نجلاء مرعي: تحالف «العلمين الرباعي» يعيد رسم موازين القوى في القرن الأفريقي ويحاصر التحركات الإثيوبية
القرن الأفريقي يشتعل.. تحركات مصرية لحماية النفوذ من النيل إلى البحر الأحمر

لم يعد القرن الأفريقي مجرد دائرة بعيدة عن حسابات الأمن القومي المصري، بل أصبح أحد أكثر الملفات اتصالًا بمصالح القاهرة المباشرة، في ظل تزامن أزمات السودان والصومال مع تصاعد التوتر بين إثيوبيا وإريتريا، وتزايد أهمية البحر الأحمر وباب المندب، بالتوازي مع استمرار الخلاف حول مياه النيل.
ومع اشتعال أكثر من جبهة في الإقليم، تتحرك مصر في مساحة شديدة الحساسية تتقاطع فيها اعتبارات الأمن والمياه والملاحة والنفوذ الإقليمي.
وتكشف التطورات الأخيرة في السودان عن جانب آخر من تعقيدات هذا المشهد، إذ شهدت المنطقة الحدودية بين مصر والسودان غارة على موقع لتعدين الذهب أسفرت عن سقوط قتلى ومصابين سودانيين، دون حسم الجهة المسؤولة عن الهجوم، قبل أن تشهد الخرطوم مقتل سائقين مصريين وإصابة ثالث في واقعة إطلاق نار.
ورغم عدم ثبوت ارتباط الحادثتين، فإن تزامنهما يضيف حساسية أمنية جديدة إلى علاقة البلدين، ويكشف حجم التداعيات التي يمكن أن تنتقل من الحرب السودانية إلى محيطها.
ومن السودان، تمتد دوائر القلق المصري إلى الصومال، حيث يرتبط استقرار الدولة بأمن خليج عدن وباب المندب، وإلى إريتريا التي يمنحها موقعها على ساحل البحر الأحمر وزنًا استراتيجيًا متزايدًا، خصوصًا مع تصاعد التوتر بينها وبين إثيوبيا ورغبة أديس أبابا في استعادة منفذ بحري، ولذلك يصبح التنسيق مع هذه الدول بالنسبة إلى القاهرة جزءًا من محاولة منع انتقال الأزمات من جبهة إلى أخرى.
وفي هذا السياق جاءت قمة العلمين الرباعية في 4 أكتوبر، التي جمعت مصر والسودان والصومال وإريتريا، باعتبارها محطة ضمن تحرك أوسع، لا نهاية له، فقد أكد القادة احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، ورفض التدخلات في شؤونها، وتعزيز التعاون السياسي والاقتصادي، إلى جانب دعم استقرار الصومال والسودان، والتشديد على أن أمن البحر الأحمر مسؤولية الدول المشاطئة، فضلًا عن الالتزام بالقانون الدولي في قضايا الأنهار العابرة للحدود.
والأهم أن القمة لم تكتفِ بإعلان المواقف، بل أقرت إنشاء آلية لمتابعة مخرجاتها وعقد اللقاءات بصورة دورية، وهو ما يمنح القاهرة مساحة لبناء تنسيق مستمر مع شركائها. وظهر ذلك في اتصال وزير الخارجية بدر عبد العاطي بنظيره الصومالي في 15 أكتوبر، لبحث تطورات القرن الأفريقي والبحر الأحمر وتعزيز التعاون بين البلدين.
ومع استمرار التصعيد حول إثيوبيا وإريتريا، وتفاقم تداعيات الحرب السودانية، تبرز أمام القاهرة مهمة أكثر تعقيدًا: تحويل شبكة التنسيق الحالية إلى تحرك إقليمي قادر على احتواء الأزمات قبل أن تصل آثارها إلى المصالح المصرية.
وفي هذا السياق ترى الخبيرة في الشؤون الإفريقية، الدكتورة نجلاء مرعي، في تحليل خاص لـ"النهار" أن القمة التشاورية التي جمعت الدول الأربع، وعُقدت في 4 أكتوبر 2026 على هامش قمة العلمين الإفريقية، مثلت محطة مهمة في تشكيل ميزان القوى والأمن بمنطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر، لافتة إلى أن الدول الأربع تشكل كتلة إقليمية متماسكة تتأثر بصورة مباشرة بالسياسات الإثيوبية الحالية في ملفات المياه والحدود والسيادة البحرية والبرية.
وأوضحت مرعي أن القمة عكست تنسيقًا واضحًا للمواقف بين الدول الأربع بهدف تأمين جنوب البحر الأحمر وخليج عدن ومضيق باب المندب، وهي ممرات استراتيجية ترتبط بصورة مباشرة بالأمن القومي المصري، كما حملت رسالة جماعية حازمة برفض أي انتهاك للسيادة الوطنية أو وحدة أراضي دول المنطقة، ولا سيما الصومال والسودان.
وأضافت أن القمة استهدفت تعزيز التنسيق والتشاور لحماية أمن وسلامة دول الإقليم، والتصدي لأي تحركات أو كيانات انفصالية في المنطقة، سواء في السودان أو الصومال، مشيرة إلى أن الحديث عن إنشاء آلية رباعية مشتركة يعكس توجهًا نحو مأسسة التحرك الإقليمي، بحيث لا تكتفي القاهرة بالتعامل مع كل أزمة على حدة.
وأشارت إلى أن تفعيل هذه الآلية يمكن أن يتم عبر عدة خطوات، في مقدمتها تأسيس الأمانة التنفيذية الدائمة لقمة العلمين، على أن يعقب ذلك، وفقًا للتصور المتوقع، تشكيل لجنة دبلوماسية وأمنية دائمة تضم سفراء وممثلي الدول الأربع.
وأضافت أن من بين الخطوات المتوقعة أيضًا تدشين غرفة لتنسيق الاستخبارات البحرية، بهدف منع أي اختراق عسكري أو أمني في منطقة جنوب البحر الأحمر وخليج عدن، إلى جانب سعي مصر إلى ربط مراكز القيادة البحرية في إريتريا والصومال والسودان بشبكة معلومات استخباراتية موحدة لرصد أي تحركات عسكرية إثيوبية، وهي نقطة شديدة الأهمية في ضوء التطورات الإقليمية الحالية.
وتوقعت مرعي كذلك توسيع بروتوكولات الدفاع المشترك، سواء الثنائية أو متعددة الأطراف، مشيرة إلى أن مصر سبق أن وقعت اتفاقات مع إريتريا والسودان والصومال، فضلًا عن قمة أسمرة في أكتوبر 2024، وما ارتبط بها من اتفاقية دفاع مشترك بين مصر وإريتريا والصومال، متوقعة أن تشهد المرحلة المقبلة توسيع نطاق هذه الاتفاقيات.
وحول المسارات الأخرى التي يمكن أن تتحرك فيها القاهرة لتحويل هذا التحالف الرباعي إلى أوراق ضغط فاعلة، قالت مرعي:"إن أمن البحر الأحمر واستقرار مضيق باب المندب كانا من بين المحاور الرئيسية للقمة، ومن المتوقع أن تعمل مصر، من خلال الآلية الرباعية المشتركة، على تفعيل حوكمة الدول المتشاطئة للبحر الأحمر، بما يقطع الطريق دبلوماسيًا وقانونيًا على إثيوبيا في مساعيها للاستحواذ على موانئ بالقوة، سواء في إريتريا أو من خلال مذكرة التفاهم مع أرض الصومال".
وأضافت :"الخطوة الثانية المتوقعة تتمثل في تنظيم مناورات بحرية رباعية مشتركة في منطقة البحر الأحمر، بما يرفع مستوى الجاهزية القتالية ويسهم في حماية خطوط الملاحة الدولية".
وأوضحت أن التحرك لا يقتصر على تفعيل الآلية الرباعية المشتركة، وإنما يمتد إلى تحقيق نتائج ملموسة في ملفات استراتيجية، وفي مقدمتها أمن البحر الأحمر ودعم استقرار دول المنطقة، وعلى رأسها السودان.
وفي هذا السياق، أكدت مرعي أن مصر ستواصل دعم وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية، ورفض إنشاء أي كيانات موازية، مع تشجيع استئناف العملية السياسية بقيادة سودانية ودعم مؤسسات الدولة، إلى جانب الرفض الكامل لأي دعم للمرتزقة.
وفيما يتعلق بالصومال، أشارت إلى أن مصر ستواصل دعم وحدة وسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية، ورفض أي تدخل من شأنه تقسيم البلاد، وكذلك رفض الاعتراف بما يسمى "أرض الصومال" أو دعمها، باعتبار أن ذلك يمثل مساسًا بسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية. كما ستواصل القاهرة دعم جهود مقديشو في مكافحة الإرهاب، ودعم الشركاء الإقليميين والدوليين في بعثة الاتحاد الإفريقي لدعم الاستقرار في الصومال "أوصوم"، بما يسهم في دعم عملية الانتقال الأمني داخل البلاد.
أما بالنسبة إلى إريتريا، فتوقعت مرعي أن تعمل القاهرة على توفير شبكة أمان سياسية وعسكرية لأسمرة في مواجهة التصعيد العسكري الإثيوبي الأخير والتوغل في تيجراي، بما يمنع انفراد إثيوبيا بالساحل الإريتري، مع التأكيد على الدعم الكامل لأمن إريتريا واستقرارها، ومواصلة التنسيق معها، ورفض أي انتهاكات تمس سيادتها وأمنها ووحدتها الإقليمية.
وفي ملف المياه، قالت مرعي إن مصر نجحت، للمرة الأولى، في صياغة دبلوماسية مشتركة تضم دولتين من دول حوض النيل إلى جانب دولتين من منطقة القرن الإفريقي، هما إريتريا والصومال، وترفض السلوك الإثيوبي الأحادي.
وتوقعت أن يتم توظيف الآلية الرباعية في ممارسة ضغط جماعي داخل المحافل الدولية، وفي مقدمتها مجلس الأمن الدولي والاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي، للتأكيد على أن التصرفات الإثيوبية في الأنهار الدولية، ومنها نهر النيل، تمثل جزءًا من نمط سلوك عدائي عام يهدد السلم والأمن الإقليميين.
وأشارت مرعي إلى أنها سبق أن أكدت أن ما تقوم به إثيوبيا تجاه إريتريا، ومطالبتها بالحصول على منفذ على البحر الأحمر بالقوة، سواء عبر إريتريا أو من خلال أساليب غير قانونية تتمثل في الاعتراف بأرض الصومال، يأتي ضمن نمط سلوك إثيوبي عدائي يهدد السلم والأمن الإقليميين، وقد يدفع نحو فرض اتفاق قانوني ملزم بشأن الاستخدامات المائية لدول المصب.
وعلى الصعيد الاقتصادي، توقعت مرعي أن تسعى القاهرة إلى تسريع تنفيذ مشروعات الربط الكهربائي والتبادل التجاري مع السودان وإريتريا، إلى جانب إنشاء خطوط ملاحية تجارية مصرية مباشرة إلى موانئ في إريتريا ومقديشو بالصومال وبورتسودان في السودان، بما يعزز التبادل التجاري بين هذه الدول ويقلل من الاعتماد الإقليمي على الممرات الإثيوبية الحديثة.
واختتمت مرعي تصريحها بالتأكيد على أن هذه الخطوات يمكن أن تمثل مسارات تنفيذية ملموسة لتحويل مخرجات قمة العلمين التشاورية إلى آلية عمل مستدامة ومستمرة لمواجهة التحديات الإقليمية المتسارعة، ولا سيما التصعيد الإثيوبي-الإريتري الأخير، وأمن البحر الأحمر والتهديدات المحيطة به، إلى جانب ملف مياه النيل.

