ونستخدم العلم علشان نحمي الإنسان ونخدم الحياة.

مع تطور مشروع الطاقة النووية المصري، أين يقف البحث العلمي المصري في المجالات المرتبطة بالمواد النووية والحماية من الإشعاع؟
مصر تمتلك قاعدة علمية وبحثية مهمة، وبها علماء وخبرات متخصصة ومؤسسات قادرة على المساهمة في المجالات المرتبطة بالطاقة النووية والحماية من الإشعاع، فلدينا خبرات في الفيزياء النووية وعلوم المواد والقياسات والوقاية الإشعاعية، وغيرها من المجالات المرتبطة بالاستخدامات السلمية للطاقة النووية.

ومع تطور المشروع النووي المصري، وعلى رأسه محطة الضبعة، بتزيد أهمية الربط بين الخبرات دي والاحتياجات الفعلية للمشروعات الوطنية، فالموضوع مش مجرد إنشاء محطة لتوليد الكهرباء، لكنه كمان يحتاج إلى كوادر مدربة، وبحث وتطوير، ومراقبة للجودة والأمان، وإدارة للمواد والمخلفات وفق المعايير المعتمدة.

المرحلة المقبلة تحتاج إلى توسيع التعاون بين الجامعات والمؤسسات البحثية والجهات المعنية بالطاقة النووية، وتوجيه جانب من الأبحاث إلى احتياجات واقعية مرتبطة بالمواد والحماية الإشعاعية والسلامة، وثقتي كبيرة في قدرة الباحث المصري، وأتمنى إننا ننتقل من امتلاك الخبرة العلمية إلى توظيفها بصورة أكبر في بناء القدرات الوطنية ودعم التكنولوجيا المصرية.

وما الذي ينقص الباحث المصري ليحوّل أبحاثه إلى تطبيقات صناعية أو تكنولوجية تستفيد منها الدولة؟
الباحث المصري لا ينقصه الذكاء ولا القدرة على الابتكار، لكن أحيانًا بتنقصه البيئة المتكاملة اللي تساعده ينقل فكرته إلى التطبيق، فنحتاج إلى معامل مجهزة ومتاحة، وتمويل مستقر للمشروعات البحثية، وفرص حقيقية للتعاون مع المصانع والشركات، ودعم يساعد الباحث على حماية فكرته ببراءة اختراع وتطويرها حتى تصبح منتجًا قابلًا للاستخدام.

أحيانًا البحث العلمي بيكون جيدًا جدًا، لكن المسافة بين نشره في مجلة علمية وتطبيقه على أرض الواقع بتكون كبيرة؛ لأن كل مرحلة تحتاج إلى اختبارات وتطوير، وشريك صناعي يؤمن بالفكرة ويتبناها، لذلك، أتمنى أن يكون لكل مشكلة صناعية أو تكنولوجية مهمة مسار واضح يربطها بالجامعات والمراكز البحثية القادرة على إيجاد حلول لها، فالبحث العلمي مش مجرد ورقة منشورة، لكنه فكرة بتتحول إلى حل، والحل لما يخدم المجتمع تبقى للعلم قيمة أكبر وأثر أبقى.

وكيف نحافظ على علمائنا في التخصصات الاستراتيجية، ونوفر لهم بيئة تسمح لهم بالمنافسة عالميًا من داخل مصر؟
أول خطوة هي إن العالم يشعر إن وطنه بيقدّر علمه، وإن عنده فرصة حقيقية للعمل والإنتاج والتطوير، من غير ما تستنزف طاقته العقبات الإدارية أو نقص الإمكانات، نحتاج إلى معامل حديثة، وتمويل بحثي مستمر، وفرص عادلة للترقي والتقدير على أساس الكفاءة، إلى جانب دعم فرق البحث العلمي والشباب، وإتاحة فرص المشاركة في المؤتمرات والمشروعات الدولية.

كمان لازم نمنح الباحث قدرًا أكبر من المرونة في إدارة مشروعاته، ونخفف الإجراءات اللي بتستهلك الوقت والجهد من غير ما تضيف قيمة حقيقية للعمل العلمي، النجاح العلمي لا يصنعه فرد بمفرده، لكنه نتيجة منظومة تحترم العلم، وأساتذة يوجهون، وزملاء يتعاونون، ومؤسسات تؤمن بأن الاستثمار في العقول هو استثمار في مستقبل الوطن.

هل تعاني مصر من هجرة علمائها بحثًا عن فرص وإمكانات أفضل بالخارج؟ وكيف يمكن الحد من هذه الظاهرة؟
نعم، البحث عن إمكانات أفضل وفرص أوسع يمثل أحد التحديات اللي بتواجه بعض الباحثين، خصوصًا في التخصصات اللي بتعتمد على أجهزة متقدمة ومعامل مرتفعة التكلفة وتمويل مستمر، لكن القضية مش مجرد سفر عالم أو بقائه، وإنما: هل يستطيع أن يجد البيئة اللي تساعده على الإبداع والإنتاج؟ وهل نقدر نستفيد من خبرات علمائنا بالخارج ونربطها بالمؤسسات البحثية داخل مصر؟

العلاج يبدأ من الداخل، بتوفير الإمكانات الأساسية، وبناء معامل متخصصة، وتقديم منح تنافسية، ودعم الباحثين الشباب، وإنشاء برامج تعاون تتيح تبادل الخبرات وتنفيذ مشروعات مشتركة.

ومن المهم كمان أن تكون فيه فرص واضحة لتحويل نتائج الأبحاث إلى تطبيقات، وأن يشعر الباحث إن جهده ممكن يصنع تغييرًا حقيقيًا في بلده، مصر لديها عقول قادرة على المنافسة، وأتمنى إننا نوصل لمرحلة ما يضطرش فيها الباحث للاختيار بين تحقيق حلمه العلمي وخدمة وطنه، بل يلاقي في مصر ما يساعده على الجمع بين الاثنين.

وهل يمكن لمصر أن تتحول إلى مركز إقليمي مؤثر في أبحاث المواد النووية وتطبيقات الحماية من الإشعاع؟ وما المطلوب لتحقيق ذلك؟
بالتأكيد، مصر لديها مقومات تؤهلها لتحقيق تقدم كبير في المجال ده، من جامعات عريقة، وخبرات بحثية متخصصة، وموقع جغرافي متميز، وعلاقات علمية يمكن البناء عليها مع الدول العربية والأفريقية ودول العالم.
 

لكن التحول إلى مركز إقليمي مؤثر يحتاج إلى خطة واضحة، مش مجرد طموح. نحتاج إلى معامل متقدمة، وبرامج دراسات عليا قوية، وشبكات تعاون دولية، وتمويل مستدام، ومن المهم أيضًا أن نركز على المجالات اللي نقدر نحقق فيها قيمة مضافة، مثل تطوير مواد التدريع الإشعاعي، ودراسة مقاومة المواد للإشعاع، وتطبيقات النظائر المشعة في الطب والصناعة، وتدريب الكوادر المتخصصة.

وأتمنى نشوف مشروعات بحثية مشتركة تضم باحثين من مصر والدول العربية والأفريقية، وتصبح جامعاتنا وجهة للباحثين الراغبين في التعلم والتعاون وإجراء الدراسات المتقدمة، مصر عندها العلماء، وعندها التاريخ العلمي، وعندها القدرة؛ واللي نحتاجه هو إننا نجمع المقومات دي في منظومة متكاملة تحول الإمكانات إلى إنجازات ملموسة.