طرق التجارة البديلة تهدد طموحات إيران في التحول إلى مركز عبور بين آسيا وأوروبا

تواجه إيران تحديات متزايدة في مساعيها للتحول إلى مركز رئيسي للتجارة والنقل بين آسيا وأوروبا، مع توسع مشاريع الربط البري والبحري والرقمي عبر آسيا الوسطى والقوقاز، وهي مسارات تمنح الدول المجاورة خيارات بديلة تتجاوز الأراضي الإيرانية، وتضع طهران أمام منافسة اقتصادية وجيوسياسية متنامية.
وبحسب تحليل نشره موقع «إيران إنترناشيونال» للخبير الاقتصادي دالغا خاتين أوغلو، فإن الاستثمارات الإقليمية في شبكات النقل والطاقة والاتصالات قد تحد من فرص إيران في الاستفادة من موقعها الجغرافي، خصوصاً مع استمرار العقوبات الغربية والتحديات التي تواجه قطاع الخدمات اللوجستية لديها.
الممر الأوسط يعزز الربط التجاري بين الصين وأوروبا
يبرز «الممر الأوسط» باعتباره أحد أبرز المشاريع المنافسة لطموحات إيران، إذ يربط الصين بأوروبا عبر آسيا الوسطى والقوقاز، من خلال شبكة من السكك الحديدية والطرق والموانئ والوصلات البحرية، من دون المرور بالأراضي الإيرانية.
ولا يقتصر المشروع على تسهيل نقل البضائع بين الأسواق الآسيوية والأوروبية، بل يشمل توسيع التجارة بين الدول الواقعة على امتداده، إلى جانب تطوير شبكات الطاقة والاتصالات والبنية التحتية الرقمية.
وفي خطوة لتعزيز هذا المسار، افتتح رئيسا أذربيجان وكازاخستان، في 15 أكتوبر، وصلة ألياف ضوئية بطول 380 كيلومتراً تمتد عبر قاع بحر قزوين، ضمن مبادرة «طريق الحرير الرقمي». وتبلغ سعة الكابل أكثر من 400 تيرابت في الثانية، بما يدعم نقل البيانات بين الشرق والغرب.
ويراهن القائمون على المشروع على أن يسهم تطوير الاتصالات الرقمية في جذب استثمارات إلى مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي وخدمات الحوسبة السحابية والصناعات التكنولوجية المتقدمة، ما يوسع أهمية الممر إلى ما يتجاوز النقل التقليدي.
استثمارات بمليارات الدولارات ومكاسب اقتصادية متوقعة
يتوقع البنك الدولي أن ترتفع أحجام الشحن عبر بحر قزوين من 8.8 مليون طن في عام 2023 إلى 32.1 مليون طن بحلول عام 2040، إذا نُفذت الاستثمارات المخطط لها.
ووفق تقديرات البنك، يمكن أن يؤدي تطوير الممر الأوسط على المدى الطويل إلى زيادة الناتج المحلي الإجمالي المشترك للدول المضيفة بنحو 3.3%، بما يعادل قرابة 58 مليار دولار وفق مستويات النشاط الاقتصادي الحالية، فضلاً عن رفع معدلات التوظيف بنحو 2.9%.
غير أن تحقيق هذه المكاسب يتطلب، إلى جانب إنشاء البنية التحتية، إصلاحات في السياسات والإجراءات التشغيلية. ويقدّر البنك الدولي الاحتياجات الاستثمارية الأساسية بما لا يقل عن 25 مليار دولار حتى عام 2040، إضافة إلى نحو 30 مليار دولار لتمويل مرافق الربط والخدمات اللوجستية والمعدات.
وتشير هذه التقديرات إلى أن المنافسة على طرق التجارة لا تتعلق بموقع جغرافي فحسب، بل بقدرة الدول على توفير شبكات نقل متكاملة وفعالة وجذب الاستثمارات اللازمة لتشغيلها.
ممر زانغزور يثير مخاوف طهران
يمثل الطريق المقترح عبر جنوب أرمينيا، المعروف باسم «ممر زانغزور»، أحد أكثر مشروعات الربط الإقليمي إثارة للجدل. ويهدف المسار إلى ربط أذربيجان الرئيسية بإقليم ناخيتشيفان التابع لها عبر الأراضي الأرمينية.
وبموجب التفاهمات التي أُعلن عنها منذ أغسطس 2025، يجري تطوير المشروع المدعوم من الولايات المتحدة تحت اسم «طريق ترمب للسلام والازدهار الدوليين»، مع احتفاظ أرمينيا بسيادتها وولايتها القضائية على أراضيها. وتتوقع أذربيجان أن تصل الطاقة الاستيعابية للطريق إلى 15 مليون طن من البضائع سنوياً، فيما يبلغ طول الجزء المار عبر أرمينيا نحو 42 إلى 43 كيلومتراً.
وبعد سنوات من معارضة طهران الشديدة للمشروع، تشير التطورات إلى تبني إيران نهجاً أكثر واقعية تجاه إدماج أرمينيا في شبكات النقل بين الشرق والغرب، رغم استمرار مخاوفها من الوجود الأمريكي قرب حدودها.
وفي سبتمبر، أعرب السفير الإيراني في يريفان عن قلقه من الوجود الأمريكي المحتمل في المنطقة، مقترحاً آلية لمعالجة مخاوف طهران. وفي 16 أكتوبر، قال وزير الخارجية الأرميني أرارات ميرزويان إن إيران استفسرت عن احتمال نشر قوات أمريكية في أرمينيا، وإن بلاده أكدت لطهران أن ذلك لن يحدث، مضيفاً أنه يعتقد أن الردود الأرمينية لاقت قبولاً إيرانياً.
وبحسب تقديرات البنك الدولي، قد يؤدي تطوير الممر الأوسط إلى زيادة الناتج المحلي الإجمالي لأرمينيا بنسبة 3.4%، بما يعادل 873 مليون دولار، ورفع التوظيف بنسبة 3.9% على المدى الطويل. لكن أرمينيا لا تُعد حالياً دولة عبور على هذا المسار، إذ تفترض التقديرات تشغيل خط سكة حديد مباشر عبر أراضيها في أوائل ثلاثينيات القرن الحالي.
ممر أراس لا يكفي لتحقيق طموحات إيران
في المقابل، بحثت أذربيجان وإيران تطوير مسار بديل يربط الأراضي الأذربيجانية بإقليم ناخيتشيفان عبر الأراضي الإيرانية، ويُعرف باسم «ممر أراس».
ومن شأن هذا المسار أن يمنح إيران دوراً في حركة النقل الإقليمية، لكنه لا يضمن تحقيق طموحها الأوسع في التحول إلى مركز رئيسي للتجارة بين آسيا وأوروبا. كما تحد العقوبات الغربية من قدرة طهران على استقطاب الشركات الأوروبية والاستثمارات اللازمة لتطوير طرق عبور تمر عبر أراضيها.
وتبرز تركيا منافساً مهماً في هذا المجال، نظراً إلى موقعها الذي يربط الممر الأوسط بالأسواق الأوروبية. ويقدّر البنك الدولي أن تطوير الممر قد يرفع الناتج المحلي الإجمالي التركي بأكثر من 47 مليار دولار، ويزيد فرص العمل بنحو 4.4% على المدى الطويل.
العراق يطور طريقاً تجارياً منافساً
لا تقتصر المنافسة على الممر الأوسط وتركيا، إذ يحرز العراق تقدماً في مشروع «طريق التنمية»، بمشاركة قطر والإمارات وتركيا. ويهدف المشروع، الذي تُقدّر تكلفته بنحو 17 مليار دولار، إلى ربط ميناء الفاو الكبير بالحدود التركية عبر شبكة من الطرق والسكك الحديدية.
وتوقع مسؤولون عراقيون أن يحقق المشروع إيرادات سنوية تقارب 4 مليارات دولار، إلا أن بلوغ هذه العوائد يظل مرتبطاً بتوافر التمويل واستكمال الأعمال وحجم الطلب التجاري الفعلي.
وتعكس أيضاً مشاريع أخرى، مثل الممر الاقتصادي المقترح بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، ومبادرة «البحار الأربعة» السورية التي تستهدف الربط بين البحر المتوسط والخليج العربي والبحر الأسود وبحر قزوين، اتجاهاً إقليمياً نحو تنويع طرق التجارة. لكن هذه المشاريع لا تزال في مراحل مختلفة من التطوير، ولم يُحسم نجاحها التجاري بعد.
ممر الشمال والجنوب يواجه تحديات التنفيذ
على الرغم من مرور أكثر من عقدين على اتفاق إيران والهند وروسيا لإنشاء ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب، لم تحقق طهران بالكامل هدفها المتمثل في أن تصبح نقطة عبور رئيسية تربط الهند بروسيا والأسواق الأوروبية.
وعلى الرغم من عبور شحنات عبر الأراضي الإيرانية، فإن وجود حركة نقل فعلية لا يعني بالضرورة أن الممر حقق جميع أهدافه التجارية، خصوصاً فيما يتعلق بجذب تدفقات مستدامة من البضائع والاستثمارات.
وتزيد مشكلات الخدمات اللوجستية من صعوبة المنافسة؛ إذ احتلت إيران المرتبة 123 في مؤشر أداء الخدمات اللوجستية للبنك الدولي لعام 2023، مسجلة 2.3 نقطة من أصل 5.
ويشير ذلك إلى أن الموقع الجغرافي، رغم ما يوفره من فرص، لا يكفي وحده لبناء مركز عبور ناجح. فتحقيق هذا الهدف يتطلب بنية تحتية موثوقة، وإجراءات حدودية أكثر كفاءة، وروابط نقل قابلة للاستمرار تجارياً، إلى جانب بيئة استثمارية تساعد على جذب الشركات الدولية.
وفي ظل توسع الممرات المنافسة، يتوقف مستقبل طموحات إيران التجارية على قدرتها على معالجة هذه العقبات وتعزيز جاذبية طرقها، قبل أن تتحول شبكات الربط الجديدة إلى بدائل راسخة تقلص دورها في حركة التجارة بين الشرق والغرب.

